مؤتمر الأقليات في الشرق الأوسط.. محاولة إسرائيلية للنفاذ من أخطاء السلطات السورية

أحمد رفعت يوسف*

 شهدت عاصمة كيان الاحتلال الإسرائيلي، تل أبيب، مؤتمراً تحت عنوان “الأقليات في الشرق الأوسط” نظمه اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبمبادرة من الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين.

قال المنظمون، إنّ الهدف من المؤتمر هو “تعزيز الحوار والتعاون بين الأقلّيات في المنطقة وإسرائيل، في ظلّ التحدّيات الأمنية والسياسية، التي تواجهها هذه المجموعات، في دولها الأصلية.

ثمة ملاحظتان هامتان يطرحهما المؤتمر، الأولى وهي تنظيمه من اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يقف وراء القانون الإسرائيلي العنصري “قومية الدولة” عام 2018، الذي ينص على أن إسرائيل دولة يهودية، وينظر إلى باقي “الأقليات” في كيان الاحتلال، على أنهم درجة ثانية وثالثة، وبعضهم (كالبدو) بدون أي حقوق.

والثانية، وهي أن الحضور كان محدوداً، وتم بشكل شخصي، وليس بتمثيل رسمي أو بتفويض، من أي مرجعيات سياسية، أو دينية، أو اجتماعية، واقتصر على شخصيات من حملة الجنسية الإسرائيلية، أو من المقيمين في أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية.

القراءة الواقعية للظروف، التي أوجدت الأرضية لعقد المؤتمر، تقول.. بأنه كان من المستحيل حدوثه، قبل التغيير في سورية، وهذا يؤكد أن التطورات التي جرت فيها، بتداعيات سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، كانت المحرك الأول وراء عقد المؤتمر، وأن سورية هي المستهدف الأول منه، باعتبارها مفتاح المنطقة، وأن الخارطة الجديدة للشرق الأوسط، ترتسم معالمها اليوم من البوابة السورية، وهذا يستدعي التساؤل عن الخلفيات، التي اوجدت الظروف لعقد المؤتمر.

لا شك أن تشكيلة السلطة الجديدة في دمشق، والمكونة من قيادة حركة تحرير الشام، والمجموعات المسلحة، والتي تعود كلها، إلى حركات وفصائل جهادية وأجنبية متطرفة، تكفر كل المختلفين عنها، بما فيهم المسلمون السنة، الذين ينتمون إلى عقائد ومذاهب صوفية ومعتدلة، ينتمي إليها غالبية السنة في سورية، وسيطرة هؤلاء على الجيش، والإدارات الأمنية، وإدارات ومؤسسات الدولة، مما أوجد شرخاً كبيراً في المجتمع السوري، وبين السلطة الجديدة، ومن يطلق عليهم “الأقليات”.

عزز ذلك الممارسات والأخطاء الجسيمة، التي ارتكبتها سلطات دمشق، والتي أوجدت المناخ، وهيأت الظروف، لعقد مؤتمر تل أبيب وأهمها:

  • المجازر والمذابح، التي شهدتها مناطق الساحل السوري، ومدينة السويداء، وجرمانا وصحنايا في ريف دمشق، وتفجير الكنيسة في دمشق.
  • سيطرة حالة من الخوف، وفقدان الأمن، رافقتها عمليات قتل، وسبي، وسرقة، وسيطرة على البيوت، وتقاعس السلطات عن ملاحقة المجرمين، رغم أن الكثير منهم معروف، ويقومون بتصوير جرائمهم، وينشرونها بالصوت والصورة، مما أفقد الأمل، من قيام السلطات بواجباتها، بتوفير الحماية لكل المواطنين، وتحديداً في المناطق التي تسكنها “الأقليات”.
  • استهداف “الأقليات” بوظائفهم، وموارد رزقهم، بعد انهيار الجيش السوري، والكثير من مؤسسات الدولة، وتوقيف شرائح كبيرة من الموظفين، عن أعمالهم، وتوقيف رواتب الضباط والجنود، والمتقاعدين بعد العام 2011، مما أوجد حالة من الفقر والحاجة، عند شرائح واسعة من السوريين.
  • استمرار اعتقال، أكثر من عشرة آلاف ضابط وجندي، من الجيش السابق، ممن تجاوبوا مع السلطات، وأجروا التسويات التي طلبتها منهم، وسلموا أسلحتهم، لكنها خذلتهم وقامت باعتقالهم.
  • انسداد الأفق، مع قوات سورية الديمقراطية (قسد) رغم توقيع اتفاق 10 آذار، بين رئيس السلطة أحمد الشرع، وقائد قسد مظلوم عبدي، لتنظيم اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية، في الجيش ومؤسسات الدولة.

إضافة إلى هذه الأسباب، فإن التواصل المباشر، بين سلطة دمشق، والحكومة الإسرائيلية، منذ الأيام الأولى لوصولهم إلى السلطة، وصمتها عن قيام “إسرائيل” بتدمير معظم مقدرات الجيش، ومقراته، وأسلحته، وعتاده، ومراكز الأبحاث، وقيامها بإعادة احتلال مناطق جديدة في الجولان، وجبل الشيخ، كانت قد انسحبت منها في العام 1974 أوجد مناخاً عاماً، يعتبر أن ما من أحد عنده الحق، وفي مقدمتها السلطة، على تجريم، أو تحريم، التواصل مع السلطات الإسرائيلية.

هذه الحالة، أوجدت فرصة ذهبية للإسرائيليين، للدخول من النوافذ، التي شرعتها سلطات دمشق، وتقديم أنفسهم، بأنهم يمكن أن يكونوا الحماة، لهذه المكونات السورية الأصيلة.

ومع التأكيد، بأن ما من أحد يمكنه التشكيك، بالانتماء الوطني لدروز سورية، المحكومون بسقف قائد الثورة السورية عام 1916، سلطان باشا الأطرش، لكن هناك عوامل موضوعية، تجعل مهمة النفاذ الإسرائيلي، في الوسط الدرزي في سورية، سهلاً بعض الشيء، بسبب التجاور الجغرافي، ووجود الدروز في فلسطين المحتلة عام 1948 ومنهم من يخدم في الجيش الإسرائيلي، وموجودون في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي، وفي مؤسسات الحكومة، وقيام السلطات الإسرائيلية، بتوفير الحماية لدروز السويداء، عند حدوث هجمات العشائر البدوية، وبمشاركة وحماية من الأمن العام، ووحدات الجيش، التي جاءت بحجة الفصل بين الجانبين.

كما أن العلاقات، مع فصائل كثيرة من الأكراد، ليست سرية، وهناك مشروع لربط الكيان الإسرائيلي، مع مناطق قسد، تحت تسمية (ممر داوود) يبدأ من السويداء، عبر الحدود مع الأردن والعراق، وصولاً إلى مناطق قسد، والحدود السورية التركية.

بقي على إسرائيل، محاولة فتح نافذة مع العلويين، وهو ما حاولت التركيز عليه في المؤتمر، من خلال إبراز مشاركتهم فيه، رغم أن هذه المشاركة كانت محدودة، وبدون أي تمثيل أو تأثير، واقتصرت على أحد سكان بلدة الغجر، في الجولان المحتل، ويحمل الجنسية الإسرائيلية، وعلى شخص مقيم في أوروبا، وآخر في الولايات المتحدة الأمريكية.

بالتأكيد هذه المهمة ليست سهلة، لأسباب عديدة، أولها البعد الجغرافي، والخط الأحمر الذي وضعه الرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي رفض توقيع اتفاق سلام، بسبب مئات قليلة من الأمتار في الجولان، لا تتجاوز مساحة بيت عادي، رغم تعهد رئيس حكومة الاحتلال في حينه، إسحاق رابين، بالانسحاب الكامل، حتى من هذه الأمتار، وهو ما عرف بوديعة رابين، وأكدها الرئيس المصري السابق، حسني مبارك.

كما أن العقل الجمعي للعلويين، يرفض إعطاء السلطات في دمشق، هدية على طبق من ذهب، لشيطنتهم، واتهامهم بالتعامل مع إسرائيل.

في جردة حساب لمؤتمر تل أبيب، يمكن القول، إنه ليس أكثر من فقاعة إعلامية، وبدون نتائج عملية على الأرض، لكن بنفس الوقت، لا يمكن التجاهل، بأنه خطوة أولى، يجب أن تشعل أضواء حمراء، في قصر الرئاسة في دمشق، لأنه إذا لم تعالج السلطات الحاكمة، الأسباب التي أوجدت الظروف، لعقد مثل هذا المؤتمر، فإن الخطوات التالية، ستكون بالتأكيد أكثر جدية، وتأثيراً على الأرض، خاصة وأن العدو الإسرائيلي، يرى في سورية، النقيض الوجودي له، ومشروعه فيها، هو التقسيم ولا شيء آخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية

كاتب