فوز ممداني .. وأمريكا التي تغيرت كثيرًا

أحمد رفعت يوسف*

لم يكن فور زهران الممداني، بمنصب عمدة نيويورك، حدثًا عاديًا في السياسة الأمريكية وامتداداتها العالمية، وإنما مؤشر أشعل الأضواء الحمراء، عند النخبة السياسية الأمريكية، وفي كل دول المنظومة الغربية.

فنيويورك ليست أي مدينة؛ فهي أهم وأكبر مدينة في العالم، وهي عاصمة العالم بوجود مقر الأمم المتحدة فيها، وهي عاصمة المال والأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي قلب أمريكا ورمز لهيمنتها.

لا نستطيع فهم ما جرى، إذا لم نتعرف إلى شخصية ممداني، والعوامل التي شكلت الأسس القوية لفوزه، والمؤشرات التي أعطاها فوزه.

فزهران الممداني، البالغ من العمر 33 عامًا، ولد في العاصمة الأوغندية كمبالا عام 1991، لأب مسلم وأم هندوسية، يحمل الجنسية الأوغندية، انتقلت أسرته إلى كيب تاون في جنوب إفريقيا عندما كان في الخامسة من عمره، ثم إلى الولايات المتحدة وهو في السابعة، حيث استقرت في مدينة نيويورك، وحصل على الجنسية الأمريكية عام 2018.

هذا يعني أن ممداني، عاش الترحال، وتأسس على هوية عالمية، واكتسب من دين والديه، ومن تجربة والده المثقف والباحث والكاتب، الرافض للاستعمار، والقوميات الاستعلائية، كان ذلك بذور تفكيره.

كما كان لوسائط التواصل والثورات التقانية، دور في تشكيل منظومته الفكرية، وفي زواجه، وهو يلاصق من حيث العمر جيل (z) الذي ولد ما بين ١٩٩٧ و٢٠١٢، وينتمي إلى هوية عالمية، ويتبنى قضايا تقدمية، من بينها إيجاد حل عادل للفلسطينيين وحقهم في دولة، ورفض السردية الإسرائيلية للقضية.

في طريقه إلى منصب عمدة نيويورك، فاز في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، في يونيو 2025 على أندرو كومو، الحاكم السابق لولاية نيويورك، ثم فاز في الانتخابات العامة لمنصب العمدة، التي جرت في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، بنسبة 50.4% من الأصوات، متغلبًا على كومو الذي ترشح مستقلًا، وعلى مرشح الحزب الجمهوري كورتيس سليو.

كانت حملته الانتخابية، بمقام منافسة بين الأجيال والأيديولوجيات، فقدم برنامجًا انتخابيًا، فيه انقلاب على الأفكار التقليدية في السياسة الأمريكية، والنهج الرأسمالي التقليدي، حتى أن بعض خصومه اتهموه بالشيوعية، وتضمن برنامجه الانتخابي: تجميد أجور المنازل، تأمين مواصلات ورياض أطفال مجانية، الرعاية الصحية للجميع، دعم النقابات العمالية، منع أصحاب رؤوس الأموال من التهرب الضريبي، وغير ذلك من البنود، مضافًا إلى ذلك برنامجه السياسي، المؤيد للقضية الفلسطينية، المناهض لحرب الإبادة التي تشنها «إسرائيل» في غزة بدعم أمريكي، وموقفه المعلن والصارم، بأن رئيس وزراء الاحتلال سيجري اعتقاله بصفته مجرم حرب، إنْ هو جاء إلى نيويورك.

هذه الشعارات، حققت نصرًا يُعدُّ غير مسبوق، في حملة انتخابية تجاوز فيها الإقبال ثلاثة أضعاف انتخابات عام 2021، ونجح في مواجهة اثنين وعشرين مليونيرًا، في مركز المال ونفوذ أيباك، وفي مواجهة رئيس يعاديه، محققًا بذلك صعودًا مذهلًا من نائب غير معروف في الولاية، إلى أحد أكثر السياسيين شهرة في البلاد.

هذا الصعود لممداني، وفوزه الكبير على عتاة الساسة والأثرياء الأمريكيين، لم يكن مجرد انتصار شخصي له، وإنما مؤشر على تغيرات جوهرية، في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، أهمها:

  • صعود قوى جديدة في الرأي العام الأمريكي، يعبر عنها جيل (z) الذي تضامن مع غزة، وانتفض على القوى التقليدية الحاكمة، لاسيما رؤوس الأموال واللوبي الصهيوني، وهذا التغيير سينقلب على أيّ سلطة لا تأخذ في الحسبان مصالحه وحاجياته، وهو مرشح يطيح بالجمهوريين والديمقراطيين معًا، وظهور قوى ونخب سياسية واجتماعية جديدة.
  • مؤشر على انعطافة ثالثة كبيرة، في مسارات القوى والسياسات الأمريكية الداخلية، الأولى كانت مع ظهور اليمين الأمريكي المحافظ، وأفكار العولمة والنيوليبرالية، التي صعدت إلى حكم أمريكا مع ولاية جورج بوش الابن، ثم فشل هذا التيار، الذي مهد لصعود الترامبية، المعادية لأفكار اليمين المحافظ والعولمة، لتأتي ظاهرة ممداني؛ لتوجه ضربة عميقة للتيارين معًا، ولأحلام ترامب بالسيطرة على البيت الأبيض، لعدة ولايات قادمة، عن طريق ابنته ومؤيدين له.
  • تغير عميق في الرأي العام الأمريكي، حول الكيان الصهيوني، الذي ظهر واضحًا في التعاطف مع أهل غزة، والجدل بين المسيحيين المؤيدين للصهيونية، والمسيحيين المحافظين، الذين يعيدون تقييم علاقتهم بإسرائيل، الذي عبَّر عنه الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي قال: “إنّ الصّهيونيّة المسيحيّة، هرطقة خطيرة داخل الدّيانة المسيحيّة”.
  • انتصار لأفكار العولمة الجديدة، التي أفرزها التطور المذهل في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي، المختلفة كثيرًا عن عولمة اليمين الأمريكي المحافظ، الذي حاول السيطرة على العالم، عن طريق نشر الأمراض (كورونا)، والغزو العسكري، والهيمنة على إرادات دول وشعوب العالم وثرواتها.

من المهم الملاحظة، بأن الأفكار التي قدمها ممداني في برنامجه الانتخابي، تقترب كثيرًا من النهج الصيني، الذي تمكن من المزج -بطريقة كانت تبدو شبه مستحيلة- بين النهجين الشيوعي والرأسمالي، الذي يمكن توصيفه (بأنسنة الرأسمالية)، وهذا يؤكد على عمق ونوعية التحولات في الأفكار العالمية، نحو نظام عالمي جديد، بعيدًا عن أفكار الرأسمالية المتوحشة، وسطوة رأس المال العالمي.

وسط هذه التحولات والأزمات، التي تهز الوضع الدّاخلي الأمريكي، تأتي ظاهرة ممداني؛ لتؤكد أن الجيل والأفكار التي يمثلها، صارت تشكل قوة كبيرة، في أوساط الرأي العام، وصار لديهم القدرة على تمثيل موقف سياسي وازن، وهذه الفئة التي كان يعدها ترامب فوضوية، مرشحة للصعود أكثر، ومنها ستأتي القوى الّتي ستغيّر نمط السّلطة، وترسم ملامح أمريكا الجديدة، وهو ما يتوقع أن تظهر بقوة في الانتخابات التي ستجري في مؤسسات الحكم الأمريكي كافة، خلال السنوات العشر القادمة.

“أمريكا لم تعد كما كانت قبل ثلاثين سنة”، هذه عبارة صارت النخب الأمريكية ترددها كثيرًا، ومنهم الإعلامي الأمريكي المعروف توماس فريدمان؛ لتوصيف حال أمريكيا اليوم، التي باتت مقسمة، بين ماضٍ يريد الحفاظ على مواقعه، وحاضر تمثله القوى المجتمعية الجديدة.

هذا يؤكد، أن ظاهرة ممداني، ليست مجرد حالة شخصية خاصة، جرى إنتاجها نتيجة ظروف عادية أو طارئة، وإنما ناتجة عن تحولات عميقة، تمتلك عوامل بقائها ونموها، وليس من السهل احتواؤها أو شراؤها، وسيكون لها خطوات ثورية لا حقة، ليس فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما حتى في أوروبا المأزومة في كل شيء، التي تتهيأ لثورات داخلية قد تطيح بالتوجهات الأوروبية التقليدية، التي حكمتها منذ الحرب العالمية الثانية، وتمتد جذورها إلى معاهدة وستفاليا، التي حررت السياسة من الدين، وأنتجت النهضة الأوروبية، وعصر التنوير، وهذا يضعنا أمام عصر جديد، ناتج عن ثورة تكنولوجيا الاتصالات، التي أفرزت جيل (z)، وهو مختلف كثيرًا في ملامحه، عن القوى التقليدية الحالية، وهكذا يندفع التاريخ إلى الخروج من مرحلة والدخول إلى أخرى، تحتاج إلى بعض الوقت؛ لتتشكل ملامحها النهائية، لكن يمكن اعتبار فوز ممداني، إشارة البداية لانطلاق هذا المسار.

___________

*باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية

 

كاتب