طالب الحسني
كاتب وباحث سياسي
عندما أعلنت المقاومة اللبنانية -حزب الله- تحرير جنوب لبنان عام 2000، سجل ذلك متغيرًا استراتيجيًا كبيرًا في الشرق الأوسط، يتجاوز الصراع ” العربي الإسرائيلي”؛ لمجموعة أسباب:
- – الانسحاب الإسرائيلي أول انحسار عن أراضٍ عربية جرت السيطرة عليها وإخضاعها بالقوة العسكرية بالطريقة التي حدثت خلال نكسة 1967.
- – لم يحصل الكيان على مقابل ذلك الانسحاب، بما في ذلك إرغام الدولة اللبنانية على التطبيع وفق معادلة ” الأرض مقابل السلام ” التي فرضها على مصر والأردن، وكان لا يزال يحاول فرضها على سوريا منذ احتلال هضبة الجولان.
- – أن الهزيمة العسكرية “للجيش الإسرائيلي” حدث من مقاومة مسلحة، تمثل نسبة محدودة من الشعب اللبناني الصغير، بينما قدم” الجيش الصهيوني” قوة تهزم جيشًا وتحالفات مجتمعة.
- – أن انتصار حزب الله فرض على الولايات المتحدة الأمريكية واقعًا صعبًا، بعد عمليات للمقاومة اللبنانية التي هزت واشنطن، أبرزها العملية الفدائية.
- – مثَّل انتصار المقاومة اللبنانية انتصارًا لمشروع التحالف العربي مع الجمهورية الإسلامية في إيران.
- – التجربة اللبنانية تعزز مقاومة الشعب الفلسطيني التي كانت هي الأخرى قد توسعت وصولًا إلى إجبار العدو الإسرائيلي على الانسحاب بالطريقة نفسها من قطاع غزة عام 2005.
- – أعاد الانتصار العربي الثقة الشعبية العربية والإسلامية باقتدار قوة صغيرة كحزب الله أن تهزم الاحتلال.
المقاومة تحاصر ” التطبيع “:
أما علاقة هذا بالشرق الأوسط فيأتي من مجموع الأسباب السابقة، مضافًا إليها عودة التعقيدات أمام هيمنة أمريكية مطلقة على المنطقة بعد عشرة سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي وشبكة التحالفات التي أسسها في العالم العربي، مثلت -لمدة طويلة- واحدة من الجبهات الداعمة لمشروع تحرير فلسطين، وقد عملت التيارات اليسارية والقومية على منع توسع ” التطبيع ” مع كيان العدو الإسرائيلي، ومن الثوابت أن الأجنحة الكبرى من هذه التيارات تحالفت مع الجمهورية الإسلامية في إيران منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ولا تزال حتى اللحظة.
لقد كان المفكرون في كيان العدو الإسرائيلي يرون أن واحدًا من العوائق أمام ” التطبيع الإسرائيلي العربي” بالمدلول الإجباري ( أي القبول بإسرائيل ليس دولة شرعية فقط وإنما قوة نافذة) هو استمرار وجود التحالفات العربية مع الاتحاد السوفيتي على الرغم من محدوديته بوصفه تحالفًا عسكريًا؛ إذ ينظر إليها إسرائيليا بتصوراته الفكرية القومية الممانعة للقبول بالتطبيع أولا، وثانيا: جانب شراكة التيارات القومية في إبقاء جزء كبير من الوطن العربي بعيدًا عن النفوذ الكامل للولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك فقد أمكن رؤية المنطقة العربية كلها تحت الجناح الأمريكي بعد سنوات محدودة من تفكك الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك الأنظمة العربية اليسارية القومية التي حولت تحالفاتها من الشرق إلى الغرب، كان ذلك يلبي الحاجة الإسرائيلية إلى ما أطلق عليه الصهيوني إسحاق رابين، النفوذ الغربي المطلق على الشرق الأوسط مقدمة لعلاقات “إسرائيلية عربية ” نافعة.
ومثلما يضع المفكرون والاستراتيجيون في كيان العدو الإسرائيلي التيارات القومية وفكرها السياسي الجماهيري عائقًا أمام التطبيع بالمدلول القسري مع الدول العربية، يضعون في المقدمة الإسلام.
إن جميع ألوان الصهيونية من العلمانيين واليساريين والليبراليين إلى اليمين بجناحيه الديني والقومي يتفقون على أن الإسلام يمثل العائق الأول والمتجدد أمام علاقات “إسرائيلية عربية ” تحقق حاجة الكيان إلى التطبيع الشامل.
الإسلام والقومية موانع “للاندماج الإسرائيلي بالمنطقة”:
ولما كانت إزاحة الإسلام عن الساحة العامة في العالم العربي والإسلامي معقدة، بدت إمكانات تضبيب مشهد المقاومات الإسلامية التي تحمل السلاح وتقاتل الاحتلال مكتملة عن طريق “جماعات إسلامية ” مسلحة، تقاتل “بشراسة”، لكن خارج فلسطين، وفي كل مكان يمكن العثور على ” سياح ” أجانب في بلدان عربية وإسلامية، لقد كانت تلك بداية ما عرف لاحقا بتنظيم القاعدة.
في العشرية الأخيرة من القرن العشرين، وهذه المرة ليس بدون سابق إنذار؛ لإن تلك الجماعات تشكلت في الحرب الأمريكية الاتحادسوفيتية في أفغانستان والشيشان، انتشرت القاعدة قبل أن تحمل هذا الاسم؛ إذ تستطيع في العالم العربي والإسلامي قتل المسلمين بوصفهم مرتدين، وقتل المسيحيين لأنهم مسيحيون، من الجزائر (خلال العشرية السوداء) إلى اليمن إلى مصر إلى الصومال وإفريقيا، وصولا إلى دول وسط آسيا وشرقها.
أحيلت الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية بمجموعها، الكتابات السياسية والفكرية والفلسفية، والنقاشات، والحوارات الإذاعية والتلفزيونية، ربما في كل “الشرق الأوسط ” إلى “ظاهرة ” القاعدة وأفعالها، بينما كان الأهم بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني عرض القاعدة ” واجهة للإسلام “، ثم بدا لهم مع وجود حملة موازية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران أن يجعلوا ذلك ” طقسا ” لإخراج ” تيار الاعتدال”، يبدأ التيار من الأنظمة الرسمية التي إن لم تكن “اعتدالًا” فهي تطرف، واتسع مدلول “الاعتدال ” وعدم “الاعتدال” ليشمل الكثير من الجهات.
- – تعريف الاشتراكية والأحزاب اليسارية بتيارات الارتداد والإلحاد.
- – تعريف الثورة الإسلامية في إيران بسلسلة من المصطلحات المذهبية والطائفية.
بينما جرى تعريف ” القاعدة ” بالجماعات ” الجهادية”، ولاحقا 2013 ” بالدولة الإسلامية في العراق والشام ” “داعش”.
لا تبحث هذه الدراسة التأصيل أو التفريع للتوظيف الأمريكي والصهيوني وحتى بعض العربي، وتعمد حالة الخلط بين مقاومة الهيمنة الأمريكية بما في ذلك الاحتلال الإسرائيلي ” ومقاومة المقاومة ” بجماعات ” إسلامية مسلحة ” لا تقاتل في فلسطين، هذه المقاربة للاستدلال على “التجميع الإسرائيلي ” لهذا التركيب والتوزيع الأمريكي بما يخدم ” التطبيع ” مفهوم جديد يتجاوز فلسطين إلى المنطقة دون حرب.
توقع مفكرون صهاينة منذ وقت مبكر أمثال جدعون شمشوني حدوث تطور في ” العلاقات بين إسرائيل والدول العربية ” في جميع الاتجاهات، وعقب كامب ديفيد وضعت بعض الدراسات المتخصصة خرائط وبرامج تشمل التعاون الاقتصادي والسياسي ستحدث في المستقبل، وقد حدث جزء كبير منها خلال العقدين الماضيين.
مطلع ثمانينيات القرن العشرين الماضي أشارت التوقعات، التي وضعتها مراكز بحثية على غرار “المعهد الإسرائيلي لتخطيط أبحاث السلام ” إلى مركزية ميناء حيفاء الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة في النشاط التجاري والاقتصادي في الشرق الأوسط بفعل ” علاقات التطبيع العربية الإسرائيلية”، وفي السنوات الماضية بدأ العدو الإسرائيلي يربط الميناء بالمنطقة العربية بما في ذلك الخط البري من الهند إلى فلسطين، مرورا بالدول العربية.
ومنذ وقت مبكر وضع رئيس وزراء حكومة العدو الإسرائيلي إسحاق رابين تصورا عميقا، يقف على استراتيجية طويلة تبدأ من دراسة ما يمكن وصفها عوامل ديمومة “السلام العربي الإسرائيلي”، وهي عبارة عن مطالب بتغييرات جذرية، ويعتقد رابين أن التغييرات الاستراتيجية تتعلق ” التسليم بوجود إسرائيل دولة يهودية مستقلة”.
التسيلم وفق رابين يأتي ضمن ثلاثة مجالات:
الأول: العلاقات بين الدول العربية “وإسرائيل”:
إن لب الصراع هو عدم التسليم بوجود إسرائيل دولة يهودية مستقلة ذات سيادة، وورابين يرى -وفقا للكاتب محسن عوض- أن عدم التسليم ينعكس على تطلعات البلدان العربية في العلاقة مع “إسرائيل”، وجوهر السلام قبل كل شيء هو ذلك التسليم بالوجود.
المجال الثاني: العلاقات العربية العربية وعدم الاستقرار:
يرى رابين أن الصراعات العربية الداخلية وعدم الاستقرار يؤثر في وجود علاقات و”سلام ” مستقر مع “إسرائيل”، وهذه الزاوية يجري تقييمها عن طريق أن المجتمع العربي متصارع وغير قابل لأن يكون موحدا.
الإشارة الضمنية تميل لإقرار رابين أن أي دولة عربية كيفما كان نفوذها كبيرا لن تتمكن من توحيد الدول الأخرى في الذهاب إلى “سلام مع إسرائيل”، ومن ثَمَّ فإنها ستبقى واحدة من التعقيدات ما لم يكن هناك تغييرات جذرية ثقافية في الوطن العربي.
المجال الثالث: النفوذ الغربي على الشرق الأوسط:
يعتقد رابين أن “السلام مع إسرائيل” يرتبط بالصراع الدولي على المنطقة، ولذلك فإن النفوذ الغربي الأمريكي سيسهم في دفع الدول العربية نحو التطبيع، والتطبيع بالتصور الذي وضعه، واغتيل رابين 1985 قبل سقوط الاتحاد السوفيتي ووسط الحرب العراقية الإيرانية، لقد كان يرى أن المنطقة تستعد لهذا النفوذ، ومن ثَمَّ الطريق نحو التطبيع.
إن ربع قرن – 1990 – 2015 – من الإنتاج السياسي والفكري والاجتماعي العربي وجزء غربي، بالإضافة إلى دوائر النزاع والقتال والخلافات المفتعلة، أسس للتطبيع بالقواعد التي أشار إليها إسحاق رابين، التغيير الجذري:
- – الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط.
- – تشكيل “الاعتدال العربي” تيار التطبيع الذي يقبل “بإسرائيل” كما هي عليه بفكرها الصهيوني.
- – رفع جميع القيود المؤثرة في اندماج “إسرائيل” سياسيا وثقافيا واقتصاديا في المنطقة.
- – الشراكة في مواجهة المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية وأي مقاومة إسلامية أو وطنية بوصفها ” إرهابًا “.
ذلك هو جوهر ” الاتفاقيات الإبراهيمية ” التي تقوم على فكرتين:
- – تعديل الإسلام بما يخدم ” توحيد الأديان الإبراهيمية ” (الاٍسلام – المسيحية – اليهودية).
- – تعديل ثوابت الحدود الجغرافية لجعل المنطقة كلها شبيهة بولايات فدرالية يمكن أن يكون مركزها القدس.
“الإبراهيمية”… نحو التسليم بضرورة “الوجود الإسرائيلي”:
إن الأفكار المتعلقة “بالإبراهيمية ” والتصورات المطروحة للشرق الأوسط بناء على نظرية ” توحيد الأديان الإبراهيمية الثلاثة “طريق لإزالة الصراع وصناعة ” السلام والتنمية والتكامل الاقتصادي بين دول المنطقة “، بنيت في الأساس لنقل “التطبيع ” مع كيان العدو الإسرائيلي من مربع الاعتراف المتبادل والعلاقات الدبلوماسية إلى متسع أكبر يتضمن “التسامح الديني، التبادل الثقافي”، والشراكة المفتوحة استنادا إلى ” المشترك الإبراهيمي “.
ما أطلق “عليه مجمع الأديان” (مسجدًا وكنيسة وكنس) في أبوظبي بالإمارات، لم يكن سوى ترجمة عملية لمشروع “الإبراهيمية ” بالتصميم الذي أرادته ” الصهيونية المسيحية ” سواء في الاتجاه الذي يرتبط بالتواصل الثقافي بين الدول الموقعة على ” اتفاقية التطبيع إبراهام ” أم بين كيان العدو الإسرائيلي، ويدخل في ذلك تعديل المناهج التعليمية وصولا إلى جميع أشكال التواصل الإعلامي والرياضي، أو في الاتجاه الاقتصادي المرتبط بالتبادل التجاري والأسواق والاستثمارات، امتدادا إلى مشروع الطريق البري من الهند إلى أوروبا عبر دول الخليج والأردن و”إسرائيل”.
الفكرة المحورية في تصور “المشترك الإبراهيمي” إذابة الهويات العربية القومية والإسلامية لإقامة هوية جديدة تقبل بوجود “إسرائيل”، واختيار الإدراة الأمريكية والصهيونية المسيحية لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ليس سوى محاولة لتوظيف الأبوة الإبراهيمية في إزالة الخلافات بين أتباع الأديان الثلاثة، الإسلام والمسيحية واليهودية، لكن التفسير ينتهي في النهاية إلى غاية واحدة “مركزية إسرائيل”.
من يعملون لصالح هذا المشروع منذ أكثر من ثلاثة عقود ويحصلون على رعاية أمريكية وإسرائيلية، سواء عن طريق جامعات أمريكية، كهارفارد أم مراكز أبحاث مرتبطة بالخارجية الأمريكية، ينسبون نشاطهم ضمن ما يعدونه “سلام الشرق الأوسط”.
استنادا “للإبراهيمية ” بات مدلول التطبيع مع إسرائيل لا يرتبط بالعلاقات التقليدية، وإنما التسليم بصعوبة السلام في الشرق الأوسط دون وجود “إسرائيل” مركزًا لا فرعًا.
المشتركات… التحالفات:
إن المشتركات في السياسة الخارجية لدول عربية على غرار السعودية والإمارات والبحرين والمغرب والأردن مع كيان العدو العدو الإسرائيلي- التي تحدد الدول العدوة والصديقة، الكيانات العدوة والصديقة- تقود بالضرورة إلى تشكل التحالفات، وهذا ما يتطابق إلى حد كبير في السياسية الخارجية لمجموعة الدول المذكورة مع “إسرائيل” تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران ومجموعة محور المقاومة بما في ذلك فصائل المقاومة الفلسطينية، وأبرزها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.
وفي أكثر من مناسبة تصورت الولايات المتحدة الأمريكية أن بإمكانها توظيف هذا التقارب وتحويله إلى ” نيتو عربي إسرائيلي ” أو “شرق أوسطي”، تقف الكثير من السياسات الخارجية الأمريكية في المنطقة على هذه القاعدة من التلاقي بين بعض الدول العربية و”إسرائيل”، لاسيما في السنوات العشر الأخيرة التي ترافقت مع صعود محمد بن سلمان.
وعلى الرغم من المخاوف، بدت الرياض أكثر حماسا لحرب أمريكية أوروبية وحتى إسرائيلية على الجمهورية الإسلامية في إيران، علاوة على تصنيفها للفصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله وحركة أنصار الله في اليمن “جماعات إرهابية”، وسعت إلى إسقاطها.
أضيف كيان العدو الإسرائيلي ضمن دول متعددة في مناورات بحرية خلال ما بعد 2015 وأثناء الحرب على اليمن، كما تسمح مجموعة دول الخليج باستثناء سلطنة عمان، باستخدام العدو الإسرائيلي لإجوائها حتى في حالة العدوان الأمريكي والإسرائيلي على اليمن.
إن هذا التلاقي صورة متقدمة من رؤية العدو الإسرائيلي لتطبيقات “التطبيع” تعمل من دون مقابل.
….. يتبع