أوراق أردوغان التي تحترق..

أحمد رفعت يوسف  

كاتب وباحث سياسي

 

سطع نجم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع صعود اليمين الأمريكي المحافظ، ووصوله إلى البيت الأبيض، مع رئاسة جورج بوش الابن، وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2000 في نيويورك وواشنطن، وصار رئيسًا للوزراء، في شهر آذار/مارس عام 2003، وهو نفس الشهر الذي حدث فيه غزو العراق.

هذا الربط بين أردوغان -بتوجهه الإسلامي الإخواني- وبين اليمين الأمريكي المحافظ، لم يأت من فراغ؛ لأن ظهوره وعملية صعوده كانت مدروسة بدقة من هذا اليمين، وضمن جزء من مشروعه؛ لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة والعالم، تحت عنوان (الشرق الأوسط الجديد) الذي كان يقضي بتقسيم المنطقة على أسس عرقية وطائفية، وتسليمها للإخوان المسلمين تحت شعار (فليحكم الإخوان).

جرت عملية تلميع صورة أردوغان ورسم مسار صعوده بالتوازي مع عملية هندسة صورة تركيا؛ لتقديمها نموذجًا للدول العربية والإسلامية، التي كان يجري الاستعداد أيضًا لعملية هندستها وإعادة رسم خرائطها الجيوسياسية، وصولًا إلى الصين وروسيا، وجرى الضغط على دول الخليج العربي، التي ضخت مئة مليار دولار، استثمارات ومساعدات لتركيا، مما مكَّن أردوغان من تحقيق نمو اقتصادي سريع، وبحبوبة معيشية للشعب التركي.

كانت الصورة التي جرى ترويجها عن الولايات المتحدة الأمريكية -بعد هجمات 11 أيلول في واشنطن ونيويورك، وبعد غزو العراق وأفغانستان، وقبلها سقوط الاتحاد السوفييتي – أنها القوة التي لا ترد، والقادرة على تحقيق كل أهدافها، وأُخذ الجميع بهذه الصورة، وتوقعوا بأن مشروع الشرق الأوسط الجديد محقق لا محالة، وعلى هذه الخلفية، خرج أردوغان بأكثر من مهرجان علني، أمام عشرات الآلاف من جمهوره؛ ليعلن بأنه نائب المدير التنفيذي للمشروع.

دغدغت مخططات اليمين المحافظ ومشروع الشرق الأوسط الجديد أحلام أردوغان، بتزعم المنطقة العربية والإسلامية، من المغرب حتى داخل حدود روسيا والصين، واستعادة (أمجاد) الإمبراطورية العثمانية البائدة بعثمانية جديدة يكون خليفتها، ووصل حد الثقة بأحلامه، أنه بدأ ببناء هياكل إمبراطورتيه وعرش خلافته، وبنى قصرًا جديدًا للرئاسة، أكبر من البيت الأبيض بعشر مرات؛ ليكون مقرًا للإمبراطورية الموعودة، حتى أنه صمم القصر ليكون فيه جناح لإدارة كل دولة من الدول التي حلم بضمها إلى إمبراطورتيه، كما أنشأ حرسًا رئاسيًا وبروتوكوليًا، مأخوذًا كله من التراث العثماني، مع إضافة اللمسات الحديثة عليه.

ومع بدء (الربيع العربي) انخرط أردوغان في المخطط، بكل ما يملك من إمكانات وقوة، وبدأت الأنظمة بالتساقط، في تونس ومصر وليبيا واليمن والسودان، لكن كانت عينه على سورية، لاسيما مدينة حلب بوصفها جوهرة العقد ومفتاح المنطقة، وبوابتها إلى المشرق العربي كله، في محاولة لاستعادة التاريخ، عن طريق معركة مرج دابق عام 1516 قرب حلب، التي انتصر فيها العثمانيون على المماليك، وكان ذلك النصر البوابة لسيطرة العثمانيين على كامل مدن المنطقة بدون حرب، وكانت الانطلاقة لإنشاء الإمبراطورية العثمانية، ومع انتظاره سقوط حلب، كان أردوغان يستعد لدخول دمشق فاتحًا، والصلاة في الجامع الأموي، ومن هناك يعلن نفسه خليفة جديدًا للمسلمين.

كان أخطر ما فعله، أنه جنَّد عشرات الألوف من المقاتلين العرب والشيشان والأوزبك والإيغور الصينيين وغيرهم، ليس فقط لإنجاز المهمة في سورية، وإنما لاستخدامهم لاحقًا في الصين وروسيا وبقية دول المنطقة، وبدأ يتصرف بغطرسة مع زعماء الدول، وكأن عرش الإمبراطورية العثمانية صار طوع يديه.

مشكلة أردوغان القاتلة، أنه كشف كل أوراقه، ولم يكن يعتقد -في أسوأ توقعاته- أن المشروع سيتعثر ويتوقف، لكن هذا ما حدث، لتبدأ رحلة حرق أوراق أردوغان نفسه.

بدأ الأمر عندما بقيت سورية عصية على السقوط، ولم يتمكن من السيطرة الكاملة على حلب، ثم بدأت بوادر فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفشل مشروع أخونة المنطقة، مع إسقاط الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي، في 3 يوليو 2013، ثم محاولة الانقلاب على أردوغان نفسه، في 15  يوليو 2016، ثم جاءت الضربة الكبرى بالتدخل الروسي في سورية، في 30 أيلول/سبتمبر، واستعادة الجيش السوري مدينة حلب، التي كانت عمليًا نهاية حلم العثمانية الجديدة؛ ليأتي السقوط الكبير لليمين الأمريكي المحافظ، مع وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض عام 2016، ممثلًا للتيار المعادي لهذا اليمين وأفكاره النيوليبرالية، ولتتحول أحلام أردوغان إلى ركام وأرواقه تحترق أمام عينيه.

تجددت أحلام أردوغان بعض الشيء، مع نشوب الحرب الأوكرانية، ثم عملية طوفان الأقصى، وأخيرًا دوره في التغيير الدراماتيكي في سورية، التي حاول بواسطتها تعويم نفسه واستعادة دور تركيا، وحاول المستحيل أن يأخذ من ترامب راية المنطقة، كما أخذها من اليمين الأمريكي المحافظ، لكن التحولات الكبيرة، التي جرت في خارطة توازنات القوة والقوة الإقليمية والدولية، سرعان ما سارت هي الأخرى بغير ما يريده أردوغان وتركيا، وأعطيت راية المنطقة للسعودية، كما أصبح أي حل في سورية يشكل هاجسًا لتركيا؛ بسبب الترابط الوثيق بين ملفات البلدين، والتشابه الكبير بين مجتمعيهما، سواء من الاحتمالات شبه المؤكدة، بحل الوضع في شمال شرق سورية، التي تقع تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد) أم من مسار سورية نحو الفيدرالية واللامركزية، وهو ما يفتح رياحًا على تركيا، قد لا يستطيع إغلاقها.

أما إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام قلائل، الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، فيعني حرق آخر أحلام وأوراق أردوغان، وليتأكد أن كل ما سمعه من كلمات إطراء من ترامب لم تكن أكثر من (تقية سياسية) تضمر وراءها أهدافًا تجعل تركيا في مهب الريح.

يحاول أردوغان اليوم أن يبدو قويا، لكن الواقع يقول: إنه يواجه في الداخل مصيرًا صعبًا، يحاول مواجهته بالتسلط وسجن المعارضين، أما الجروح التي فتحها مع معظم دول المنطقة، والصين وروسيا وأروابا، فقد بقيت نازفة، وطامته الكبرى أن تماهيه مع اليمين الأمريكي المحافظ، يجعله هدفًا لترامب وتياره، إضافة إلى تضارب المصالح بينه وبين الكيان الصهيوني، لاسيما في سورية، وهو ما استعاد التاريخ بشكل مناقض تماما لما أراده أردوغان، فبدلًا من الحلم بعثمانية جديدة، تقف تركيا اليوم في وضع يشبه وضع الإمبراطورية العثمانية قبل سقوطها، عندما كان يطلق عليها (رجل أوروبا المريض)، وهو ما يجعلها مقبلة على عواصف هوجاء، وسط بحر من الأعداء والمتربصين بها، ممن نكأ أردوغان جراحهم، فهل يستطيع هو أو من سيرث هذه المهمة الثقيلة عنه النجاة بتركيا هذه المرة، أم أنها ستسير على خطى الإمبراطورية العثمانية بالتفكك والانهيار؟

كاتب