أبوبكر عبد الله*
في الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي المنعقدة الخميس الماضي كان وقع المفاجأة عنيفا عندما استمع مندوبو الدول الأعضاء في المجلس إلى تقارير موثقة عن الفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر السودانية وسط انتقادات علنية لصمت المجتمع الدولي حيالها عبَّر عنها منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة توم فليتشر بقوله “لا تصلنا صرخاتهم ولكن الرعب مستمر… النساء والفتيات يُغتصبن والناس يُعذبون ويُقتلون من دون أن يُحاسب أحد على ذلك”.
في الحقيقة مثَّل صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الفظائع انتكاسة أخلاقية وسياسة كبيرة للدبلوماسية وللمجتمع الدولي، بعد أن وثقت الكاميرات جرائم إبادة جماعية سقط فيها الآلاف من المدنيين قتلى في إعدامات جماعية وتصفيات عرقية واعتداءات جنسية مروعة استمرت لعدة إيام من دون أي تحرك دولي لوقفها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
الكثير من التقارير الدولية اتهمت مليشيا الدعم السريع بارتكاب فظائع وجرائم إبادة جماعية فضلا عن جرائم الاعتداءات الجنسية التي ارتكبتها اثناء تقدّمها نحو الفاشر، بما في ذلك جرائم الاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي والخطف والاحتجاز والتعذيب.
على الأرض كان المشهد مروعا كثيرا، بعد ان تمكنت بعض المؤسسات الدولية من التقاط صور عبر الأقمار الصناعية كشفت عن عشرات الجثث ملقاة في الشوارع من جراء الاعدامات الجماعية والقصف العشوائي والجوع والتعذيب الوحشي في سردية مؤلمة أعادت إلى الاذهان جرائم الإبادة في اقليم دارفور قبل أكثر من 20 عاما.
حتى يوم الجمعة الماضي وبعد نحو أسبوع من سيطرة مليشيا الدعم السريع على الفاشر استمرت الانتهاكات بحق المدنيين هناك في ظل هجمات وحشية في الشوارع ومواقع السكن والمخيمات بينما كشف باحثون عن صور جديدة التُقطت عبر الأقمار الاصطناعية اظهرت استمرار جرائم القتل الجماعي داخل المدينة ومحيطها كما أظهرت مؤشرات بأن “جزءا كبيرا من سكان المدينة قُتلوا أو أُسروا أو يختبئون تحت وطأة الخوف والجوع”.
ظلت قوات الجيش السوداني طوال عامين ونصف من الحرب الأهلية مسيطرة على المدينة وتوفر الحماية للسكان بصورة عامة، غير أن انسحابها بصورة مفاجئة وسريعة كان كارثيا على من تبقى من السكان والنازحين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أكبر آلة للقتل الجماعي قادها جنود وضباط مليشيا الدعم السريع بعد ساعات من اجتياح المدينة والسيطرة على القاعدة العسكرية للجيش.
بحسب التقديرات الأممية فإن نحو 260 ألف شخص كانوا متواجدين في مدينة الفاشر وقت اجتياح قوات الدعم السريع للمدينة وكان نحو 62 ألف شخص منتشرين في أماكن أخرى بعيدة عن مركز المدينة بالإضافة إلى عدة آلاف كانوا قد وصلوا إلى مخيم طويلة للنازحين والذي كان في السابق خاضعا لسيطرة قوات محايدة.
لكن المشهد في نهار اليوم التالي للاجتياح كان مروعا إذ قتل آلاف المدنيين من السكان والنازحين إما في مناطقهم أو أبيدوا جماعيا خلال محاولتهم الهروب من المدينة بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن.
والاتهامات الموجهة لمليشيا الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها بارتكاب جرائم إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة في مدينة الفاشر كانت ذات مصداقية ومستندة إلى وقائع موثقة من قبل جهات عدة بما فيها منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية موثوقة.
من ذلك جريمة الاعدام الجماعي لأكثر من 2000 مدني أعزل يومي 26 و27 أكتوبر معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن بالتزامن مع جريمة اعدام جماعية وثقتها منظمة الصحة العالمية طاولت نحو 460 شخصا كانوا يتلقون الرعاية الصحية داخل مستشفى الولادة السعودي بجامعة الفاشر.
اما جرائم القتل الجماعي للمدنيين في مناطق اقامتهم أو الذين حاولوا الفرار، فقد سجلت في نحو 21 موقعا بداخل المدينة، تزامنت مع عمليات إعدام جماعي لمدنيين بدوافع عرقية وقبلية، وخاصة من مجتمعات الفور والزغاوة والبرتي حيث كان يتم فصل الرجال والفتيان عن عائلاتهم، واخضاعهم للتعذيب أو القتل.
شملت انتهاكات مليشيا الدعم السريع أيضا العاملين في المجال الإنساني حيث شهدت الايام الاولى لاجتياح المدينة جرائم قتل لمتطوعين إنسانيين محليين وجرائم خطف ل 6 من الكوادر الطبية، بينهم 4 أطباء، والمطالبة بفدية مالية للإفراج عنهم.
هروب وسط الجحيم
استخدمت مليشيا الدعم السريع التجويع كسلاح بحق 800 ألف نسمه من السكان والنازحين لفترة تزيد عن ٥٠٠ يوم بعد أن فرضت حصارا مطبقا على مدينة الفاشر منعت خلاله دخول الغذاء والدواء وحتى قوافل المساعدات الإنسانية الدولية كما اقفلت الطرق في محيط المدينة وقتلت المئات ممن حاولوا الهروب، ما اضطر مئات الآلاف من المدنيين الذين بقوا بداخل المدينة إلى أكل علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة وسط انهيار تام للخدمات الصحية وانتشار للأوبئة.
ونتائج سلاح التجويع بدت واضحة للعيان في التناقص المتدرج لعدد سكان المدنية، حيث كان عددهم قبل عامين من الآن يناهز الـ 1.5 مليون نسمة، بينهم 800 ألف نازح هربوا من مدن دارفور الأخرى بسبب الحروب الدائرة منذ عام 2003.
ومنذ مايو 2024 عندما بدأت مليشيا الدعم السريع حصارها على الفاشر، شهدت المدينة عمليات نزوح واسعة، قلصت عدد النازحين بنسبة 80% بحيث لم يتبق في المدينة سوى 300 ألف نسمة كانوا في تجمعات بداخل احيائها لحظة احتياجها من قبل مليشيا الدعم السريع.
أكثر المدنيين الذين قرروا الهرب يوم الاجتياح خاضوا مغامرة نزوح محفوفة بالمخاطر؛ إذ كان عليهم أن يجتازوا طرقا ملغومة بعصابات القتل والكمائن بينما كان الجوع والتعب يفتك بالعشرات اثناء محاولتهم السير لعدة أيام للوصول إلى بلدة طويلة التي تبعد حوالي 68 كيلومتراً غرب الفاشر حيث يتواجد مخيم لنازحين يعيشون في خيام بالية أو تحت الأشجار، ويعانون من نقص حاد في المياه النظيفة والغذاء.
وعلى أن آلاف تمكنوا من الفرار ووصلوا إلى مخيم طويله الذي كان يأوي نحو 650 ألف نازح، إلا أن البيان الذي اصدره رئيس لجنة الإنقاذ الدولية ديفيد ميليباند احدث زلزالا انسانيا بعد أن لفت إلى أن “قلة عدد من وصلوا سالمين إلى مخيم طويلة يجب أن تثير فزع العالم بأسره” في إشارة إلى العدد المحدود لعدد النازحين الواصلين إلى المخيم والذي لم يتجاوز بحسب تقارير أممية 65 ألف مدني، في حين كان عدد الذين فروا نحو المخيم ومناطق أخرى يناهز الـ 300 ألف نسمة.
هذه التقديرات دقت ناقوس الخطر حيال ضحايا بعشرات الآلاف لا يزال مصيرهم مجهولا وربما يكونوا قد تعرضوا لجرائم إبادة جماعية في المناطق الخالية البعيدة عن مدينة الفاشر أثناء محاولتهم الفرار نحو منطقة طويلة.
جرائم التطهير العرقي
العديد من التقارير الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أكدت ان البُعد العرقي لعب دوراً رئيسياً في جرائم الحرب التي ارتكبت مؤخراً في الفاشر، حيث استهدفت القوات المهاجمة بشكل منهجي جماعات عرقية محددة، فيما اعتبرت منظمات غير حكومية دولية أن عمليات القتل المسجلة كانت منهجية واستهدفت التطهير العرقي للمجتمعات غير العربية في إشارة إلى العرقيات الافريقية.
وفضلا عن ذلك تحدثت تقارير اممية أخرى عن جرائم إبادة جماعية بدوافع قبلية عبر عنها التحذير الذي أطلقته مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والذي حذر من “تصاعد خطر وقوع مزيد من الانتهاكات والفظائع واسعة النطاق ذات الدوافع القبلية”.
هذا الجانب كان مثيرا لقلق العديد من منظمات الأمم المتحدة، وكان أشبه بكابوس لدى بعض العراقيات التي تسكن المدينة منذ عقود طويلة، ما دعا الأمم المتحدة إلى توجيه دعوة لمليشيا الدعم السريع السماح فوراً بإنشاء “ممر آمن” يسمح للمدنيين بمغادرة المدينة بشكل آمن.
وسكان مدينة الفاشر ينحدرون من عرقيات اثنية مختلفة، ولجأ كثير منهم اليها لأنها كانت العاصمة الكبرى الوحيدة والأخيرة في إقليم دارفور خارج سيطرة مليشيا الدعم السريع وتحت سيطرة الجيش السوداني والقوات الشعبية المتحالفة معه، مما جعلها ملاذاً آمناً نسبياً للفارين من جحيم الحرب وخصوصا النازحين من ولايات إقليم شمال دارفور التي سقطت تباعاً بيد مليشيا الدعم السريع.
وقد وفرت سيطرة الجيش على المدينة لنحو عامين ونصف من الحرب حالة من الاستقرار والامان النسبي السكان والنازحين على السواء قياسا بالمناطق التي شهدت اقتتالاً قبلياً أو انتهاكات عرقية ممنهجة. زاد من ذلك إجراءات المجتمع الدولي التي حولت مدينة الفاشر إلى مركز للدعم الإنساني للنازحين من مختلف العراقيات.
سباق السيطرة على الفاشر
مدينة الفاشر هي عاصمة إقليم شمال دارفور، ولذلك ظلت موضع اهتمام قوات الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب الاهلية في السودان عام 2023 قبل أن ينفذ عمليات انسحاب مفاجئة سهلت سقوط المدينة بيد مليشيا الدعم السريع.
والمليشيات المهاجمة لم تتوقف عن محاولة السيطرة على المدينة ولجأت لحصارها لشهور طويلة، وافلحت بإسقاطها بعد أن حشدت كل قواتها ومواردها لاجتياح المدينة مستغلة حالة الانهاك بصفوف وقوات الجيش والقوات الشعبية الداعمة جراء الحصار وقطع خطوط الامداد.
واهتمام مليشيا الدعم السريع بالسيطرة على مدينة الفاشر كان له مبرراته العسكرية والسياسية والاقتصادية، إذ ان هذه المدينة كانت مركزا عسكريا مهما لقوات الجيش ناهيك بموقعها الجغرافي الحدودي الذي يؤمن لها وصول الامدادات، وأهميتها الاستراتيجية كونها تمثل المركز الذي يربط السودان بعمقه الافريقي عبر ليبيا وتشاد وافريقيا الوسطى.
ومن الناحية الاقتصادية ظلت مدينة الفاشر تكتنز ثروات هائلة تتمثل بمناجم الذهب التي يعتقد أنها كانت سببا في أكثر دورات العنف التي شهدها إقليم دارفور منذ العام 1999.
يتصدر ذلك منجم جبل عامر الواقع غرب المدينة المنكوبة الذي يصنف كأكبر مناجم الذهب في القارة الافريقية، حيث وصل إنتاج الذهب فيه إلى حوالي 50 طناً سنوياً ويتمز عن غيره من مناجم الذهب المنتشرة في السودان بكونه سطحي وتركيز الذهب فيه عاليا.
المخاطر الجديدة وفرص الانقاذ
رغم الإدانات الأممية والدولية تجاه جرائم الفاشر إلا أن البيانات التي تحدثت عن جهود دولية لتسوية سياسية للازمة السودانية، لن تقدم جديدا لإنقاذ الضحايا ومحاسبة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية. وأكثر ما ستقدمه هو احتفاظ كل طرف من أطراف الصراع بمكاسبه على الأرض والتعهد بعدم وقوع مجازر جديدة بحق المدنيين.
مع ذلك ما تزال هناك فرص أمام المجتمع الدولي في ممارسة الضغوط على قوات الدعم السريع لضمان عدم تكرار وقوع هذه المجازر وصولا الى تسويات إنسانية تحافظ على ما تبقى وعلى وضع المدينة كمنطقة آمنة لضحايا الحرب ومركزا لتقديم المساعدات الإنسانية.
هذه الجهود قد يكون لها صدى على المدى القريب خصوصا اذا اتجه الموقف الدولي نحو حمل الأطراف الداعمة لمليشيا الدعم السريع على الضغط عليهم لوقف ارتكاب مجازر جديدة يتوقع حصولها خلال الفترة القادمة.
ذلك أن مدينة الفاشر ما تزال حتى الآن تعج بالفصائل المسلحة القبلية او المتهمة بموالاة الجيش أو تلك المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع، وجميعها تنتمي لعرقيات عربية وافريقية وتتقاتل منذ عقود طويلة على الأرض والماء.
واستمرار حالة الاضطراب الحالية وتنامي النزاعات الانتقامية القديمة قد يؤجج التوترات العرقية ويقحم المدينة في حرب عرقية مروعة.
وما يزال بعض سكان المدينة الأصليين عرضة لمخاطر جسيمة، خصوصا في ظل التوجهات المتوقعة من الدعم السريع بتوسيع دائرة الانتقام، من القبائل التي ساندت الجيش السوداني.
والحرب في مدينة الفاشر لن تنتهي بسيطرة مليشيا الدعم السريع على المدينة فهناك مليشيا شعبية من القبائل الافريقية تحالفت في السابق مع الجيش السوداني محمولة بأحقاد وثارات جولات طويلة من الصراع المسلح مع قبائل وعرقيات أخرى.
والتقديرات اليوم ترجح أن تتحول مدينة الفاشر في ظل الظروف الراهنة وتركيبتها العرقية المعقدة إلى مسرح لحرب عرقية مروعة، ستقود بلا شك إلى كارثة تهدد كل العرقيات العربية والافريقية التي تعيش في حالة عداء شديد.
مع ذلك ما يزال لدى المجتمع الدولي فرصة للتدخل، بتحييد حواضن الصراع العرقي بين القبائل المتصارعة وكبح النزعات العرقية لدى مليشيا الدعم السريع، كما يمكنه كبح أي تأجيج من جانب الأذرع الإقليمية الضالعة في الحرب والحديث بصوت مرتفع عن مخاطر التورط في انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنساني.
وأكثر ما يحتاجه المدنيون الباقون في مدينة الفاشر اليوم، هو ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة عن تحركات دولية عاجلة وجادة ترغم مليشيا الدعم السريع على فتح معابر إنسانية للمدنيين لمنحهم فرصا للخروج الآمن، وكذلك جهود دولية جماعية وآليات تكفل الحماية الدولية للمدنيين المقيمين في سائر المناطق المهددة بالهجمات الانتقامية، كما يحتاجون بشكل مُلح إلى آليات مراقبة دولية عاجلة وإجراءات عقابية صارمة بحق أي طرف يتورط بارتكاب جرائم إبادة جماعية جديدة أو أي انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب ومحلل سياسي