أعلن الرئيس المصري يوم السبت 17 أكتوبر عن توجه مصر للمشاركة في الدفاع عن المملكة العربية السعودية وحمايتها، بناء على “توجيهات” من الملك السعودي وولي عهده، وجاء الإعلان في سياق الاحتفال بتخريج دفع جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية، ومن المرجح أن ينعقد البرلمان المصري غدا لإضفاء صبغة دستورية شكلية على إرسال قوات مصرية إلى السعودية.
يعد هذا القرار تحولا ملحوظا في الموقف المصري من التصعيد السعودي – اليمني المتبادل، فمصر ليست عضوا في اتفاق مكة، ولا تربطها مع الرياض اتفاقية دفاع مشترك توجب عليها اتخاذ مثل هذا الموقف، ومن المفترض أن لديها حساسية تاريخية عالية من المخاطر المحتملة للتدخل العسكري خارج أراضيها ولأغراض لا تتعلق مباشرة بأمنها القومي، إضافة إلى أنها تواجه مزيجا معقدا من تحديات الأمن القومي في جوارها الأفريقي المشتعل بحرب إثيوبية – ارتيرية لم تحسم نتائجها بعد، وما يمثله التصعيد في نبرة التهديد الإسرائيلية من مخاطر تستدعي أن تكون ذات أولوية بالنسبة لمصر.
هذا القرار المصري ليس وليد اللحظة على الأرجح، بل يعود إلى الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منتصف سبتمبر الفائت إلى القاهرة، أما المسافة الزمنية الفاصلة بين الزيارة السعودية والقرار المصري فليست سوى الوقت الذي احتاج إليه السيسي للتحضير للقرار وإقناع النخبة العسكرية المصرية بمبرراته وإخراجه بطريقة تسمح بتسويقه للرأي العام المصري دون مفاجآت صادمة، وهذا يعني أن القرار المصري ولد محفوفا بالكثير من المحاذير، وأن التوافق عليه داخل المؤسسة العسكرية المصرية تطلب جهدا، الأمر الذي ألجأ الرئيس السيسي إلى “التحوط اللفظي” عند إعلانه القرار بالتأكيد على أن المشاركة المصرية ذات طبيعة دفاعية وليست هجومية. وبما أن دائرة صنع القرار المصري مغلقة تماما وليس من سبيل للوصول إلى الطريقة التي تم بها اتخاذ مثل هذا القرار، فإن من المهم متابعة المناقشات التي سيشهدها البرلمان المصري غدا التي قد توحي – بصورة غير مباشرة- بالمخاض الذي سبق ولادة هذا القرار، والضغوط التي مورست لاتخاذه، وبنوع المخاوف والتحوطات التي سيطلب من الجيش مراعاتها عن تنفيذ القرار، رغم علمنا بالوضعية الهشة للبرلمان المصري من الناحيتين الدستورية والفعلية.
يتوقع أن تتركز المشاركة المصرية على إرسال وحدات من الجيش المصري تبدأ بالمئات لنشرها في الحد السعودي الجنوبي وقد تصل للآلاف خلال فترة قصيرة وبحسب المعطيات الميدانية، وهذه هي الترجمة العملية الممكنة للمشاركة الدفاعية المصرية بالنظر إلى افتقار مصر للقدرات الدفاعية الاعتراضية وللتسليح النوعي الذي يمكن أن يشكل قيمة مضافة للرياض. إضافة إلى تقديم مصر الخبرات والاستشارات والتدريب والمعلومات الاستخبارية، وهي أمور يبدو أنها كانت موجودة بالفعل قبل القرار المصري الأخير. وإذا أخذنا في الاعتبار أن المشاركة المصرية هي مشاركة بشرية في المقام الأول، أي إرسال أفراد في مهام دفاعية، فإن تلك المشاركة تعكس مخاوف سعودية حقيقية من اقتحامات حدودية قد ينفذها الجانب اليمني، وخشيتها من فقدان السيطرة على حدودها مع اليمن عند نقطة متقدمة من المواجهة والتصعيد الحالي.
علاوة على ذلك، تؤمن المشاركة المصرية زخما إعلاميا أوفر للرياض في حربها على اليمن بالنظر إلى المكانة العربية والإقليمية التي تستحوذ عليها مصر، وتعمق هذه المشاركة التحول الذي كانت مصر قد بدأته بإرسال وحدة جوية إلى الإمارات في وقت سابق من هذا العام، وهو تحول قد يقود مصر إلى مزيد من الانخراط في بيئة صراعية مضطربة ويصعب التحكم بمتغيراتها، لذا من المهم مراقبة السلوك المصري بانتباه شديد خلال الفترة المقبلة للوقوف على مدى هذا التحول والحدود التي يمكن أن يصل إليها، فمصر رغم الحذر الذي تبديه لا تملك زمام أمرها الاقتصادي، واقتصادها غارق في الديون الخارجية، واستقرارها الداخلي هش وخادع، والمنظومة الحاكمة تفتقر إلى مشروع وطني حقيقي لمصر. وعموما، يصعب فهم التحول في الموقف المصري دون الأخذ في الاعتبار الضغوط الاقتصادية السعودية والخليجية عموما والسياق الانتخابي المصري، إضافة الى الطموحات المصرية بتحقيق أعلى استفادة اقتصادية ممكنة من التوترات القائمة في المنطقة، وبناء الكثير من الأوهام على ذلك، فقد أفصح وزير خارجية مصر بدر عبدالعاطي في لقائه مع صحيفة بلومبرج أمس السبت عن زيادة الطلب على استخدام الأراضي المصرية كمراكز تخزين وإعادة تصدير، نتيجة اضطراب سلاسل الإداد والشحن البحري، معبرا عن أمله أن تكون مصر مركزا لوجستيا لتخزين وإعادة الشحن للعالم.