استجابة مصر للإلحاح السعودي

استجابة مصر للإلحاح السعودي

Picture of طالب الحسني

طالب الحسني

كاتب وباحث سياسي

مقدمة

أثار إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الاستعداد لما أطلق عليه “حماية السعودية ” جدلا واسعا وفتح تحليلات كثيرة لهذا التطور، ولكن كيف يمكن أن نفهمه وفي أي سياق نفككه.

على مدى الأشهر الماضية، وتحديدا منذ عودة التصعيد بين اليمن والسعودية، ويرجع توجه الأنظار إلى مصر والموقف المصري لسببين: الأول موقع مصر وعلاقتها بالبحر الأحمر وباب المندب، وهما أهم نقاط الارتباط، والسبب الثاني العلاقة المصرية السعودية منذ العام 2013.

سلوك مصر المتحفظ، كان إشارة واضحة أن النظام في القاهرة لا يرغب في المشاركة في محاور ساخنة، ويفضل البقاء بعيدا، وثمة مسارات شديدة الدلالة بوجود إزاحات يقوم بها عن موضعه خلال السنوات الماضية، بينها فتح علاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران بدلا من القطيعة، ومثل ذلك اتخاذ خطوات أخرى في العلاقة مع الصين.

ما أضاف موجة أخرى عززت قراءة الابتعاد المصري عن السعودية أن “اتفاقية مكة ” اقتصرت على الثلاثية التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان ولا فرق إن كانت السعودية تجاهلت مصر أو أن الأخيرة رفضت أن تكون رابعة في الاتفاقية، ولكن هل يمكن محاصرة التفكير في العلاقة المصرية السعودية إلى هذا الضيق؟

لا أهداف مصرية في الاستجابة للسعودية

في الواقع هذا السؤال هو الذي يفتح تفكيرا مختلفا وغير تقليدي وتقليدي في الوقت نفسه لفهم طبيعة العلاقة بين القاهرة والرياض، مع عدم انكار حصول الحقائق التي تم الإشارة إليها سابقا ـ التموضع المصري الجديد في السياسة الخارجية بعيدا عن المحاور التي تتواجد فيها السعودية – إننا في الحالة الثانية نوسع في مقاربة العلاقة المصرية السعودية انطلاقا من قاعدة باتت تقليدية – في سلوك الرياض –  وغير تقليدية بالنسبة للقاهرة مع أطراف أخرى –  هذه القاعدة هي الحاجة المصرية إلى إرضاء الإلحاح والعتب السعودي.

في خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليس فقط إشارة إلى وجود حاجة مصرية إلى إرضاء العتب السعودي، وإنما كان ذلك تصريحا وليس تلميحا، لقد ذكر الرئيس السيسي أولا ما اعتبره ” معروفا ” قدمته السعودية والإمارات   والكويت خلال أعوام ما بعد الربيع العربي 2011 من تمويل اقتصادي ومساعدات، ثم أضاف أن مصر ستقف مع السعودية لحمايتها دون أن يشير إلى الطرف المقابل.

محددات المساعدة التي أشار إليها الرئيس المصري يمكن حصرها في عدد من النقاط:

  • أن تقدم مصر مساعدات دفاعية (لم تحدد) لحماية السعودية.
  • أن تقوم بذلك بعد تفويض من البرلمان المصري ( سيعقد اليوم جلسة طارئة ويمرر ذلك )
  • أن مصر لن تقوم بأي عمليات هجومية ( لن نحارب أحد )

يمكن أن تترجم هذه النقاط إلى إجراءات محددة بينها أن ترسل مصر قوات لنشرها في المملكة العربية السعودية، وهو إجراء يتطابق بما تقوم به باكستان وربما تركيا لاحقا، ويمكن أن يأخذ صورة أخرى أن تشارك مصر في توزيع دفاعات جوية لحماية المنشآت النفطية مثلما تفعل فرنسا، والصورة الثالثة لتطبيق هذه الالتزامات ويتعلق الأمر بتعزيز الانتشار البحري المصري في البحر الأحمر وباب المندب ـ رغم أن مصر هي من تقوم مايسمى بالقوات المشتركة البحرية 153 في البحر الأحمر وصولا إلى خليج عدن والبحر العربي.

لا يزال تنفيذ الإجراءات مرهون بطلب السعودية ( بحسب تصريحات السيسي ) لكنها لا تعني أنها لم تطلب ، بل فهم الأمر على أنه محاولة من الرئيس السيسي لحماية “سمعة الرياض”

تقودنا هذه المقاربة إلى استنتاجات كثيرة، أبرزها مأزق السعودية في اليمن، ورغبتها في مواصلة التمسك بسقف متوسط وليس عاليا من الأهداف في اليمن، وما كشفته بعض التسريبات الصحفية على غرار نيويورك تايمز ورويترز أن السعودية طلبت تفاوضا مع اليمن قبل أكثر من أسبوع ولم تحصل عليه، ويعود ذلك إلى أن القيادة اليمنية لا ترى استجابة سعودية حقيقية للمطالب المشروعة. ومن الاستنتاجات أن مصر ليست متحمسة للمشاركة وأنها تحاول إرضاء الإلحاح والعتب السعودي.

يحدد ذلك السيناريو المرجح:

إن سقف المساعدة المصرية للسعودية لن يكون كبيرا سواء أرسلت قوات لنشرها في الأراضي السعودية أو دفاعات لحماية المنشآت أو تعزيز الانتشار في البحر الأحمر، والعمل على منع أي مشاركة هجومية تؤدي إلى التصعيد، يفرض هذا السيناريو أن تقوم القاهرة بالتواصل مع صنعاء لتوضيح الموقف والتأكيد على أنها لن تقوم بأي عمل عدائي.

السيناريو الثاني:

ترتبط قراءة أخرى ليست مستبعدة بأن الموقف المصري والإعلان عن إمكانية المشاركة في حماية السعودية يأتي استجابة أيضا لتنسيق سعودي مصري للحد من التهديدات الإثيوبية، ولكن إذا كان ذلك مشروطا بربطها بالمأزق السعودي في اليمن فإن القاهرة تذهب إلى خيار عدمي النفع وتشبيك طويل ولن تكون معالجة سريعة، فالأزمة الإثيوبية سواء الداخلية – الحرب مع تغراي والفانو وعفر والجبهات الأخرى في أورميو وبني شنقول والإقليم الصومالي، أو الأزمة الخارجية مع أريتريا ومصر والسودان، ستبقى ربما لسنوات وليس لأشهر