ترجمة خاصة (بتصرف) │غسان محمد
مقدمة:
كيف يقرأ الكيان الإسرائيلي مستقبل العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، على ضوء نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وما هي السيناريوهات المتوقعة بعد سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس والشيوخ..؟ والأهم، ما هو مصير المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل..؟ أيضا، ماذا بشأن إيران والشرق الأوسط..؟ هل سيختار ترامب تجديد الحرب على ايران، أم سيحاول التوصل إلى اتفاق، يُنقذ الولايات المتحدة من مستنقع الحرب..؟
ترجمة نص المادة:
من المتوقع أن تُضيّق الهزيمة التي مُني بها ترامب في الانتخابات الأمريكية، وما صاحبها من تغييرات جذرية في مجلسي الكونغرس والشيوخ، الخناق على تحركاته، لا سيما على الصعيد الداخلي، خلال العامين الأخيرين من رئاسته. ومع ذلك، فإن القارئ الإسرائيلي مُهتم بالدرجة الأولى بكيفية تأثير نتائج الانتخابات الأمريكية علينا.
على الرغم من خسارته في الكونغرس، فإنه كأي رئيس أمريكي، وبالتأكيد كرجل أناني مثل ترامب، من المتوقع أن يُركز على إرثه، آملاً أن يُخلّد اسمه في التاريخ الأمريكي والعالمي. وكأي رئيس في نهاية ولايته، لا سيما في ظل كونغرس مُعادي يُقيّده داخلياً، من المتوقع أن يسعى ترامب إلى ترك بصمته بشكل أساسي في الشؤون الخارجية، حيث يتمتع بحرية أكبر في العمل. ويبدو أن الشرق الأوسط، حيث تتخبط الولايات المتحدة وتتعثر، يحتل مكانة بارزة في هذا السياق.
المسألة الأكثر إلحاحا هي احتمال تجدد الحرب على إيران، وهو احتمال يلوح في الأفق باستمرار. ففي النظام الأمريكي، يوجد صراع تقليدي بين الرئيس والكونغرس في جميع المسائل المتعلقة بإعلان الحروب. ومن المتوقع أن يحاول الكونغرس المُعارض عرقلة ترامب في تجديد الحرب الشرسة على إيران، والتي لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الرأي العام الأمريكي. مع ذلك، يستطيع الرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، استخدام أوامره الرئاسية لتجاوز الكونغرس، الذي سيجد صعوبة في كبح جماح رئيس مُتهور مثل ترامب إذا قرر العودة إلى الحرب.
على الرغم من صعوبة تتبع دوافع ترامب والتنبؤ بتحركاته، إلا أنه من المؤكد أن تفضيله الواضح هو تجنب الحرب مع إيران، والتوصل إلى اتفاق معها بشأن الملف النووي، وهو اتفاق أفضل من الاتفاق الذي انسحب منه عام ٢٠١٨. وحتى في هذه الأيام، ورغم التوترات في الخليج، تبذل الولايات المتحدة جهودا حثيثة، بوساطة مكثفة لإبرام اتفاق مع إيران يسمح بفتح مضيق هرمز، وكبح جماح نزعة طهران ودفعها إلى التراجع عن سياستها المُعلنة لتطوير أسلحة نووية.
على عكس نتنياهو، الذي لا يمكن فصل دوافعه الاستراتيجية عن سعيه للحرب بهدف التأثير على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فإن ترامب يتصرف انطلاقا من اعتبارات الإرث والرغبة في تحويل الحرب ضد إيران، وتحييد تحركاتها في مضيق هرمز، إلى إنجاز سياسي. فبينما يسعى نتنياهو لتغيير النظام في إيران، وهو هدف لا يزال من غير الواضح كيف يمكن تحقيقه بحرب أخرى ضدها، ومنع أي اتفاق بينها وبين الولايات المتحدة، فإن أهداف ترامب معاكسة تماما. فهو يسعى إلى اتفاق يُنقذه من مستنقع الصراع في الشرق الأوسط، الذي قد يُؤدي الانزلاق فيه إلى تآكل مكانة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، لا سيما في مواجهة الصين.
المخاطر المترتبة على العودة إلى الحرب، جسيمة. من المرجح ألاّ تستأنف الحرب من حيث توقفت بعد أربعين يوما، وأن تتصاعد سريعا إلى هجومٍ على البنية التحتية للطاقة في جميع أنحاء إيران، وهو ما يُتوقع أن يُؤدي إلى رد فعلٍ مماثل ضد البنية التحتية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مما يُقلق دول الخليج بشدة. سترتفع أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات يصعب التراجع عنها في حال حدوث دمار واسع النطاق للبنية التحتية للإنتاج. وهذا ليس الإرث الذي كان ترامب يحلم به عندما وعد، عشية انتخابه، بإنهاء الحروب في العالم وفي الشرق الأوسط.
لدى ترامب خيار آخر: الاستمرار في حصار إيران، الذي يُكبّد اقتصادها خسائر فادحة، مع مواصلة الجهود، التي بدأت تؤتي ثمارها في الأيام الأخيرة، لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا وخفض أسعار النفط العالمية. وذلك على أمل أن تتراجع إيران في نهاية المطاف، مع تزايد الضغوط عليها في قطاع الطاقة خلال أشهر الشتاء المقبلة، والتي تُعدّ، أقل ملاءمة، من الناحية العملياتية، لاستئناف الحرب.
لكن كل هذه الاعتبارات يمكن أن تتغيّر في لحظة إذا ما تخلّت إيران عن جميع مقترحات الوساطة وانهارت المفاوضات معها، وهذا قد يحدث قريبا، أو إذا أعلنت انسحابها من معاهدة حظر الأسلحة النووية، وعادت إلى التخصيب، وسعت إلى امتلاك أسلحة نووية أو كيميائية، كما حذّرت إسرائيل الولايات المتحدة مؤخرا، أو إذا قررت محاولة كسر الحصار الذي يُدمّر اقتصادها بالقوة. أو إذا قامت بتقييم الأمر، ورأت أن الولايات المتحدة على وشك مهاجمتها، وتقوم بشن ضربة استباقية، كما تُهدد.
على الصعيد الإقليمي، تُشير مصادر أمريكية مُطّلعة على الحياة السياسية الأمريكية إلى أنه، نظرا لرغبة ترامب في ترك بصمة في الشرق الأوسط، لا سيما في أعقاب هزيمته الانتخابية، فقد ينفد صبره قريبا تجاه إسرائيل، خاصة إذا ما تمسّكت حكومة نتنياهو بمواقفها المتشددة بخصوص إجراء انتخابات جديدة.
ورغم أن ترامب كما يبدو، فقد اهتمامه بغزة، إلا أنه قد يعود إلى التعامل معها، في ظل عدم إحراز خطته المكونة من 20 بندا أي تقدم. إضافةً إلى ذلك، قد يُصعّد الضغط على إسرائيل للبدء في إحراز تقدم في سوريا ولبنان، والرد بقوة على الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية. يأتي هذا في الوقت الذي يُمارس فيه الكونغرس ضغوطا شديدة على إسرائيل بشأن قضية تُعتبر عقبة في طريق عملية التطبيع بين إسرائيل والسعودية، والتي يتوق ترامب إلى استئنافها، لأسباب تتعلق بترك بصمة.
إن وجود كونغرس مُعارض للرئيس ، وسيطرة الديمقراطيين على اللجان المختلفة سيُمكّن الديمقراطيين من استدعاء مسؤولي الإدارة لجلسات استماع حول استخدام الجيش الإسرائيلي المُثير للجدل للأسلحة الأمريكية، والترويج لفرض عقوبات على المستوطنات، وغير ذلك. بالإضافة إلى ذلك، سيتمكن الكونغرس من اتخاذ إجراءات لربط أو “تجميد” المساعدات لإسرائيل. ففي الليلة التي سبقت الانتخابات، فاجأ ترامب المؤسسة الأمنية في إسرائيل عندما أعلن أن المساعدات الأمنية الأمريكية ستنتهي هذا العام، ربما خشية عدم موافقة الكونغرس على ذلك. وحتى وإن لم تُترجم جميع هذه التحركات إلى قوانين، فإنها ستُحدد مسار العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، وتُعمّق الخلافات بينهما قبيل الانتخابات الرئاسية في عام 2028.
لطالما اعتُبر الكونغرس حصنا داعما لإسرائيل، تلجأ إليه في أوقات الأزمات لكبح ضغوط الإدارة وتحركاتها غير المريحة في الشرق الأوسط. لكن، لقد ولّى ذلك الزمن، واليوم تعتمد إسرائيل على الرئيس، الذي أصبح في نهاية ولايته بعد الانتخابات، لعرقلة التشريعات الإشكالية في الكونغرس. بالتالي، ستكون المهمة الأساسية لحكومة التغيير في إسرائيل هي العمل على استعادة مكانتنا في الولايات المتحدة عموما، وفي الكونغرس خصوصا، الذي يُمثل انعكاسا للرأي العام الأمريكي.
اختبار نجاح إسرائيل في العامين المقبلين، لا يكمن في ما يمكن انتزاعه من ترامب، فيما يتعلق بإيران، بل في العمليات والترتيبات والآليات التي ستُرسّخ العلاقات الخاصة بين البلدين في المرحلة اللاحقة، وتساعد إسرائيل على مواجهة التداعيات المحتملة في الولايات المتحدة.
أخيرا، على المدى البعيد: بعد عامين، سيُنهي ترامب ولايته الأخيرة، وتدخل أمريكا عهدا جديدا يُتوقع فيه من أي رئيس مُنتخب أن يكون متعاطفا مع إسرائيل بدرجات متفاوتة. يأتي هذا في ظل تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل، لا سيما بين جيل الشباب، والانقسام السياسي في الولايات المتحدة. ففي كلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، تبرز إسرائيل كمحور للجدل الداخلي، ومن المتوقع تراجع الدعم لها.
وبشكلٍ يكاد يكون متناقضا، فإن نتنياهو، الرجل الذي توّج نفسه “سيد أمريكا”، والذي خاضت إسرائيل والولايات المتحدة خلال فترة حكمه تحالفا غير مسبوق ضد إيران، أوصل مكانة إسرائيل في أمريكا، حليفتنا الأكبر والوحيدة، إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان يمكن تصحيح هذا الوضع.
المصدر: القناة 12| تاريخ النشر: 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026| الكاتب: اللواء احتياط عاموس يدلين: رئيس سابق للاستخبارات العسكرية “أمان”
العقيد (احتياط) عودي أفنتال: خبير في التخطيط الاستراتيجي والسياسي
https://www.mako.co.il/news-columns/2026_q4/Article-5163213ee9ba1a1027.htm