أحمد رفعت يوسف
كاتب ومحلل سياسي
أدى تخلخل توازنات القوى والقوة العالمية -منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والتفرد الأمريكي بالعالم- إلى تخلخل في بنية الأمم المتحدة، التي أقيمت بشكلها الحالي، بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية؛ لتخلف بذلك عصبة الأمم، التي أقيمت -بدورها- بناء على نتائج الحرب العالمية الأولى.
هذا يشير إلى أن المنظمة الأممية تقوم –عادة- بناءً على توازنات القوى والقوة الموجودة في العالم، حين إنشائها، ولاسيما مجلس الأمن والدول دائمة العضوية، التي تمتلك حق النقض (الفيتو)، وهذه التوازنات لم تعد كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية؛ ما طرح تساؤلات حول فاعلية الأمم المتحدة بشكلها الحالي، ومدى قدرتها على حفظ الأمن والسلم في العالم.
بالتأكيد هذه التساؤلات مشروعة، بعد التغيرات الهائلة التي حدثت في العالم، أهمها تفكك الاتحاد السوفييتي ووراثة روسيا له، وانهيار حلف وارسو، والمنظومة الشرقية، وتوحيد ألمانيا، وتفكيك يوغسلافيا، ثم أحداث أيلول/سبتمبر في واشنطن ونيويورك، وغزو العراق للكويت، ثم تحرير الكويت، والغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، ثم الربيع العربي وتداعياته، وما رافق هذه التغيرات من صعود صامت للصين، ثم عودة روسيا قوة عسكرية عظمى، وتراجع الدور الأوروبي، مرورًا بمخالفة الكيان الصهيوني لكل القوانين والشرائع الأممية، ثم الحرب في أوكرانيا، وصولًا إلى التغيير الدراماتيكي في سورية، الذي عصف -بشكل كبير- بتوازنات القوة في منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، وتأثيرها في التوازنات العالمية.
التشكيك الجدي الأول بفاعلية الأمم المتحدة بشكلها الحالي، كان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، عندما كانت تحت إدارة اليمين الأمريكي المحافظ، خلال إدارة الرئيس جورج بوش الابن، والأفكار التي جاء بها، لاسيما العولمة والنيوليبرالية، المتناقضة مع ميثاق الأمم المتحدة، ومشروع الشرق الأوسط الجديد، وجرى إعلان هذا الموقف الأمريكي بشكل واضح، إلى حد العداء الظاهر للمنظمة الأممية، عندما فشلت واشنطن في أخذ تفويض من مجلس الأمن الدولي لغزو العراق، وقيامها بالغزو بدون هذا التفويض، وعندها شكك أكثر من مسؤول أمريكي كبير، ومنهم وزير الدفاع حينها دونالد رامسفيلد، بجدوى وجود الأمم المتحدة، وبأنها لم تعد ذات أهمية، وجرى حينها تعيين جون بولتون سفيرًا الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وكان من أشد المعادين للمنظمة الأممية، وقيل يومها: إن هذا التعيين كان يستهدف دور المنظمة الدولية نفسها.
جرت فرملة حالة العداء الأمريكي للأمم المتحدة بعد سقوط اليمين الأمريكي المحافظ، مع أفكاره ومشاريعه، وصعود الترامبية، لكن هذا لم يلغ التشكيك الأمريكي بالمنظمة الأممية، بدليل انسحاب إدارة ترامب الأولى، من معظم المنظمات والمؤسسات التابعة للمنظمة، وهذا يؤكد أن هذه الفرملة، لم تكن نهائية، وإنما تمت بانتظار نضج الظروف التي تسمح بذلك، وهذا ما بدأت تعبر عنه مراكز الأبحاث والدراسات، التي تشكل عادة الأساس للقرارات الأمريكية، وتمهد الطريق لاتخاذ هذه القرارات، عندما يحين وقتها.
اللافت في هذا التوقيت أن دراسات أمريكية بدأت تدعو لتشكيل كيان عالمي جديد؛ من أجل السلم والأمن، والاقتصاد والتعاون الدوليين، مؤلف من خمس دول، هي أمريكا – الصين – روسيا – الهند – اليابان.
هذه الأفكار تطرح جملة من الملاحظات حولها، أهمها:
- – تحاول تكريس القيادة الأمريكية وتحكمها بالسياسات والاقتصاديات العالمية، واستباق الصعود المتسارع للصين.
- – تستبعد بريطانيا، التي تعد دماغ العالم الرأسمالي، والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة إلى فرنسا، وهي العضو الأوروبي الثاني في المجلس، بالإضافة إلى ألمانيا، القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، وهذا يؤكد حجم التراجع الكبير للدور الأوروبي في العالم.
- – تقر بعودة روسيا قوة عظمى، بعد المحاولات الأوروبية الحثيثة لتحجيمها، وحتى تقسيمها على الطريقة السوفيتية، وهو الهدف الذي قامت لأجله الحرب الأوكرانية.
- – تعيد الاعتبار لليابان، التي كانت أحد أهم الخاسرين في الحرب العالمية الثانية، والدولة الوحيدة التي تلقت ضربة نووية في التاريخ.
- – تقر بتحول مركز القوة العالمية، من ضفتي الأطلسي -على مدى عدة قرون- إلى آسيا.
لابد من الإشارة، إلى أن هذه الطروحات من أفكار مراكز الأبحاث والدراسات، ونقاشاتها تجري وراء الكواليس، لكنها تمهد لصانع القرار الأمريكي؛ لطرح الموضوع بشكل رسمي، واتخاذ القرار عندما تحين الظروف المناسبة، وهذا لن يتم قبل أن تؤمن الولايات المتحدة هذه الظروف؛ لتضمن بقاء هيمنتها على أي منظمة أممية، سواء بتعديل ميثاق المنظمة الحالية أم بإنشاء منظمة جديدة، ومحاولة إبقائها داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
إن مراقبة السياسات والتحركات الأمريكية في العالم، تؤكد أنها تمهد لهذه الخطوة، وهذا يجري عمليا عن طريق محاولتها فرض هيمنتها الكاملة، في منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، التي تعد قلب العالم، والمؤشر على صعود وانهيار الإمبراطوريات والدول العظمى عبر التاريخ، وتعمل على استكمال هيمنتها، على منابع النفط في العالم، بمحاصرتها فنزويلا والتهديد بغزوها، وهي التي تؤمن قسمًا كبيرًا، من حاجة الصين من النفط، وهذه الهيمنة -في حال تمكنت الولايات المتحدة من استكمالها- ستؤمن لها كل عوامل واحتياجات بقائها، بوصفها أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية في العالم، عن طريق:
- – سيطرتها على أكبر منابع الطاقة وخطوط الإنتاج والنقل في العالم.
- – سيطرتها على أهم الطرق البحرية والبرية، والممرات الإجبارية لسلاسل التوريد بين أهم مناطق الإنتاج والاستهلاك والتبادلات التجارية في العالم.
- – تقطع مشروع (الحزام والطريق) الصيني، الذي ينتهي إلى موانئ سورية وبلاد الشام، كما يضع الصين تحت رحمة الولايات المتحدة الأمريكية في موضوع تلبية احتياجاتها من النفط والغاز.
- – يضع القواعد الروسية الجوية والبحرية في سورية تحت إشرافها وإمكانية ترحيلها لاحقًا.
بالتأكيد، إن هذه الطروحات، أو حتى أي طرح آخر حول تغيير الأمم المتحدة الحالية، أو إنشاء منظمة جديدة، ستعني تغيرات هائلة في الخارطة الجيوستراتيجية الموجودة في العالم اليوم، وأهم هذه التغيرات ستكون انهيار حلف الأطلسي، وربما إنشاء أحلاف مختلفة مثل تعزيز حلف أوكوس، الذي يضم اليوم أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أما أكبر المتضررين إلى حدد التهديد الوجودي فهم الأوروبيون وتركيا.
لكن يبقى سؤال مهم لا بد منه، وهو إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تفكر وتعمل بهذا الشكل، فماذا عن بقية العالم؟ وماذا عن الدول المتضررة والقوى المؤثرة أو الصاعدة في العالم، وفي مقدمتها الصين؟