أحمد يوسف*
تعمل وسائل الإعلام، الممولة من اللوبي الصهيوني في العالم، على تقديم الكيان بصورة السوبر، الذي يحقق الانتصارات، ويفرض شروطه، ورؤيته، ومخططاته في المنطقة، وبدون أي رادع.
وحتى لا نتهم بأننا منفصلون عن الواقع، في تحليلنا، لا بد من الاعتراف، بأن ظاهر الصورة يقول، بأن الكيان الصهيوني ــ ومَنْ هم وراءه ــ حققوا إنجازات نوعية، في هذه الجولة من الصراع، بعد عملية طوفان الأقصى، ولكن ماذا عن التفاصيل الأخرى؟.
ولكي تكون الصورة واضحة ومكتملة، لا بد من استكمال التشخيص الواقعي للوضع والتظهير للصورة كما هي، من دون رتوش، وبعيداً عن الأماني والأحلام، أو الأخذ بظاهر الصورة، ومحاولات تعويم صورة العجز، وتيئيس شعوب المنطقة، من إمكانية مقاومة مشاريع الهيمنة والسيطرة، وتحقيق أي انتصار، فماذا في تفاصيل هذه الصورة؟.
في تشخيص واقع الكيان الصهيوني، وركائز وجوده، نرى بأن هذا الكيان، قام على ركنين أساسيين، يؤمنان عوامل قوته واستقراره: الأول هو القوة العسكرية، وعقيدة جيش الاحتلال، التي تضمن له التفوق، على كل الجيوش العربية، وخوض المعارك، على أرض العدو، وحسم المعارك، بسرعة وبشروطه. والركن الثاني، هو القوة الاقتصادية، والتي تضمن الرفاهية للمستوطنين، والأمن والأمان للمستثمرين. والسؤال الآن: ماذا بقي من هذين الركنين، بعد كل ما حدث؟.
إن نظرة موضوعية، لواقع الكيان، يُظهر صورة مختلفة كل الاختلاف، عن التي يحاول قادته، والإعلام الموالي له ترويجها، ككيان قوي، ومنتصر. وسنعتمد في معلوماتنا، على ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية، ومراكز الأبحاث الغربية، الممولة بمعظمها من المال الصهيوني:
** في الركن العسكري:
– لأول مرة منذ نشوء الكيان، يضطر لخوض معركة، مخالفة لكل عقيدته العسكرية، حيث خاض معركة طويلة، وعلى أرضه، ويتلقى خسارة غير مسبوقة، وتنتهي معاركه، من دون أن يتمكن من إعلان الانتصار، رغم ادعاءات “نتنياهو” وأركان حكمه بالنصر.
– لأول مرة، يفقد الكيان قدرته على استدعاء الاحتياط، وتأمين الكادر البشري للجيش، وخاصة من الطيارين، واستفحال ظاهرة تهرب جنود الاحتياط، من الالتحاق بالخدمة العسكرية.
– بات كيان الاحتلال، يعاني من نقص في التجهيزات، والعتاد العسكري، وباتت حتى الولايات المتحدة ألأمريكية، ودول المنظومة الغربية، عاجزة عن تلبية متطلباته، لاستمرار القتال حتى تحقيق أهدافه.
** وفي الركن الاقتصادي:
– لأول مرة، تسجل حالة هروب المستثمرين، والشركات الكبرى، وخاصة العاملة في مجال التكنولوجيا، والاتصالات، التي تعتبر عصب الاقتصاديات القوية اليوم.
– بات اقتصاد كيان الاحتلال، يعاني نقصاً كبيراً، في اليد العاملة، والكوادر الفنية الخبيرة سواء بسبب استدعاء معظم هؤلاء، إلى الخدمة العسكرية، ومقتل أعداد كبيرة، في جبهات القتال، أو بسبب هروب أعداد ضخمة منهم، إلى خارج الكيان الصهيوني.
وإضافة إلى ذلك، فإن استمرار القال لفترة طويلة، غير معتادة للمجتمع “الإسرائيلي” الهش، وحالة الخوف والاستنفار، والأوقات الطويلة والمتكررة التي بات يقضيها المستوطنون في الملاجئ، والوحشية التي أظهرها جيش الاحتلال، في قطاع غزة بشكل خاص، أدت إلى:
– فقدان الثقة، بقدرة جيش الاحتلال، على مواصلة القتال، وتحقيق أهدافه، وتوفير الأمن للمجتمع الإسرائيلي.
– حدوث حالة هروب كبيرة للمستوطنين، من داخل الكيان، ومعظم هؤلاء غادروه بشكل نهائي، مع توقعات بأن هذه الحركة، ستزداد وتتواصل، بعد توقف القتال، وفتح المطارات بشكل كامل. يقابل ذلك، توقف قدوم المستوطنين بشكل شبه تام، وهذا يعني، استنزافا بشريا، من المستحيل على سلطات الاحتلال تعويضه.
– تهشم مكانة “إسرائيل” والصورة النمطية التي حاولوا تصديرها، بأنها مجتمع ديمقراطي، ويحترم حقوق الإنسان، لتظهر صورة أخرى، ككيان عدواني متوحش، حتى أصبح معظم قادة الكيان، السياسيين والعسكريين، مطلوبون إلى المحاكم الدولية والأممية، وفي معظم دول العالم.
أكدت ذلك، التظاهرات الكبيرة، التي تشهدها عواصم الدول الأوروبية، والمدن الأمريكية والجامعات، واستطلاعات الرأي، وآخرها استطلاع جرى قبل أيام، في الولايات المتحدة الأمريكية، وأظهر أن 76% من الأمريكيين، مع الدولة الفلسطينية، وبخاصة الفئات العمرية الشابة.
كما شمل هذا التغير، النخب الأمريكية، حتى أن الكثيرين من السياسيين الأمريكيين، أكدوا أنهم، لن يستطيعوا الاستمرار في دعم إسرائيل، لأنه لم يعد لأمريكا مصلحة في دعم هذا الكيان، بعد أن انتهى دوره، وبعد أن كشف للعالم وحشيته. وهذا سينعكس مستقبلاً، في صناديق انتخابات الرئاسة، والكونغرس، وفي الانتخابات الأوروبية.
أما العامل الأهم، في تقرير مستقبل الكيان الصهيوني، فهو أن دوره الوظيفي انتهى، وأصبح يتعارض مع التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة، حيث باتت الصين، العدو الأول للولايات المتحدة الأمريكية، وتحاول التفرغ لهذا الصراع.
وهذا يزيد من العبء الذي باتت تشكله إسرائيل، على الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية، التي باتت تعاني بدورها، من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة، تمنعها من مواصلة الالتزام بالكيان الصهيوني.
حتى أن وجود “إسرائيل”، بات يتعارض، حتى مع رؤية التيار “الترامبي”، الذي يركز على المنافسة الاقتصادية، والهيمنة السياسية، بدل نهج الغزو، والحروب العسكرية، التي تعتمدها حكومة “نتنياهو”.
نعتقد أن هذه الصورة، باتت تتفوق بشكل كبير، على صورة الكيان “القوي والمنتصر”، الذي يحاول قادة الكيان ترويجها، وتؤكد بأن الأسس، التي قام عليها الكيان الصهيوني، تعرضت لنتاج كارثية، تشبه زلزالا شديد القوة، ضرب عمق الكيان الصهيوني، ومقومات وجوده، وإلى الدرجة التي لا يمكن ترميمها، أو تعويضها.
ومن يعتقد، بأن مسارعة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لوقف القتال في غزة، بسبب حبه للسلام، أو حرصه على مشاعر الشعب الفلسطيني وحقوقه، فهو واهم، لأن هذا ما كان ليتم، لولا أنه رأى الكيان الصهيوني، في أزمة عميقة، تهدد وجوده بشكل حقيقي.
بالتأكيد، إن رؤية النتائج الحقيقية، للأزمة الوجودية، التي يعيشها الكيان الصهيوني، تحتاج إلى بعض الوقت، وهذا من طبيعة الصراع، لأن الأمر متعلق بكيان موجود، وصراع منظومات وتوازنات القوى والقوة، الموجودة في المنطقة والعالم.
وهذا يجعل الانتصار، بالضربة القاضية مستحيلا، وإن كنا نراه ممكنا، إلى فترة قريبة مضت من الوقت، لولا مسارعة الولايات المتحدة الأمريكية، ودول المنظومة الغربية، والمنظومة الإقليمية، المرتبطة وجودياً بهذه المنظومة، إلى نجدة الكيان الصهيوني، بعد عملية “طوفان الأقصى”.
_________________
*باحث في الشؤون السياسية