لا يزال الصراع في غزة يدور حول «اليوم التالي للحرب»، الذي لم تتبلور نتائجه بشكل حاسم وجذري حتى تاريخ كتابة هذه السطور، والمفارقة أن إسرائيل – على رغم امتلاكها تفوقًا عسكريًا هائلًا – لم تحقق حتى الآن صيغة مستقرة ونهائية لما تسميه «اليوم التالي»، ولذلك يبدو أنها تحاول تحقيقه بالمسار السياسي، بعد أن عجزت الحرب وحدها عن إنتاجه.
فمستقبل قطاع غزة لم يعد يدور فقط حول وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي أو إعادة الإعمار، بل انتقل الصراع – خلال الأشهر الأخيرة – إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك حق تحديد شكل غزة بعد الحرب؟ ومن يضع شروط الانتقال إليه؟
في هذا السياق، تتالت الأحداث التي تصبّ مباشرة في تقرير مصير القطاع بعد الحرب؛ فقد أعلنت حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التي أدارت القطاع منذ عام 2007، في 6 تموز، حلّ لجنة الطوارئ الحكومية في غزة، التي أدارت القطاع منذ تشرين الأول 2023، ونقل الصلاحيات الإدارية إلى لجنة وطنية تكنوقراطية، وجاء الإعلان في لحظة كانت فيها أزمة الإدارة في القطاع قد أصبحت جزءًا من النقاش حول المرحلة التالية للحرب، خصوصًا مع طرح لجنة فلسطينية تتولى إدارة الشؤون المدنية.
ولكن “إسرائيل” تعاملت مع هذه الخطوة على أنه تنازل محدود في الإدارة، لا يؤثر جذريًا في القوة العسكرية للمقاومة في غزة، ولذلك لم تعتبر حلَّ الحكومة كافيًا، وربطت أي انتقال حقيقي بنزع سلاح الفصائل، أي: بصورة أدق، تجريد المقاومة من كل ما من شأنه منحها قدرة على التأثير في شروط ما بعد الحرب.
ومن هنا، تحديدًا انتقل ملف السلاح من كونه بندًا ضمن بنود التسوية إلى كونه مفتاحًا لجميع البنود الأخرى؛ إذ اشترطت إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي والانتقال الأمني، وحتى الانتقال السياسي في غزة، بهذا البند تحديدًا؛ فتشكّل بذلك اختلال واضح في المعادلة؛ إذ كلما قدم الطرف الفلسطيني تنازلًا انتقل إلى مرحلة جديدة من الشروط القهرية التي تدفعه إلى مزيد من التنازلات.
على المنوال نفسه، طرح «مجلس السلام» تصورًا لإدارة القطاع عن طريق لجنة تكنوقراطية، وربط مستقبله بمسار متدرج لنزع سلاح الفصائل.
من الجدير بالذكر هنا أن «مجلس السلام» يختلف عن صيغ الوساطة التقليدية، فالمجلس الذي تقوده الولايات المتحدة – الذي قدمته وسيطًا – يُفترض أن يساعد الطرفين على الوصول إلى تسوية بين مطالبهما، فإن الوسيط نفسه -هنا- في هذه الصيغة الجديدة، يشارك في رسم شكل التسوية، ويحدد من يدير غزة، ومن يملك حق امتلاك السلاح، وكيف تدخل المساعدات، ومن يشرف على الإعمار، ومتى تنسحب إسرائيل، أي: بصورة أدق، الوسيط هنا منحاز بشكل كامل إلى أحد الطرفين، وهو “إسرائيل”، وهكذا يتجلى الخلل في تعريف «السلام» نفسه.
وقد ظهر هذا الأمر بوضوح بعد الإعلان عن اتفاق نزع السلاح في نهاية تموز؛ فقد أعلنت إدارة ترامب أن «مجلس السلام» قد توصّل إلى اتفاق بشأن نزع سلاح «حماس» والفصائل، فيما تحدثت الخطة عن انسحاب إسرائيلي تدريجي؛ إذ نصّت مسودة الاتفاق على تنفيذ «حصر وتخزين سلاح المقاومة بصورة تدريجية ومتسلسلة» ضمن إطار شامل لتنفيذ «خطة السلام»، وربطت ملف السلاح بجدول زمني متزامن مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، «من دون اتخاذ خطوات أحادية من أي طرف».
كما نصّت على أن «اللجنة الوطنية لإدارة غزة هي الجهة الوحيدة المخولة إدارة عملية حصر السلاح وتخزينه والسيطرة عليه داخل القطاع»، وشددت على «حظر نقل أو تسليم أي قطعة سلاح إلى إسرائيل أو أي جهة غير فلسطينية».
وعلى رغم رفض “إسرائيل” لهذه الترتيبات، لم يضغط ما يسمى «مجلس السلام» عليها لينتزع منها أيَّ تنازل في سبيل تحقيق الخطة.
بهذا المعنى، يهندس «مجلس السلام» التسوية وشروطها بما يضمن أولًا تثبيت المكاسب الإسرائيلية، ولا سيما في ملف السلاح وإدارة غزة، ويكشف رفضه الضغط على “إسرائيل” لقبول الترتيبات نفسها، وأن «السلام» المطروح ليس تسويةً متوازنة بين طرفين، بل مسارًا لإعادة تشكيل القطاع وفق موازين القوة التي فرضتها الحرب، وهذا لن يؤدي إلا إلى من مزيد من تأجيج الصراع الدائر في غزة، وإلى مزيد من سفك الدماء، وإبادة ممنهجة مكتملة الأركان بصمت، دون ضجيج إعلامي، وبطبيعة الحال، هذا ما لا يريده الغزيون، ولا فصائل المقاومة في غزة، ولا محور المقاومة كله.
ولا يقتصر الأمر على «وساطة» «مجلس السلام»، بل تظهر الوساطة نفسها من الأطراف كافة بوصفها عاملًا أساسيًا في هذا المسار، فمن جهتها، تدعو مصر وقطر وتركيا إلى وقف الهجمات الإسرائيلية واحترام وقف إطلاق النار، وقد حمّلت جميعها “إسرائيل” مسؤولية عرقلة الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع، ولكن، على مستوى العملية التفاوضية، تضغط هذه الأطراف على المقاومة في غزة من أجل تقديم مزيد من التنازلات للوصول إلى «سلام مزعوم»، في حين أنها لا تمتلك أدوات مماثلة للضغط على “إسرائيل” لنزع التزامات منها.
فقد شكّل نزع سلاح «حماس» محورًا أساسيًا للضغط، فيما لا تمتلك الأطراف الوسيطة قدرة مماثلة على فرض الانسحاب الإسرائيلي أو وقف العمليات العسكرية.
وهذا ما ظهر في آب، عندما رفض نتنياهو الخطة الأميركية التي قبلت بها «حماس»، وأكد أن “إسرائيل” لن تنسحب قبل نزع السلاح الكامل، وهنا نشأ خلل بنيوي في مفهوم الوساطة نفسها؛ إذ كان الطرف الفلسطيني مطالبًا بأن يثبت استعداده للتنازل عن السلاح، بينما يستطيع الطرف الإسرائيلي أن يرفض خطة أميركية كاملة ويواصل التفاوض من موقع القوة، ولذلك، لن تكون النتيجة «التوصل إلى تسوية محقة»، بل عملية تفاوضية يتحرك فيها أحد الطرفين داخل هامش أضيق بكثير من الطرف الآخر، حتى يصل إلى مكان لا عودة منه، مجردًا من كل نقاط قوته.
وهذا الأمر، من المؤكد أنه ليس غائبًا عن بال الفصائل المقاومة في غزة، التي لا تزال تعمل حتى هذه اللحظة تحت سقف التفاوض لإضعاف الموقف الإسرائيلي في المفاوضات، وشراءً للوقت، لكن الأمر يستحيل أن يطول على هذا المنوال في بيئة تفاوضية ضاغطة إلى هذا الحد، أمام عدو لا حدود لأطماعه، في مواجهة قوى هي في جوهرها «مقاومة».
في هذه النقطة تحديدًا، تبرز النقطة الأكثر حساسية في هذا المسار؛ فقد وافقت «حماس»، ضمن خطة وعدد من الشروط، أشرنا إليها سابقًا، على تسليم سلاحها، أو بتعبير أدق، انتقلت من رفض مبدأ نزع السلاح كليًا إلى قبول إطار تفاوضي يتضمن نزعًا تدريجيًا للسلاح، لا يمكن تجاهل أن مجرد انتقال ملف السلاح من كونه «حقًا للمقاومة» إلى كونه موضوعًا للتفاوض على آلية التخلص منه، يمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا، ويبدو الأمر – في صورته الظاهرة – استسلامًا وهزيمةً مدويةً، ولا سيما أن «حماس»، التي امتنعت عن اتخاذ هذه الخطوة مدة ثلاث سنوات من الإبادة الإسرائيلية الممنهجة للقطاع، هي في أصلها حركة مقاومة في بيئة رازحة تحت الاحتلال، ومن حقها، بل من واجبها، التمسك بسلاحها حتى تحرير كامل الأرض، وهي ليست جاهلة بالتاريخ، وتعرف تمام المعرفة معنى أن يسلم أهل الأرض سلاحهم، «وصبرا وشاتيلا» ليست بعيدة، لا جغرافيًا ولا تاريخيًا، ولكنّ قراءة في العمق تفضي إلى عدد من التوقعات لما تحاول «حماس» التوصل إليه.
إذ قد تكون «حماس» تريد الإثبات للعدو والوسيط، وحتى لأهل غزة أنفسهم، أن المشكلة ليست في السلاح، بل في “إسرائيل” التي لن تتوانى عن إكمال المسار الذي بدأته من قتل وتدمير، وأنها ستمعن في إكمال ما بدأته من إبادة وتهجير، وقد يكون أيضًا، أنها تنتظر اللحظة الإقليمية المناسبة في ساحة تشهد صراعًا لم تشهده من قبل، بين محور المقاومة من جهة وإسرائيل وأميركا وحلفائهما من جهة أخرى، ومآلاته سيكون لها نتائج مباشرة وآلية على العالم، على الإقليم، وعلى كل ساحة من ساحاته على حدة، وإن بدرجات متفاوتة، وقد تبيّن ذلك من تصريح رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، في أواخر شهر آب، الذي أكد فيه أن «فتح مضيق هرمز وإدارة حركته مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بإنهاء الحروب في المنطقة، وفي مقدمتها الحرب على قطاع غزة ولبنان»، جاعلًا غزة حجر أساس في ملف التهدئة في المنطقة، كما يمكن أن تكون «حماس»، لاعتبارات تكتيكية ولقناعات أن “إسرائيل” لا تريد الحل، تشتري الوقت للإعداد للمرحلة المقبلة، وقد تكون، والأكثر ترجيحًا، لهذه الأسباب مجتمعة.
الواضح – حتى الآن – أن التوصل إلى تسوية تفضي إلى انسحاب إسرائيلي بعيد جدًا ما دام مرتبطًا بتفسير إسرائيلي مفتوح لمفهوم «النزع الكامل»، وما دامت، مع كل التنازلات الفلسطينية، “إسرائيل” تمعن في إكمال عملية الإبادة التي بدأتها، وما دامت الوساطات تضغط على الطرف صاحب الحق، المقاوم في جوهره، لانتزاع مزيد من التنازلات الاستراتيجية منه، بدل تحصيل مكاسب له، ولذلك لم يحسم «اليوم التالي للحرب» بعد، ولا يزال غير واضح المعالم، بانتظار اللحظة الإقليمية المناسبة، التي ستحدد شكل المنطقة المستقبلي، وشكل كل ساحة على حدة. باختصار، من سيكتب «اليوم التالي للحرب» في غزة هو نتيجة الحرب الإقليمية الدائرة، وما «لم تقله حماس».