أبوبكر عبد الله
كاتب وباحث سياسي
إن الترتيبات المعلنة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض عقوبات على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” وتصنيفها منظمة إرهابية، لم تكن بعيدة عن التوجهات الإسرائيلية المبكرة لإنهاء دور الوكالة في الأراضي المحتلة، بما تمثله من شريان حياة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وبما تمثله من رمزية سياسية وقانونية للالتزام الدولي المستمر منذ عام النكبة تجاه اللاجئين وحفظ هويتهم القانونية وحماية حق العودة.
واقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي مقر وكالة “الأونروا” في حي الشيخ جراح بالقدس مؤخرا، كشف عن تنسيق إسرائيلي أمريكي لإنهاء دور الوكالة أو استبدالها بوكالة أخرى، خصوصا أن عملية الاقتحام تزامنت مع تبني البيت الأبيض ترتيبات لفرض عقوبات على “الأونروا” من تلك التي تفرضها على المنظمات الإرهابية، مثل “داعش” و”القاعدة” وغيرها.
وإذا كانت الإجراءات الإسرائيلية المتخذة بحق “الأونروا” قد أثارت موجة استنكار دولية في الأمم المتحدة والكثير من العواصم التي اعتبرت الخطوات الإسرائيلية انتهاكا صارخا للقانون الدولي، فقد أثارت الترتيبات الأمريكية بإعلان الوكالة الأممية “منظمة إرهابية” مواقف معارضة عبرت عنها الأمم المتحدة وعدد من عواصم العالم، كما أثارت قلقا عالميا لمخالفتها ميثاق الأمم المتحدة وتعارضها مع الالتزامات الأمريكية تجاه الوكالات التابعة للأمم المتحدة.
كان مصدر القلق الدولي طبيعيا في ظل التحذيرات التي تحدثت عن مخاطر هائلة، قد تقود إليها التوجهات الإسرائيلية الأمريكية لإنهاء عمل “الأونروا” على المدى القريب، لا سيما في وقف جهود الإغاثة الإنسانية المقدمة لأكثر من 8 ملايين نازح ولاجئ فلسطيني، منتشرين في الضفة وغزة ولبنان والأردن وسوريا دون وجود خطة انتقال منظم لخدمات جهود الإغاثة الانسانية.
أكثر من ذلك الآثار المرجحة التي قد تواجه المستقبل السياسي لقضية اللاجئين، خصوصا أن استمرار عمل “الأونروا” ظل عقودًا يمنح قضية اللاجئين وحق العودة المنصوص عليها في قرار الأمم المتحدة 194 الاستمرارية والشرعية، في حين أن إنهاء دورها يعني إغلاقًا لملف اللاجئين بصورة نهائية؛ ما قد ينذر بتبعات عكسية على الاستقرار الإقليمي.
اتهامات بلا أدلة… وتوزيع أدوار
طالما تبني رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعوات لتفكيك “الأونروا” استنادا على اتهامات لها بالتحريض على إسرائيل، قبل أن تقدم حكومة الكيان في مطلع العام الجاري على فرض حظر على عمل “الأونروا” في الأراضي المحتلة الخاضعة لسيطرتها، واجتياح مقارها في القدس الشرقية فضلا عن حظرها التواصل بين الوكالة وسلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وطوال العامين الماضيين لم تكف المؤسسات الإسرائيلية ومسؤولوها عن وصف “الأونروا” بأنها “وكالة إرهابية” و “ذراع لحماس”، واتهام موظفيها بالمشاركة “في هجمات 7 أكتوبر”، وأن الكثير منهم ناشطون في “حماس”، وأكثر من ذلك وصف مدارسها في الأراضي المحتلة بأنها “مصانع لتخريج إرهابيين”، وأخيرا التأكيد على أن وجود “الأونروا” صار جزءا من المشكلة، ويجب إنهاء عملها”.
لكن الضغوط الإسرائيلية على الوكالة تجاوزت في الآونة الأخيرة النطاق الإسرائيلي إلى الأمريكي بالاتهامات التي وجهتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوكالة بالارتباط بحركة “حماس”، وهي الاتهامات التي دحضتها “الأونروا”، وتلاها شروع واشنطن بإجراء مناقشات متقدمة لفرض عقوبات متعلقة بالإرهاب على الوكالة؛ ما أثار مخاوف قانونية وإنسانية بالغة داخل مؤسسات الإدارة.
كان لافتا تصاعد هذه الاتهامات من إدارة ترامب التي أصدرت مؤخرا أمرا تنفيذيا يفيد بأن الأونروا “تغلغلت بها عناصر من جماعات مصنفة إرهابية، وأن بعض موظفيها شاركوا في هجوم 7 أكتوبر، ناهيك عن وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الأونروا بأنها “تابعة لحماس” وإعلانه الصريح بأنها “لن تؤدي أي دور” في توصيل المساعدات الإنسانية لغزة”.
يشار في ذلك إلى أتهام السفير الأمريكي -جيفري بارتوس من داخل مبنى الأمم المتحدة قبل أيام- الوكالة بأنها “غير قابلة للمساءلة، وفاسدة، ولا يمكن إصلاحها”، واتهامه “الأونروا” بأنها ” تابعة لحماس” وأنها “ستؤدي دورًا صفريا تماما في غزة”، ناهيك عن التصريحات التي ترفض أي دور للوكالة في المستقبل، لاسيما في إعادة إعمار غزة.
طالما رفضت “الأونروا” هذه الاتهامات ووصفتها بأنها “مزاعم لا تستند إلى أدلة كافية”، وتشير بوضوح إلى أنه -على رغم طلبها المتكرر من إسرائيل تقديم الأدلة لدعم هذه الادعاءات الخطيرة- لم تقدم أي دليل كافٍ حتى الآن، وهو الأمر الذي أكدته تاليًا محكمة العدل الدولية.
غير أن هذه الاتهامات – بما تبعها من ترتيبات لفرض عقوبات عليها تقود إلى حظرها- أثارت قلقا عالميا؛ لأنها ستقود سريعا إلى عزل الوكالة ماليا وقانونيا، في حين سيؤدي تصنيفها “منظمة إرهابية أجنبية” إلى تجميد أي أصول تملكها الوكالة في الولايات المتحدة، وسيمنع الأمريكيين من التعامل معها، في حين قد يتعرض حلفاء واشنطن الذين يمولون الأونروا لخطر العقوبات، مما يزيد من أزمتها المالية الحادة، ومن ثَمَّ توقفها الكامل عن العمل.
والتأثير الأوسع لذلك سيقود إلى إرباك الجهود الإنسانية في الأراضي المحتلة، بما سيلحق الضرر المباشر بملايين الفلسطينيين الذين يعيشون أزمات إنسانية تحاول “الأونروا” تخفيفها، وسيكون من الصعب القيام بها بأي جهد دولي بديل.
دور إنساني ورمزية سياسية
كان للقلق العالمي من التوجهات الأمريكية الإسرائيلية لحظر وكالة “الأونروا” ما يبرره؛ فقد تشكلت الوكالة بناء على القرار رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر 1949، ردا على نكبة 1948 واستجابة للأزمة الإنسانية الناجمة عنها؛ لتكون معنية بشكل حصري ليس فقط بتقديم الإغاثة المباشرة والدعم للاجئين الفلسطينيين ومنع ظروف الجوع والبؤس، بل لتأكيد الالتزام الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين لحين الوصول إلى حل نهائي وعادل لقضيتهم، بما يعزز ظروف السلام والاستقرار في المنطقة.
حققت الوكالة منذ تأسيسها في نشاطاتها الإنسانية نجاحات مميزة على رغم عملها الذي شمل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية ولبنان والأردن وسوريا، وقدمت خدمات جليلة لملايين اللاجئين الفلسطينيين في جهود الإغاثة الإنسانية وخدمات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وتوفير المأوى بالاعتماد على التبرعات الدولية الطوعية.
وظلت مدى عقود تمثل بالنسبة للفلسطينيين، شريان حياة إنساني لا يمكن الاستغناء عنه، وعنصرًا مهمًا في معادلة الاستقرار، في حين اتجه المجتمع الدولي إلى التمديد لهذه الوكالة بشكل متكرر بوصفها جزءا من التزاماته تجاه حقوق اللاجئين الفلسطينيين إلى أن يجرِ التوصل إلى حل عادل ودائم لقضيتهم.
على مدى 70 عاما تولت الوكالة تقديم خدمات التعليم عن طريق تشغل وإدارة مئات المدارس التي وفرت التعليم الأساسي لمئات الآلاف من الطلاب الفلسطينيين، وخدمات الرعاية الصحية، فضلا عن تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة، وشبكة للأمان الاجتماعي، وبرامج تحسين البنية التحتية للمخيمات وبرامج القروض الصغير، بالاعتماد على قوة عاملة فلسطينية بلغت نحو 30 ألف موظف، معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين، في ظل بنية تحتية وخبرات متراكمة عمقت جذورها وقدرتها على الاستجابة السريعة.
وأهمية “الأونروا” بالنسبة للفلسطينيين تجاوزت أنها مجرد وكالة إغاثة، إلى مؤسسة مركزية في حياة ملايين اللاجئين، بل إنها مثلت لعقود طويلة شريان حياة إنساني أساسي، لاسيما في ظروف الأزمات الحادة؛ إذ ظلت العمود الفقري لجميع جهود الاستجابات الإنسانية.
هذا الدور عبرت عنه كثير من دول العالم الداعمة، التي أكدت أنه لا غنى عن “الأونروا” في توزيع الغذاء والمواد الإغاثية الأساسية بعدالة وكفاءة، ولا غنى عنها في توفير الخدمات الأساسية التي تحفظ كرامة اللاجئين وتعزز الاستقرار الاجتماعي، بما في ذلك حماية حقوق اللاجئين ومناصرة قضاياهم.
ضرب الإطار القانوني لحق العودة
طوال السنوات الماضية كان واضحا أن حكومة الكيان الإسرائيلي ترى في استمرار عمل “الأونروا” أنه القلب المحرك الذي يمنح قضية اللاجئين وحق العودة المنصوص عليه في قرار الأمم المتحدة 194 الاستمرارية والشرعية، كما ترى أن بقاءها يعني الاستمرار في حفظ الهوية القانونية للاجئين.
وفقا لذلك عملت ولا تزال من أجل إضعاف هذه الوكالة أو حلها؛ سعيا إلى طمس هذه القضية من الذاكرة المحلية والدولية، وهو الأمر الذي أخذ منعطفا أكثر وضوحا في العامين الماضيين باتجاه الكيان إلى ترويج اتهامات للوكالة بأنها “تابعة لحماس” ووصفها بأنها “منظمة إرهابية”؛ بهدف طمس طبيعتها الإنسانية المحايدة، وتقويض تمويلها الدولي أو على أقل تقدير استبدالها بوكالة أخرى.
هذه المساعي المحمومة استهدفت في الواقع إنهاء الهوية القانونية المعترف بها دوليا للاجئين الفلسطينيين وحق العودة، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية بوضعها خارج الإطار القانوني الدولي، بما يخدم الرؤية التي تتبناها إسرائيل والولايات المتحدة لطبيعة التسوية السياسية المستقبلية، بما في ذلك خطط التهجير أو إعادة التوطين الإقليمية المطروحة.
وبعيدا عن القضايا الإنسانية التي تقول حكومة الكيان: إن أي وكالة بديلة يمكن أن تقوم بها في المدة القادمة، فإن اتهاماتها للوكالة بـ “الإرهاب” كشفت عن مساع مباشرة لوضع حد نهائي لـ “حق العودة” بوصفها قضية سياسية جماعية تتصدر أجندة المطالب الفلسطينية، خصوصا أن اتهامات كهذه ستعمل بلا شك على إزالة لوكالة من الوجود بشكل كامل.
يرتبط بذلك إزالة الإطار القانوني الأممي الذي يحفظ حق العودة وفقا لقرار الأمم المتحدة 194 بما يحوّل قضية اللاجئين من قضية سياسية جماعية ذات حقوق إلى ملف إنساني فردي، تُعالجه دول مانحة أو وكالات إغاثية أخرى، تعمل بمهام وآجال قصيرة.
ومعروف أن تعطيل عمل “الأونروا” كان هدفا استراتيجيا للعدد من أصوات اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي يسعى إلى تعبيد الطريق لتسوية جديدة للصراع، تتجاوز قضية تقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، خصوصا أنها ترى في استمرار عمل “الأونروا” بتقديم المساعدات لملايين للاجئين يقوم على مبدأ أنهم سيعودون إلى وطنهم الشرعي بعد انتهاء الاحتلال الإسرائيلي.
والجديد هذه المرة أن رؤية الإدارة الأمريكية الحالية كانت متماهية مع رؤية اليمين المتطرف الإسرائيلي الذي يرى أن استمرار عمل “الأونروا” يعمل على إطالة أمد الصراع عن طريق سياساتها التعليمية والنفسية والاجتماعية، التي تزعم أنها “ترسخ ثقافة الضحية لدى ملايين اللاجئين”.
أحلام البديل الصعب تلوح بكارثة
أمام موجة الرفض الدولية للترتيبات الأمريكية الإسرائيلية لحظر “الأونروا” لم تكف حكومة الاحتلال عن الترويج لبديل يقوم بمهام الوكالة، في حين يؤكد مسؤولو الأمم المتحدة بشكل قاطع أنه “لا يوجد بديل” للأونروا في الوقت الراهن، خصوصا أنه لا وجود لأي منظمة أخرى تمتلك البنية التحتية والخبرة المتراكمة والثقة المجتمعية اللازمة لأداء هذا الدور.
كما تؤكد التقارير الدولية على أن المشاريع البديلة المطروحة مثل (مؤسسة غزة الإنسانية) تعاني من فشل ذريع، بل إنها صارت متهمة بالتورط في بارتكاب انتهاكات.
هذه التقديرات تؤكد أن أي تحرك شامل ضد “الأونروا” قد يؤدي إلى إرباك جهود إغاثة اللاجئين، في حين أن وقف تمويلاتها ستقود إلى إصابة الوكالة -التي تواجه بالفعل أزمة تمويل- بالشلل، وسيقضي فورًا على الخدمات الأساسية التي تقدمها لحوالي 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني، وهي خدمات لا توجد حاليًا أي منظمة أخرى قادرة على تعويضها بالكفاءة أو الحجم الذي تقدمه “الأونروا”.
على سبيل المثال: في قطاع غزة الذي تزايدت فيه الاحتياجات الإنسانية بصورة كبيرة بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية؛ فإن “الأونروا” تعد العمود الفقري للاستجابة الإنسانية؛ إذ تعتمد الأغلبية الساحقة من سكان القطاع البالغ عددهم مليوني نسمة على مساعداتها للبقاء على قيد الحياة، ووقف عمل الوكالة سيؤدي مباشرة إلى انتشار المجاعة وتفشي الأمراض؛ إذ يُحجب الغذاء والماء والدواء.
وفي قطاع التعليم ظلت “الأونروا” تدير مدارس لأكثر من 300,000 طالب في غزة وحدها، أي نحو نصف أطفال المدارس هناك، كما تقدم الخدمات الطبيبة للملايين سنويا، وتوقفها يعني حرمان جيل كامل من التعليم، وانهيار كامل لما تبقى من اعمدة الرعاية الصحية.
وأكثر من ذلك فإن الوكالة توفر فرص عمل لنحو 30,000 شخص معظمهم من الفلسطينيين، وتوقفها سيؤدي إلى بطالة جماعية وفقدان مصدر الدخل الوحيد للآلاف من الأسر، مما يدفع المجتمع إلى براثن الفقر المدقع واليأس.
هذا التداعيات عبَّر عنها بوضوح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي وصف احتمال توقف الأونروا بأنه “كارثة”، وحذَّر من أن الأطفال المحرومين من التعليم سيكونون عرضة للاستغلال والتطرف.
والمؤكد أن خطر توقف هذه الوكالة سيتجاوز خطر الجانب الإنساني؛ ليؤثر في القضية الفلسطينية بشكل كامل، والاستقرار الإقليمي بصورة عامة، خصوصا أن التقديرات تشير إلى أنه سيشعل أزمة إنسانية فورية غير مسبوقة، ويمحو الإطار القانوني الدولي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ويهدد بزعزعة استقرار منطقة بالكامل.
من الحقل الإنساني إلى حقل المخاطر الاستراتيجية
على رغم تحديات التمويل التي واجهتها “الأونروا” مؤخرا والقيود الإسرائيلية والضغوط الأمريكية، استمرت الوكالة في أداء مهامها الإنسانية، بل إنها قدمت نفسها مؤخرا أنها العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في غزة والمناطق الأخرى الداخلة ضمن نشاطاتها.
وكانت الترتيبات الإسرائيلية الأمريكية الرامية إلى حظرها صادمة بالنسبة لكثير من العواصم التي حذرت من أن وقف نشاط “الأونروا” سيقود حتما إلى تداعيات إنسانية كارثية على ملايين الفلسطينيين وعلى الاستقرار الإقليمي والعالمي.
ذلك أن التوجه لحظر “الأونروا” سيكون له تداعيات لن تقتصر على البعد الإنساني وحسب، بل تتجاوزه إلى البعد السياسي؛ فاستهداف “الأونروا” في هذا التوقيت كشف الأهداف السياسية الخفية للكيان في القضاء على الإطار الدولي الراعي لقضية اللاجئين الفلسطينيين؛ خطوة تمهيدية نحو إنكار حق العودة المنصوص عليه في قرار الأمم المتحدة 194، ما قد يضع المنطقة برمتها أمام تداعيات خطيرة تقوض استقرارها بصورة عامة.
وإنهاء الوكالة ودورها يعني من الناحية السياسية عملية متدرجة لدمج اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم في الدول المضيفة وإهدار حقوقهم التاريخية، بما يعنيه ذلك من نزع للمسؤولية السياسية الدولية تجاه قضية اللاجئين، وتبرئة الكيان من مسؤوليته تجاه الاقتلاع والتهجير لملايين الفلسطينيين، وغسل أيدي الاحتلال من جريمة النكبة.
وهنا يجب الإشارة إلى أن هناك اتفاقًا دوليًا غير مكتوب لا يرى في وكالة “الأونروا” مجرد وكالة إغاثة، بل يراها من الناحية القانونية إطارا دوليا يحفظ الهوية الجماعية للاجئين الفلسطينيين، ويواصل الاعتراف الدولي بـحق العودة المنصوص عليه في قرار الأمم المتحدة 194.
ونقل صلاحياتها إلى مؤسسات إنسانية أخرى مثل (مفوضية اللاجئين) أو الدول المضيفة يحول القضية من قضية سياسية جماعية ذات حقوق تاريخية إلى ملف إنساني فردي، مما يخدم الهدف الإسرائيلي المعلن بتقويض حق العودة.
هذا الأمر عبر عنه الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، الذي أكد أن زوال “الأونروا” سيشكل “خطرًا جديا على الاستقرار الإقليمي”؛ لأن الوكالة توفر خدمات أساسية في مناطق توتر شديد مثل لبنان والأردن، وانهيارها سيخلق فراغا قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، ويهدد بانفجار الوضع الأمني.