المؤتمر القومي العربي.. صوت يكافح لأجل البقاء

أحمد رفعت يوسف*

 على مدى ثلاثة أيام، وبمشاركة أكثر من 250 شخصية سياسية وفكرية، من مختلف الدول العربية، عقد “المؤتمر القومي العربي” دورته الـ 34، التي اختتمت يوم الاثنين الماضي 10 تشرين الثاني/نوفمبر، في العاصمة اللبنانية بيروت.

والمؤتمر هو لقاء سنوي، يجمع شخصيات سياسية وفكرية، ذات توجه قومي عربي، من مختلف الدول العربية؛ لمناقشة القضايا القومية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، التي تهم الأمة العربية، ويهدف إلى تعزيز الوحدة العربية، وتبادل الخبرات والرؤى، ومناقشة سبل مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، التي تواجه الدول العربية.

دورة هذا العام، عُقدت وسط ظروف تشهد تطورات مهمة ومعقدة، تطال جميع الدول العربية، لاسيما التي شكلت على مدى العقود الماضية، جوهر وأساس العمل القومي العربي المشترك، وفي مقدمتها سورية ومصر والعراق ولبنان.

كما تشهد إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وفي مسار مختلف بشكل كبير، عن الأهداف التي وضعها مؤسسو المؤتمر، في دورته الأولى التي عقدت في تونس (3-5/3/1990) على يد عدد من النخب المؤمنة بالفكر القومي العربي، التي نصت على “الإسهام في شحذ الوعي العربي، بأهداف الأمة المتمثّلة في مشروعها الحضاري، وهي: الوحدة العربية، والديمقراطية، والتنمية المستقلّة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني والقومي، والتجدّد الحضاري، وتحقيق التفاعل بين الوحدويين العرب، في إطار من التنوّع والتكامل، وتعبئة الطاقات الشعبية؛ من أجل تحقيق هذه الأهداف، واتخاذ المواقف المعبّرة عنها، وتوثيق روابط التعاون والتنسيق، مع الهيئات المماثلة في أهدافها”.

أما دورة هذا العام، فقد جاءت وسط ظروف صعبة ومعقدة، ضربت عمق العمل القومي العربي، من الضربات القوية التي تلقتها فصائل ومحور المقاومة، إلى التغيير الدراماتيكي الذي حصل في دمشق، التي كانت تشكل أهم عمق لهذا الفكر، وغير موازين القوى والقوة في المنطقة، لغير صالح الفكر القومي والمقاوم، وبالمقابل تقدم كبير لمخطط الشرق الأوسط الجديد، وتمدد المشاريع والمخططات الصهيونية والتركية، التي شكلت على مدى التاريخ، أهم أعداء الفكر القومي العربي.

كما يعاني العمل القومي العربي اليوم من أزمات بنيوية عميقة، تتمثل بتجفيف منابعه ومرجعياته السياسية والفكرية، فالأنظمة التي كانت تحمل لواء القومية العربية تساقطت الواحدة تلو الأخرى، والبعث أصبح جثة هامدة، والناصرية تكاد تدخل مرحلتها الأخيرة، مع رحيل معظم الأسماء التي شهدت صعودها، ودخول من بقي منهم عصر الشيخوخة المتقدمة، وعدم وجود جيل شاب، يواصل المسيرة؛ بسبب الانتكاسة الكبيرة، التي شهدتها الأنظمة والأحزاب والحركات القومية، التي كانت ترفد العمل والفكر القومي العربي، بالأجيال الشابة.

كما كان لافتاً، في دورة هذا العام، أن المتحدثين من الأحزاب والجماعات الإسلامية، المنتمين إلى محور المقاومة، لا يقلون عن المتحدثين من التيار القومي، على رغم الاختلاف الجوهري بين التيارين، وأهمها أن التيار الديني لا يؤمن في جوهره بالهوية القومية ولا بالوطنية، وإنما فقط بالهوية الإسلامية، وتعتبر هذه الحالة، أحد أشكال الأزمة البنيوية، التي يعاني منها الفكر القومي العربي اليوم، وإن كان يمكن البناء على هذه الظاهرة وفق أسس جديدة، يمكن أن يجدد فيها العمل القومي العربي بالتحالف البنيوي مع فصال وأحزاب المقاومة، ذات التوجه الإسلامي، على رغم أنها هي الأخرى، دخلت في أزمات ومشاكل، لا تقل عن مشاكل العمل القومي العربي، لكن مثل هذا التحالف يمكن أن يكون عامل قوة للطرفين.

فقد تحدث أمام المؤتمر -سواء بشكل مباشر أم عبر شبكات التواصل- قائد حركة أنصار الله في اليمن، السيد عبد الملك الحوثي، ورئيس حركة حماس في غزة، خليل الحية، وأمين عام حركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، ومسؤول العلاقات الدولية والعربية في حزب الله، عمار الموسوي.

ومن أعضاء المؤتمر، تحدث الرئيس المؤسس للمنتدى القومي العربي معن بشور، والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي حمدين صباحي، ونائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جميل مزهر، وعضو المؤتمر الشيخ جواد الخالصي، من العراق، إضافة إلى نائب الأمين العام للمؤتمر، غسان بن جدو، والمناضل الأممي جورج عبد الله، والمناضلة لينا الطبال.

وجاءت تصريحات أمين عام المؤتمر، حمدين صباحي، لتلخص الفكرة الأساسية، التي دارت حولها نقاشات المؤتمر، بتأكيده أن بوصلة المشروع القومي لا تزال ثابتة نحو تحرير فلسطين، واستعادة القرار العربي المستقل، وقال: “أمتنا العربية لن تنهض إلا بالاستقلال واسترداد فلسطين المغتصبة من الصهاينة”.

أظهرت مداولات المؤتمر الحاجة إلى توقف أصحاب الفكر والكُتاب والباحثين، المنتمين إلى التيار القومي عن رمي كل مصائب الأمة على الغرب الاستعماري ومشاريعه العدوانية في المنطقة، والبحث الجدي والجريء، عن الأخطاء الجسيمة، التي ارتكبتها الأنظمة والأحزاب، التي كانت ترفع لواء القومية العربية، والقيام أيضاً بتحليل الوضع العربي بكل دقة، وتقييم الفكر والعمل القومي في مراحله السابقة، وتحديد أسباب تدهوره إلى حد التهديد، بدخوله حالة الموت السريري.

كما أكدت الحاجة على ضرورة تجديد طريقة وأساليب عمل المؤتمر، وتجديد الفكرة القومية وأدبياتها، بما يتناسب مع التطورات العميقة، التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية، وأهمية البحث عن رفدها بالأجيال الشابة، كما أظهرت أهمية تجديد المواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل التابعة للمؤتمر، التي تعاني من ضعف كبير في التواصل والتأثير.

أكد البيان الختامي للمؤتمر على أهمية المقاومة في التصدي للاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه التوسعية في فلسطين والمنطقة، ودعا إلى وضع استراتيجية مواجهة شاملة، للمخاطر “الإسرائيلية” والغربية في المنطقة.

كما أشاد البيان بموقف اليمن في مناصرة غزة، ومواجهة “إسرائيل” والولايات المتحدة، سواء داخل فلسطين أم في البحر الأحمر، وأكد أن “اليمن صنع وكتب تاريخاً جديداً في مسار المواجهة، مع الكيان الصهيوني وأمريكا”، وهي عبارة تحمل دلالات عميقة، وسط التطورات الكبيرة الحاصلة اليوم في المنطقة، ودور اليمن فيها.

كما حاول البيان إظهار الحاجة لتجديد الفكر والعمل القومي العربي، بالتأكيد على أن المؤتمر القومي العربي يسعى إلى إعادة بناء مشروع قومي عربي جديد، جوهره مواجهة التطبيع والتحالفات الأمنية مع “إسرائيل”، ودعم حركات المقاومة في فلسطين، وسائر الدول العربية.

وأشار البيان إلى أن “طوفان الأقصى زلزل الكيان الصهيوني في أساسه وفي نظرية أمنه”، وأشار إلى أن معركة غزة شكلت نقطة تحول في الوعي العربي والعالمي، ومرحلة جديدة في تآكل الردع “الإسرائيلي” الذي شكّل لعقود أساساً لتوازن القوى في المنطقة.

وانتخب المؤتمر أمانة عامة جديدة، مكوّنة من 25 عضواً، كما اختار الدكتور ماهر الطاهر، أميناً عاماً للمؤتمر، وغسان بن جدو، نائباً للأمين العام، وهذا الاختيار يمكن البناء عليه للمرحلة المقبلة، باعتبار أن الطاهر مفكر قومي عربي، ذو ثقافة وتجربة نضالية مميزة، وبن جدو صوت إعلامي مميز، ويدير قناة الميادين، وهي واحدة من أهم القنوات العربية المساندة لهذا التيار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إعلامي سوري

كاتب