تُعَدُّ الدولة الأردنية الدولة الحاجز بوصفها صنيعة اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916، وبعد هزيمة الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين، المرتمية تاريخيًا في أحضان الإمبريالية البريطانية، ثم لاحقًا في أحضان الإمبريالية الأمريكية، وغالبًا ما ننسى، أو ندعي أنَّنا ننسى أنَّ الأردن ولد من عملية تمزيقٍ في مؤتمر سان ريمو الذي عقد عام 1920، حين قُسِمَتْ سوريا الكبرى – التي كانت تحت الحكم العثماني، وكانت تسمى آنذاك ولاية دمشق – إلى أربع مناطق، شكلت إحداها فلسطين التي وضعت تحت الانتداب البريطاني عام 1922، واشتملت على أراضي الكيان الصهيوني الحالي، والضفة الغربية، وغزَّة، وشرق الأردن، ولما أصبح هذا الانتداب رسميًا في عام 1923، قَسَّمَت فلسطين قوى الانتداب بهدف خلق وطن قومي لليهود إلى الغرب من نهر الأردن، ووطن آخر للعرب إلى الشرق منه، فأحدثت إمارة شرقي الأردن الهاشمية، ثم تحولت عام 1946 إلى مملكة شرقي الأردن الهاشمية؛ لتصبح لاحقًا المملكة الأردنية الهاشمية التي نعرفها، ولم تطرح مسألة تقسيم فلسطين إلا لاحقًا.
أولًا: الأردن يسمح للطائرات الإسرائيلية والأمريكية بالعمل في أجوائه، أين هي السيادة؟
وقعت المملكة الأردنية اتفاقية وادي عربة للسلام مع الكيان الصهيوني، منذ عام 1994، هذه الدولة الأردنية -الحاجز بقيادة الملك عبد الله الثاني هي التي سمحت لطائرات سلاح الجو الصهيوني ومعدات إلكترونية متطورة بنصب كمين للطائرات من دون طيار الإيرانية في سماء الأردن، وكان الملك الأردني يعمل خلف الكواليس، وهو الذي كان يوجه سلاح الجو الأردني لصد الهجوم الإيراني، وفي الوقت نفسه خرجت طائرات أردنية من قواعدها لإطلاق النار على الطائرات من دون طيار الإيرانية التي شقتْ طريقها إلى فلسطين المحتلة، وقد أوضح الملك الأردني حتى قبل الهجوم الإيراني، ومرور الطائرات الإيرانية في أجواء الأردن، أنَّه لن يسمح للإيرانيين بالعمل في الأراضي الأردنية كما يفعلون في العراق وسوريا ولبنان.
ينتقد المدافعون عن الرَّد الإيراني سياسة النظام الأردني؛ لأنَّه سمح بدخول الطائرات الإسرائيلية والأمريكية لصدِّ الهجوم الإيراني؛ إذ جرى الكشف عن سرِّ التعاون الوثيق بين قوات الأمن الأردنية ونظيرتها الصهيونية، وسمحت المملكة للطائرات الصهيونية بحرِّية العمل الكاملة في سماء الأردن؛ فهاجمت الطائرات الإيرانية من دون طيار، وبدا للحظة أنَّ التعاون العلني والسرِّي في عهد إسحاق رابين والملك حسين يعود إلى عهد الملك الحالي عبد الله وبنيامين نتنياهو.
وقد أعلن الأردن إغلاق مجاله الجوي، وأغلق مطار عمان خلال الساعات التي جرى فيها تعليق الرحلات الجوية في الكيان الصهيوني، ولم يكنْ مُفَاجِئًا موقف النظام الأردني وسلاح الجو الأردني الواضحِ الْمُصْطَفِ مع الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية، الذين أعدُّوا حزامَ رصدٍ مسبقٍ لمئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وصواريخ كروز التي أطلقتها إيران، ما جعل منظومة الدفاع الجوي الصهيوني -الأمريكي، تَتَمَكَّنُ من تركيز جهودها على اعتراضها المسيرات والصواريخ قبل وصولها إلى المواقع العسكرية الصهيونية في فلسطين المحتلة.
فمن خلال هذا التقاسم الوظيفي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني، والنظام الأردني والنظام السعودي، والنظام الإماراتي، استطاع معسكر أعداء الأمة العربية والإسلامية أن يحققوا حلم الكيان الصهيوني الاستراتيجي بهندسة الدفاع الإقليمي الشرق أوسطي في مواجهة إيران ومحور المقاومة.
وكانت المملكة الأردنية الهاشمية أعلنت أنَّها لن تساعد أيَّ طرفٍ، وكانت هي أول دولة تتحرك للقيام بذلك وتوفر لواشنطن وتل أبيب دعمًا استراتيجيًا واسعًا في حربهما ضدَّ إيران، هذا ما كشفه الخبير الإسرائيلي البروفيسور رونين يتسحاق في مقاله المنشور على موقع “ويللا” الصهيوني(1)؛ إذ قال: “بينما رفضت دول الخليج السماح للولايات المتحدة وإسرائيل بشن هجمات على إيران من مجالها الجوي، كانت الأردن أول دولة تتحرك للقيام بذلك، وتوفر لهم دعمًا استراتيجيًا واسعًا، وهذا ليس مفاجئًا، وكان الملك عبد الله أول زعيم يحدد الخطر الإيراني في وقت مبكر من عام 2004 ودعا إلى التعاون الإقليمي ضده”.
في ظل هذا السياق – ليس من المستغرب بحسب الموقع العبري أنَّه – استعدادًا للحرب – أتاح الأردن للقوات الأمريكية وقوات الناتو قاعدة موفق السلطي الجوية، على بعد حوالي 100 كيلومتر شرق عمان، وبدأت القاعدة مدرج طائرات صغير خلال الحرب العالمية الأولى، وأصبحت واحدة من أهم الأصول الاستراتيجية في المنطقة على مر السنين؛ إذ استخدمتها قوات التحالف ضد “داعش”، وجرى تجهيزها بأسراب طائرات F-15 وF-35، وطائرات وأنظمة هجوم بالوقود بمقياس أكبر بثلاث مرات من المعتاد، إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة “ثاد” وأنظمة الإنذار المبكر”.
ثانيًا: كيف أصبح الأردن في قلب تداعيات المواجهة الإيرانية –الأمريكية؟
مع تجدُّدِ الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في شهر تموز/يوليو2026، تحول الأردن إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة العسكرية بين الطرفين المتحاربين، بعدما تعرضت قواعد تستضيف قوات أمريكية لأربع هجمات متتالية خلال خمسة أيام، انتهت بمقتل وإصابة العشرات من الجنود الأمريكيين، فالتركيز على الأردن لا يرتبط فقط بالموقع الجغرافي للمملكة، وإنَّما أيضًا بتحولها خلال الأشهر الأخيرة إلى المركز الأهم للعمليات الجوية الأمريكية في المنطقة.
ويكشف المسؤولون الأمريكيون أنَّ البنتاغون اضطر – قبل اندلاع الحرب وخلال أيامها الأولى – إلى نقل جزءٍ من قواتهِ ومعداتهِ من البحرين والإمارات وقطر إلى الأردن والكيان الصهيوني.
ولم يكن ذلك بسبب اعتباراتٍ عسكريةٍ فحسب، بل لأنَّ عددًا من الحلفاء الإقليميين فرضُوا قيودًا على استخدام أراضيهم ومجالهم الجوي لتنفيذ عمليات هجومية ضد إيران؛ الأمر الذي منح الأردن دورًا أكبر في إدارة العمليات الأمريكية في سوريا والعراق والمنطقة بأكملها.
ومع اتساع هذا الدور، اتسعتْ معه دائرة الاستهداف الإيراني؛ لتتحول المملكة أول مرَّةٍ منذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في حزيران/ يونيو 2026، إلى هدفٍ مباشرٍ للصواريخ والطائراتِ المسيّرةِ الإيرانيةِ.
ثالثًا: الإسقاطات المدمرة للحرب على الاقتصاد الأردني:
شكّل الأردن على مدى ثلاثة عقود – تقريبًا – قاعدة مهمة للعمليات العسكرية الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط. والآن، يدفع الأردن الثمن؛ فقد كثفت إيران في الأيام الأخيرة ضرباتها الجوية ضد المملكة، مستهدفةً القوات العسكرية الأمريكية الموجودة هناك.
لقد أصبح الأردن يعتمد على الولايات المتحدة في الحصول على مليارات الدولارات مساعداتٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ -وهي مساعدات قُدمتْ على مدار عقودٍ من العلاقات المشتركة- فضلًا عن اعتماده عليها لتوفير الحماية في منطقة محفوفة بالمخاطر، وعلى عكس بعض جيرانه من دول الخليج العربية التي تتمتع بوفرة النفط والموارد الطبيعية الأخرى، يُعَدُّ الأردن دولة فقيرة الموارد، ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، ففي العام 2025، قدمت الولايات المتحدة للمملكة 1.65 مليار دولار مساعدات اقتصادية وعسكرية، وفقًا لمسؤولين أردنيين.
وإضافةً لاعتماده الكبير على المساعدات الخارجية التي بلغت 5.22 مليارات دولار في 2025 من ناتجٍ محليٍ إجماليٍ يبلغ 61.61 مليار دولار، فقد عانى اقتصاده من ضربة قاسية في قطاعات السياحة، التي تُشكّل 15% من الناتج المحلي الإجمالي، والطيران، وصادرات الخدمات.
كما أسهمت الإسقاطات المدمرة للحرب الأمريكية-الإيرانية في إلحاق الضرر الكبير بالاقتصاد الأردني، الذي هو بطبيعته ليس اقتصادًا منتجًا؛ فتراجعت ثقة المستثمرين، وهو ما أعاق تدفق الاستثمارات الأجنبية، وألقي بظلاله على توقعات النمو، وفي الوقت نفسه، تتعرض المملكة لارتفاع حاد في أسعار الطاقة في حال انقطاع واردات الغاز من الكيان الصهيوني، والتحول إلى بدائل باهظة الثمن مثل الغاز الطبيعي المسال، مما يُلقي عبئًا إضافيًا ثقيلًا على الميزانية وقطاع الكهرباء، كما تبقى طرق التجارة وميناء العقبة عرضة للتقلبات، على رغم أن الميناء قد يستفيد على المدى القصير من تحويل النشاط من الموانئ المجاورة”.
وخلال الأشهر الأولى من الحرب، استهدفت إيران في المقام الأول “إسرائيل” وحلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، لكنَّها وجهَّتْ أيضًا مئات المسيّرات والصواريخ نحو الأردن، وسرعان ما ألحق الصراع الضرر بقطاع السياحة في الأردن -الذي يسهم بما يصل إلى 18% من إيرادات البلاد- وذلك بالتزامن مع بدء ذروة الموسم السياحي، وعلى رغم اعتراض معظم الصواريخ والمسيّرات، فإنَّ شركات الطيران ألغتْ رحلاتها، كما ألغى الزوار المحتملون حجوزاتهم الفندقية.
رابعًا: لماذا تستهدف إيران قاعدة “موفق السلطي” الأمريكية؟
مع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، كثف الجانبان هجماتهما، ووسعت إيران نطاق أهدافها في الأسابيع الأخيرة، وقال حسن المومني، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث يقدم المشورة للحكومة الأردنية بشأن الأمن القومي: “إن هذه الاستراتيجية الإيرانية القائمة على التصعيد العمودي ضد الجيران تهدف إلى ممارسة الضغط على هؤلاء الجيران، وكذلك على الولايات المتحدة”.
وكانت إيران قد صرحت مؤخرًا بأن بعض ضرباتها الموجهة إلى الأردن استهدفت خزانات وقود في قاعدة “موفق السلطي” الجوية في الأزرق -وهي مركز عمليات للقوات الجوية الأمريكية- وحظائر طائرات في قواعد أخرى، وذلك وفقًا لما أوردته وكالة أنباء “فارس”، وهي وسيلة إعلام إيرانية شبه رسمية، وكانت إيران قد أعلنت في وقت سابق أنها استهدفت أنظمة رادار واتصالات تستخدمها القوات الأمريكية.
لطالما عملت القوات الأمريكية انطلاقًا من القواعد الجوية الأردنية؛ إذ شكلت المملكة قاعدة لأنشطةٍ عسكريةٍ أمريكيةٍ شملت الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وتدريب مقاتلي المعارضة خلال الحرب الأهلية السورية، وغزو العراق، ويوجد حاليًا ما يقارب من 4,000 عسكري أمريكي في البلاد، وفقًا لتقرير صادر عن الكونغرس؛ فقد جرت تهيئة قاعدة “موفق السلطي” وغيرها من القواعد لاستيعابِ وجودٍ أمريكيٍّ دائمٍ.
وفي هذا السياق، قال غرانت روملي، المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في البنتاغون، الباحث البارز حاليًا في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”: “لقد كانت البنية التحتية في الأردن قوية ومتينة للغاية من منظور أمريكي مدة طويلة”، مشبّهًا إياها بـ”حاملة طائرات برية”، وأضاف روملي أن قاعدة “موفق السلطي” تتميز أيضًا بموقعها النائي نسبيًا، مما يتيح للقوات الأمريكية العمل دون لفت انتباه غير مرغوب فيه، ونظرًا لأنَّ الأردن يقع على مسافة أبعد من إيران مقارنة بدول الخليج، فإنَّ القوات الأمريكية المتمركزة فيه تحْظَى بوقتٍ أطولٍ للاستجابة للهجماتِ الصاروخيةِ وهجماتِ المسيّرات.
وقال المومني: “لقد كشفت الحرب مع إيران عن مدى أهمية الأردن بالنسبة للولايات المتحدة”، وأشار إلى أن واشنطن زادت مساعداتها العسكرية للأردن بمقدار نصف مليار دولار خلال هذا العام، وكثيرًا ما يشدِّدُ المسؤولون الأردنيون على الأهمية الاستراتيجية لعلاقة بلادهم بالولايات المتحدة؛ ففي مكالمة هاتفية مع الرئيس ترامب في شهر نيسان/ أبريل2026، أكَّد الملك عبد الله الثاني الدور المحوري الذي تؤديه واشنطن في الشرق الأوسط، وتحديدًا فيما يتعلق بآفاق خفض التصعيد في الصراع مع إيران(2).
في ظل تصعيد المواجهة بين أمريكا وإيران، دفع الأردن مباشرةً إلى قلب الصراع، بعد أن استضاف في الأشهر الأخيرة قوات وقواعد أمريكية نُقلت من قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، فقد أصبح الأردن جراء ذلك ساحةً للاحتكاك المباشر رغمًا عنه، بدءًا من هجوم الطائرات المسيّرة المميت الذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة العشرات، وصولًا إلى وابل الصواريخ الباليستية، التي جرى اعتراض بعضها، بينما تسبب بعضها الآخر في أضرار جسيمة.
يرتبط الأردن بحدودٍ طويلة ومفتوحة مع العراق وسوريا (179 كم و362 كم على التوالي)، ومع بداية توسع الحرب الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، بين الولايات المتحدة وإيران، يشعر الأردن بتهديدٍ وجوديٍّ لاستقراره، فإلى جانب الاعتماد المتبادل في مجالي الطاقة والأمن بين الأردن والكيان الصهيوني، وحجم التجارة الثنائية بقيمة 334 مليون دولار في 2025، والحدود المشتركة الممتدة على مسافة 310 كيلومترات، فإنَّ تحول الأردن إلى جسر بري ومركز لوجستي رئيس يعزِّزُ أهميته الاستراتيجية لـ”إسرائيل” التي يوفر لها الأردن عمقًا استراتيجيًا، ويشكل حاجزًا جغرافيًا ضد العراق وسوريا، ويُعد شريكًا أساسيًا في إدارة الحدود والتنسيق الأمني الهادئ، وهو أحد أركان الاستقرار الإقليمي.
وهو ما سيجعل الأردن يسير على حبل مشدود، ويُجري مناورة دقيقة ومُحكمة بين ولائه للتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وخوفه من اتهامه بالتعاون معهما، ولمنع حدوث اضطرابات داخلية، فهو يتبنى “دبلوماسية الصمت والاحتواء”، ويتجنب قدر الإمكان التصعيد الخطابي أو الإدانة العلنية للهجمات الإيرانية على أراضيه.