نظرية المؤامرة وخطورتها على العقل العربي والإسلامي

فواز أحمد النقاش

باحث دكتوراه في العلوم السياسية

 

في قلب الخطاب السياسي والثقافي في العالم العربي والإسلامي، تتربع فكرة وجود “عدو خفي” يعمل بلا كلل على تقويض أسس الأمة من الداخل، وهذه الفكرة، التي تتخذ أشكالًا متعددة، تجد تجسيدها الأبرز في نظرية “اليهود الأخفياء” أو “اليد الخفية اليهودية”.

إنها سردية معقدة، تمتد جذورها في عمق التاريخ، وتتشعب لتلامس كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، مقدمةً تفسيرًا شاملًا، وإن كان تبسيطيًا، لأزمات الأمة وتحدياتها، على الرغم من جاذبيتها التفسيرية، تحمل في طياتها خطورة بالغة، ليس فقط لأنها قد لا تستند إلى حقائق دامغة، بل لأنها تشل القدرة على النقد الذاتي وتعيق أي محاولة جادة للنهضة.

لا يمكن فهم هذه النظرية دون العودة إلى محطتين تاريخيتين رئيستين، شكلتا وعي المنطقة تجاه هذا “الخطر الداخلي”.

المحطة الأولى: يهود الدونمة “نموذج الاختراق الأول”:

ظهر في القرن السابع عشر -أيام الدولة العثمانية- رجل يدعى سباتاي زيفي، أعلن أنه المسيح المنتظر الذي ينتظره اليهود، وبعد أن اكتسب عددًا كبيرًا من الأتباع، استدعته السلطات العثمانية وخيرته بين الموت أو اعتناق الإسلام، فاختار زيفي الإسلام ظاهريًا، وأمر أتباعه بفعل الشيء نفسه، فعُرفت هذه الطائفة باسم “الدونمة”، وهي كلمة تركية تعني “العائدين” أو “المرتدين”.

تظاهر أفراد الدونمة بالإسلام، وتسموا أسماء إسلامية، لكنهم حافظوا على عقائدهم اليهودية وممارساتهم سرًا، ولكن الأخطر من ذلك -بحسب الروايات التاريخية- هو أنهم لم يكتفوا بالتقية الدينية، بل سعوا للتغلغل في مفاصل الدولة العثمانية، وبمرور الوقت، نجحوا في الوصول إلى مناصب حساسة في الجيش والإدارة والشؤون المالية.

ويُتهمون بأنهم أدوا دورًا محوريًا في نشر الأفكار القومية الطورانية العلمانية، وتأسيس جمعيات سرية، مثل: “تركيا الفتاة” و”الاتحاد والترقي”، التي قادت الانقلاب على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عام 1909، ومهدت الطريق لإلغاء الحكم العثماني عام 1924، بل إن الشخص الذي أبلغ السلطان عبد الحميد بقرار عزله كان عضوًا بارزًا في الدونمة، يدعى إيمانويل قره صو، وتًّعد قصة الدونمة نموذجًا تاريخيًا حيًا لفكرة “العدو المتخفي” الذي يضرب من الداخل.

المحطة الثانية: بروتوكولات حكماء صهيون “دستور المؤامرة”:

إذا كانت الدونمة هي التجربة العملية، فإن “بروتوكولات حكماء صهيون” هي الدستور النظري للمؤامرة، وظهرت هذه الوثيقة في روسيا القيصرية في مطلع القرن العشرين، وهي عبارة عن 24 بروتوكولًا (محضرًا) لاجتماعات سرية لقادة اليهود في العالم، يخططون فيها للسيطرة على الكوكب، وتتحدث البروتوكولات عن خطة شيطانية متعددة الأوجه:

نشر الفوضى: إثارة الثورات والحروب والانقسامات السياسية والاجتماعية لإضعاف الأمم غير اليهودية.

السيطرة الاقتصادية: الهيمنة على الذهب والبنوك، ونشر الرأسمالية القائمة على الربا لإفقار الدول والتحكم في مصائرها.

السيطرة على العقول: التحكم في الصحافة والإعلام لنشر الأفكار الهدامة، وتزييف الحقائق، وتوجيه الرأي العام.

إفساد الأخلاق: تدمير الأديان والقيم الأسرية التقليدية عبر نشر الإباحية والتحررية المطلقة.

خطورة إيماننا بهذه النظرية:

إن الإيمان بوجود مؤامرة شاملة ومحكمة يديرها “يهود أخفياء” له تداعيات خطيرة ومدمرة على العقلية العربية والإسلامية، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

  • شل التفكير النقدي والهروب من المسؤولية:

عندما يصبح كل حدث سياسي، وكل أزمة اقتصادية، وكل ظاهرة اجتماعية سلبية تُفسر على أنها جزء من “المؤامرة الكبرى”، فإن المجتمع يفقد القدرة على التحليل الموضوعي والنقد الذاتي، فبدلًا من أن نسأل: أين أخطأنا؟ ما مواطن الضعف في بنيتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ يصبح السؤال الأسهل: ماذا فعل بنا الأعداء؟

يرى مفكرون بارزون، مثل الدكتور عبد الوهاب المسيري، أن هذا التفكير هو “هروب من المسؤولية” وتعبير عن عجز داخلي، فبدلًا من مواجهة مشاكلنا الحقيقية كالاستبداد، والفساد، والتخلف العلمي، والفرقة، نلقي باللوم على قوة خارجية خفية، مما يعفينا من مشقة الإصلاح والتغيير.

  • تبرير فشل الأنظمة الحاكمة:

تجد الأنظمة السياسية الاستبدادية والديكتاتورية والفاشلة في نظرية المؤامرة أداة مثالية لتبرير إخفاقاتها، فبدلًا من الاعتراف بالفشل في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، تصدر الأزمات إلى الخارج وتحول غضب الشعوب نحو “العدو الصهيوني” أو “اليد الخفية”، مع حقيقة ذلك إلا أن نظرية المؤامرة تصبح شماعة تعلق عليها كل الإخفاقات، ووسيلة لقمع أي صوت معارض داخلي بوصفه “طابورًا خامسًا” أو جزءًا من المؤامرة.

  • إعطاء العدو حجمًا أسطوريًا:

إن المبالغة في تصوير قوة العدو وقدرته الخارقة على التحكم في كل شيء تؤدي إلى نتيجة عكسية، هي الشعور باليأس والإحباط والعجز، فعندما يُصوَّر العدو على أنه قوة أسطورية لا تُقهر، تسيطر على كل خيوط اللعبة في العالم، فإن أي محاولة للمقاومة أو النهضة تبدو عبثية؛ لأن الشعور بالدونية والهزيمة النفسية هو أخطر ما تنتجه نظرية المؤامرة؛ لأنه يقتل روح المبادرة والإرادة في الأمة.

  • تعميق الانقسامات الداخلية:

تُستخدم نظرية المؤامرة أيضًا لتصفية الحسابات الداخلية، فكل طرف سياسي أو فكري يمكن أن يتهم خصومه بالعمالة لهذه “القوة الخفية”، العلمانيون يتهمون الإسلاميين بأنهم جزء من مؤامرة لجر المنطقة إلى الوراء، والإسلاميون يتهمون العلمانيين بأنهم أدوات لمؤامرة تغريبية تهدف إلى طمس هوية الأمة، وهكذا، فبدلًا من أن تتوحد الأمة في مواجهة تحدياتها، تسهم هذه النظرية في زيادة تمزيقها وتعميق الانقسان بين مكوناتها.

  • إهمال مواطن القوة الحقيقية:

إن التركيز المستمر على “مؤامرات العدو” يجعلنا نغفل عن مواطن القوة الحقيقية التي نمتلكها، فالأمة العربية والإسلامية تمتلك موارد بشرية هائلة، وثروات طبيعية ضخمة، وموقعًا استراتيجيًا فريدًا، وعمقًا حضاريًا ودينيًا يمكن أن يكون مصدر إلهام وقوة، لكن الانشغال بالبحث عن الأشباح والأيادي الخفية يستهلك الطاقة والوقت والجهد، الذي كان يجب أن يوجه للبناء الداخلي، وتطوير التعليم، وتحقيق التكامل الاقتصادي، وبناء أنظمة سياسية عادلة.

خاتمة:

لا يعني نقد نظرية المؤامرة إنكار وجود أعداء للأمة أو مخططات تستهدفها، فالتاريخ الحديث والمعاصر مليء بالأدلة على التدخلات الخارجية والمشاريع الاستعمارية والصهيونية التي تهدف إلى إضعاف المنطقة والسيطرة على مقدراتها، لكن الفرق شاسع بين الوعي السياسي بهذه التحديات والمخاطر، وبين الاستسلام لتفسير مؤامراتي شامل يختزل كل تعقيدات الواقع في خطة سرية واحدة.

إن الخطر الحقيقي لـ “ليهود الأخفياء” ليس في وجودهم الفعلي بقدر ما هو في هيمنة فكرة المؤامرة على العقل العربي والإسلامي؛ لأنها فكرة مريحة، لكنها مميتة، مريحة لأنها تقدم إجابات سهلة، ومميتة لأنها تقتل فينا القدرة على طرح الأسئلة الصعبة، وتحمل المسؤولية، والشروع في مشروع نهضوي حقيقي يعتمد على قوانا الذاتية ومواجهة مشاكلنا الداخلية بشجاعة وصراحة.

إن أول خطوة على طريق النهضة هي التحرر من هذا الفخ الفكري، والانتقال من عقلية الضحية المتآمر عليها إلى عقلية الفاعل التاريخي الذي يصنع مستقبله بإرادته.

كاتب