وثيقة الإخوان المسلمين في سورية.. صياغة جديدة لخطابٍ قديم

أحمد رفعت يوسف*

 أصدرت جماعة “الإخوان المسلمين” السورية، وثيقة جديدة، تحدد فيها رؤيتها للوضع، تحت عنوان “وثيقة العيش المشترك في سورية”.

في الشكل العام، استخدمت الجماعة في صياغة وثيقتها، لغة جميلة ومنمقة، حاولت فيها تقديم نفسها، كجماعة معتدلة، تقر بتعددية المجتمع السوري، وتحترم الآخر.

افتتحت الجماعة وثيقتها، بعبارة “أكرمنا المولى عزّ وجلّ مؤخراً، بنصر سقط به نظام الطاغية الأسد”، ثم تحدثت عن التنوع في سورية، ورأت أن “تعدد ديانات أبنائه، رسالة إنسانية فريدة، جعل سورية بلداً يتمتع بهوية إنسانيّة وحضاريّة متميزة”، وأكدت أن “ما تحتاجه سورية اليوم، لضمان مصالحها المشتركة، هو عيش مشترك، ولا يستقوي مكون سوري، بدولة خارجية على دولته، للحفاظ على مصالحه”.

وقدمت الوثيقة معايير تقييمٍ وقيم، تعضد العيش المشترك، وأهمها أن سورية دولة ديمقراطية، تقوم على التعدديّة السياسيّة، والتداول السلميّ للسلطة، ومبدأ المواطنة، وسيادة القانون، وفصل السلطات، وحرية الاعتقاد، وتجريم خطاب الكراهية، والتحريض على العنف، وأن جميع السوريّين متساوون بحق المشاركة السياسيّة الكاملة، بناءً على الكفاءة، في إطار من التنافس السياسي، وفقاً لانتخابات حرّة ونزيهة.

تحدثت معايير الإخوان، أن الدستور يكفل الحريّات العامّة والفرديّة، وحقّ تشكيل الأحزاب السياسيّة، ومنظّمات المجتمع المدني، وتحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، ومهمّة الجيش الوطني الدفاع عن الوطن، ضدّ الاعتداءات الخارجيّة، وحصر السلاح بيد الدولة.

أيضاً تحدثت الوثيقة، عن تمكين المرأة والشباب، وتساوي أبناء الشعب السوري، في الكرامة والحقوق والواجبات، ومسؤولية كل إنسان عن عمله، وعدم أخذ إنسان بجريرة آخر.

كما رأت الوثيقة، أن المجتمع السوري، يقوم على أساس التعاون على البر والتقوى، ومشاركة الشعب السوري، في تقرير العلاقات المصيرية المتعلقة بالبلاد، ومكافحة الخارجين على الدولة، وعصمة دماء وأموال جميع السوريين، وحرية الانتقال داخل الدولة.

وفي معايير الحكم، والعلاقة بين مكونات المجتمع السوري، استخدمت وثيقة الإخوان، معايير شرعية مستندة إلى آيات قرآنية، واعتبرت “صحيفة المدينة” التي أقرها رسول الله (ص) الأساس المرجعي، لعلاقتهم مع الآخر، وللمواطنة التعاقدية، التي تضبطها القوانين، وتصون حقوق جميع المواطنين.

كما استخدمت قول الله تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، ورأت أن هذه الآية، تنظم تعامل المسلمين مع غيرهم، وترشدهم إلى الالتزام بأسس شرعية، للتعامل والعيش المشترك مع الآخر.

واضح من سياق الوثيقة، أن الإخوان المسلمين، استخدموا لغة براغماتية معتدلة، حاولوا فيها إعادة تشكيل الصورة النمطية المعروفة عنهم، كجماعة دينية متطرفة، تعتمد العنف والتمكين، للوصول إلى السلطة، ثم الاستئثار بها، وفق رؤيتهم الشرعية والفقهية للسلطة.

ومع استحالة تحول الإخوان، من حزب ديني، إلى حزب سياسي وطني؛ لا يمكن فهم الوثيقة، وتحليلها بموضوعية، من دون تحليل وتفكيك لغة الإخوان، ورأيهم في المفردات التي صاغوها، وفق ثوابتهم الدينية والعقائدية، التي لا يستطيعون الخروج عنها.

كما لا يمكن فهم لغتهم، من دون الأخذ بعين الاعتبار، الظروف الداخلية والإقليمية والدولية، التي تتحكم بالوضع في سورية. فصياغة الوثيقة تمت وفق رؤيتهم، القائمة على الأسس الدينية والشرعية، ولم يقتربوا من الأسس الوطنية، إلا بما يخدم رؤيتهم ومشروعهم، متجاهلين التطور والتغير الكبيرين، اللذين حدثا في المجتمعات والدول، منذ عهد الرسول (ص) إلى اليوم، مع الخلط المتعمد، بين الثوابت في الأحكام العامة في الإسلام، والآيات والأحداث التي نزلت، وفق ظروف وأحداث كانت وليدة لحظتها، مثل الظروف التي استوجبت إقرار “صحيفة المدينة”.

وهنا يمكن التوقف عند نقاط كثيرة في الوثيقة:

** افتتاح الوثيقة بالحديث عن النصر على الطغيان، فيه تجاهل لكل الواقع السوري وتعقيداته، وفي مقدمتها، محاولة إعلان نصرٍ وهميٍّ، متجاهلين أن ظروفاً داخلية وإقليمية وخارجية، كانت وراء التغيير في سورية، وأن ما من أحد أخذ رأيهم، أو أشركهم في التغيير.

** محاولة حصر صراعهم مع السلطة السورية والقوى السياسية بعهد الأسدين الأب والإبن، فيها تزوير وتشويه للتاريخ، وتعدٍ على ذاكرة السوريين، لأن أول صدام دموي معهم، حدث أيام الرئيس أمين الحافظ، ابن مدينة حلب، وفي مدينة حماه تحديداً. وفي هذا التشويه، حصر للصراع بالجانب الطائفي، الذي يحاولون إبعاد أنفسهم عنه في الوثيقة.

** يحولون الصراع السوري، من صراع مشاريع خارجية، وتوق الشعب السوري إلى الحرية والعدالة والمواطنة، إلى معركة دينية، كل همهم فيها، تقديم أنفسهم على أنهم الموكلون، بتحديد هوية سورية وشعبها.

** صيغت لغة الوثيقة، بطريقة (نحن والآخر) فيذكرون القيم الأخلاقية والدينية في الإسلام، مثل العدالة والتعاون، وبعدها ينحدرون إلى احتكار الأنا، واعتبار أنفسهم، هم الأولياء لتطبيق هذه الشريعة، وبأنهم الدولة والمجتمع، وأصحاب الرأي والقرار، وهناك (آخر) في الوطن، سيعطونه هذه الصفات والميزات، مع احتفاظهم، بحق تحديد شروط هذا العيش وحدوده، في بلد متعدد الأديان والطوائف والأعراق.

** يعمل الإخوان من خلال وثيقتهم، على تطويع المفاهيم والمصطلحات، بما يتوافق مع نظرتهم، مثل حديثهم عن الديمقراطية، حيث يعرف الجميع، رفضهم الشرعي والفقهي لها، وأنهم يعملون بها فقط حتى توصلهم إلى السلطة، وبعدها ينقلبون عليها. وهذا يجعل “ديمقراطيتهم” خاضعة لاختبار “مقاصد الشريعة” لا لإرادة الشعب، وهم من يحددون تلك المقاصد وتفسيرها، وهو ما أكده الشيخ يوسف القرضاوي، الذي قال “الديمقراطية نأخذ منها ما لا يخالف شريعتنا، ونرفض ما عدا ذلك”.

** كما أن مفهومهم عن المجتمع المدني، مختلف كثيراً عن المجتمع المدني والعمل الأهلي في الدول والمجتمعات المتقدمة، والذي يقوم على خدمة المجتمع من دون تمييز، فيما جمعياتهم، تُربي الأطفال على الطاعة العمياء للمرشد، وليس على قيم المواطنة.

أما في الظروف الداخلية والخارجية، التي أملت لغة الوثيقة، فهي جاءت بعد أحداث “الربيع العربي”، وفشل مشروع “فليحكم الإخوان”، وفشلهم في تونس ومصر والسودان وليبيا واليمن وغيرها، وأن مهمة الإسلام السياسي، وتحديدا الإخوان انتهت، وهناك قرار إقليمي ودولي بذلك، ما كان ممكنا بالأمس، أصبح مستحيلاً اليوم.

كما تأتي عبارة: “التاريخ مضى وهو في ذمة أصحابه” كمحاولة لمحو ذاكرة السوريين، ومحو تاريخ الإخوان الدموي، وعسكرتهم للحراك السوري وتحويله من نضال مدني إلى صراع طائفي، ساهم في تفكيك النسيج الوطني السوري.

من خلال العودة إلى تاريخ سورية، وخاصة إلى الانتخابات الديمقراطية، التي جرت في بدايات تشكل الدولة السورية الحالية، ودور الإخوان، وطبيعة الشعب السوري، التعددية والمعتدلة؛ يمكن التأكيد، أنه لا يمكنهم أن يشكلوا أغلبية في المجتمع السوري، أو في أي انتخابات ديمقراطية، ولن تكون لهم القدرة على فرض رؤيتهم، أو تقديم أنفسهم كولاة على خيارات الشعب السوري. وهذا يجعل الوثيقة، ليست أكثر من محاولة، لتبييض صفحة الجماعة، وتقديم أنفسهم كحركة معتدلة، عبر صياغة جديدة لخطابٍ قديم.

أخيراً، لا يمكن النظر إلى وثيقة الأخوان، وفي هذا الظرف بالذات، إلا كمحاولة لتقديم أنفسهم، كحركة دينية معتدلة، كبديل عن السلطة الحالية، المتهمة داخلياً وخارجياً بالتطرف. وفي هذا رد مباشر على أحمد زيدان، المستشار الإعلامي، للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي طالب الإخوان بحل أنفسهم.

——-

* باحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية

كاتب