من بناء الثقة إلى حسم الملفات الكبرى: ماذا بعد الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا بين واشنطن وطهران؟

من بناء الثقة إلى حسم الملفات الكبرى: ماذا بعد الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا بين واشنطن وطهران؟

من بناء الثقة إلى حسم الملفات الكبرى: ماذا بعد الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا بين واشنطن وطهران؟

من بناء الثقة إلى حسم الملفات الكبرى: ماذا بعد الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا بين واشنطن وطهران؟
Picture of أبوبكر عبدالله

أبوبكر عبدالله

كاتب وباحث سياسي

إلى حد ما أفحلت الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا بين أمريكا وإيران في وضع خارطة طريق لمفاوضات الـ60 يومًا المحددة في مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين، بعدما نجح وفدا المفاوضات في نقلها من المستوى السياسي إلى المستوى الفني الذي استمر أيامًا عن طريق الفرق الفنية المشتركة المكلفة بوضع تصورات تنفيذية لقضايا البرنامج النووي وأمن الملاحة والحرب في لبنان وآليات الرقابة وحل النزاعات.

نتائج الجولة الأولى التي حضرها – إلى جانب الوفدين الأمريكي والإيراني – ممثلون عن الدولتين الوسيطتين  قطر وباكستان، لخصها إعلان الوسيطين بـ “إحراز تقدم مشجّع” بالاتفاق على خارطة طريق تستهدف الوصول إلى اتفاق نهائي خلال 60 يومًا، وإنشاء لجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي على جهود الوساطة، ناهيك عن تشكيل 4 مجموعات عمل متخصصة تُعنى بالملف النووي والعقوبات وآليات الرقابة وحل النزاعات والملفات الإقليمية بما يضمن التنفيذ الفعّال لمذكرة التفاهم1.

خلصت الجولة الأولى إلى تشكيل لجان فنية وقنوات تنسيق تعمل وفق الترتيبات المنصوص عليها في الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم؛ لتفادي الحوادث وسوء الفهم بما يضمن العبور الآمن للسفن التجارية من مضيق هرمز، وآلية لاحتواء التصعيد في لبنان، ومعالجة الحوادث الطارئة، ومنع انهيار التفاهمات السياسية، وضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله وفقًا لما نصّت عليه مذكرة التفاهم2.

وأبرز النجاحات التي حققتها الجولة الأولى تمثلت بإنهاء مظاهر التوتر والحرب والإبقاء على مضيق هرمز مفتوحًا، ورفع الحصار البحري الأمريكي، والتوافق على استئناف عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتخفيف العقوبات النفطية على إيران، وتهدئة الجبهة اللبنانية، ووضع ترتيبات الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز بالتنسيق بين إيران وسلطنة عُمان بما يتماشى مع القانون الدولي والحقوق السيادية للدولتين المطلتين على المضيق.

نجاحات الجولة الأولى من المفاوضات شملت أيضًا تشكيل لجنة عليا لمراقبة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وإنشاء آلية لمراقبة تنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم لا سيما ما يتعلق بلبنان، وتشكيل مجموعات عمل فنية لتنفيذ مذكرة التفاهم استنادًا إلى البند الـ 12 من مذكرة التفاهم3.

إجراءات عملية… خطوة مقابل خطوة

لم يقتصر التقدم المحرز في الجولة الأولى من المفاوضات على المستوى السياسي، بل شمل أيضًا تنفيذ التزامات عملية ملموسة من الجانبين، بعضها نُفذ بصورة فورية وأخرى بصورة مرحلية، بينما يُنتظر تنفيذ إجراءات أخرى لا تزال في مرحلة الإعداد عن طريق اللجان الفنية المشتركة.

أهم الخطوات العملية من جانب الولايات المتحدة تمثلت بإصدار وزارة الخزانة الأمريكية (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية – OFAC) ترخيصًا لإيران بتصدير النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والبترولية والتعاملات المرتبطة به حتى 21 أغسطس 2026، بما يشمل تصدير المنتجات البتروكيماوية والبترولية الإيرانية إلى الولايات المتحدة، وإجراء التحويلات البنكية المرتبطة بهذه الصفقات، وتوفير خدمات التأمين والشحن والنقل مدة 60 يومًا4، وهو ما نُفذ عمليًا مع بدء عمليات تصدير النفط الإيراني.

كذلك إعلان واشنطن إجراءات أولية لرفع الحصار البحري، والإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع إطلاق المباحثات الفنية المعنية بوضع آليات دائمة للإفراج عن بقية الأموال والأصول المجمدة واستخداماتها خلال مدة التفاوض5.

من جانب إيران كانت أهم الخطوات المتخذة، فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، والسماح بمرور السفن التجارية دون رسوم، والمشاركة في إنشاء خط اتصال بحري مباشر مع واشنطن لتفادي الحوادث البحرية وسوء الفهم بين القوات المنتشرة، في ظل تحفظات أبداها الحرس الثوري الإيراني مؤخرًا ونفيه وجود أي قناة اتصال مع الولايات المتحدة بشأن المضيق.

وافقت طهران أيضًا على استئناف عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع تحفظها على بعض التفاصيل، فضلًا عن مشاركتها في جهود التنسيق الأمني لمنع الاحتكاك العسكري في مضيق هرمز، والمشاركة في مهام ” خلية خفض التصعيد” في لبنان وفي مفاوضات اللجان الفنية المشتركة المعنية بملفات البرنامج النووي والعقوبات والأموال المجمدة وآليات التحقق والتنفيذ والضمانات.

وفي حين التزمت واشنطن ببند “تجميد الوضع القائم” الذي يفترض عدم فرض أي عقوبات جديدة على إيران خلال مدة التفاوض المحددة بـ 60 يومًا، التزمت طهران بتجميد الوضع القائم بما يخص برنامجها النووي خلال هذه المدة 6.

ويمكن القول: إن واشنطن نفذت أو بدأت تنفيذ ثلاثة إجراءات رئيسة، يتصدرها التخفيف التدريجي للحصار والعقوبات، وفتح مسار يتيح لطهران الوصول إلى بعض أموالها المجمدة، وإنشاء آليات اتصال ومتابعة أمنية، أما طهران فقد بدأت بتنفيذ ثلاثة التزامات أساسية، وهي فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، والانخراط في مفاوضات اللجان الفنية بما فيها العاملة في ملف أمن مضيق هرمز، وإنهاء الحرب في جبهة لبنان، والموافقة على عودة التفتيش الدولي للمنشآت النووية.

هذه النتائج نقلت الجانبين من مرحلة الوعود السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي وإن كان جزئيا؛ فالولايات المتحدة بدأت تنفيذ الخطوات الأكثر أهمية بالنسبة لطهران، وهي إنهاء الحرب ورفع الحصار وتعليق القيود على صادرات النفط مدة 60 يومًا، وفي المقابل نفذت إيران الخطوات الأكثر أهمية لواشنطن، وهي الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحًا، وتجميد أنشطة البرنامج النووي، وإطلاق مفاوضات مباشرة لحسم الملفات الكبرى.

وعلى أن الجانبين تجاوزا مرحلة اختبار بناء الثقة عمليًا، إلا أن هناك عددًا من الملفات الأساسية المتعلقة بالبرنامج النووي ومصير اليورانيوم العالي التخصيب، ورفع العقوبات بصورة دائمة والتعويضات الاقتصادية، والترتيبات النهائية المتعلقة بلبنان والضمانات الأمنية الإقليمية ما تزال مؤجلة، وهي التي ستحدد ما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى اتفاق نهائي أم ستتوقف عند حدود التهدئة المؤقتة. 

قضايا خلافية… تعارض تكتيكي أم خلافات جذرية؟ 

تحليل التصريحات الأمريكية بما فيها تصريحات رئيس الوفد الأمريكي المفاوض نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، يكشف تمسك واشنطن بثلاث قضايا رئيسة، وهي التزام طهران بالقيود النووية وعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى سائر المنشآت النووية، وفتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، وخفض أنشطتها الإقليمية.

بالمقابل فإن تحليل تصريحات المسؤولين الإيرانيين تكشف أولويات أساسية يتصدرها إنهاء الحرب في جبهة لبنان، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، والتزام واشنطن الكامل بتعهداتها لا سيما رفع العقوبات والحظر عن تصدير المشتقات النفطية، والحفاظ على ما تعتبره إيران حقًا سياديًا في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية ضمن أي تسوية نهائية.

ولا تزال بعض القضايا موضع خلاف بين الجانبين، وفي المقدمة آليات التفتيش وأليات استخدام الأموال المفرج عنها، وآليات عبور السفن في مضيق هرمز، وآفاق الحرب الإسرائيلية في لبنان، ومحظورات وحدود البرنامج النووي الإيراني.

والتجاذبات في هذه الملفات لا تزال قائمة؛ إذ أعلنت واشنطن أن آليات التفتيش التي ستتولاها الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت النووية الإيرانية ستكون شاملة وبعيدة المدى، بل إن الرئيس ترامب أعلن أن “إيران وافقت بشكل كامل على إجراء عمليات تفتيش نووية على أعلى مستوى مدة طويلة في المستقبل” من دون أن يوضح ما إن كان ذلك سيجري بعد توقيع الاتفاق النهائي أم بعدة7.

أضف إلى ذلك تأكيد وزير الخزانة الأمريكي عن أن إصدار واشنطن الإعفاءات من العقوبات النفطية كان بناء على موافقة إيران دخول مفتشي الوكالة إلى البلاد8.

لكن الموقف الإيراني كان مختلفًا في بعض التفاصيل خصوصًا بعد تأكيد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عدم وجود خطة لدى طهران لزيارة المفتشين للمنشآت المتضررة من الحرب، وأن تفاعل إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيستمر وفقًا للإجراءات الحالية ووفقًا لموافقات مجلس الشورى الإسلامي وقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي9.

وبالنسبة للملف النووي فإن طهران تؤكد أن استئناف المفاوضات في هذا الملف مرهون بتنفيذ البند 13 من مذكرة التفاهم الذي ينص على أنه “وبمجرد تلقي ضمانات بشأن بدء تنفيذ المواد 4 و5 و10 و11 من المذكرة، في حين أن تنفيذ هذه الخطوات سيتيح الانتقال إلى مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي فيما يتعلق بباقي البنود10.

وفي جانب الأموال الإيرانية المفرج عنها (12 مليار دولار) فقد أعلن ترامب بعد الإفراج عن هذه الأموال أن إيران ملزمة باستخدامها “لشراء المنتجات الزراعية والإمدادات الطبية حصرًا من الولايات المتحدة (…) وستعود كل هذه الأموال على شكل مشتريات غذائية هم في أمسّ الحاجة إليها (…) الأموال التي نرفع (عنها التجميد) ستذهب إلى مزارعينا” 11.

الموقف ذاته أعلنه وزير الخزانة الأمريكي ‌سكوت ⁠بيسنت، الذي أكد “أن نسبة كبيرة ​من ​الأصول ⁠الإيرانية التي سيتم رفع التجميد عنها ​ستستخدم لشراء أغذية ​وأدوية ⁠أمريكية”12.

حيال ذلك أكدت طهران أنها “ستتخذ قراراتها بشأن أموالها المفرج عنها بما يخدم مصلحة البلاد، وأن الوزارات المعنية، ومنها وزارة الزراعة، هي التي تحدد أوجه الشراء بناءً على معايير السعر والجودة”،   في حين أكد محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، أنه “بناءً على المذكرات الموقعة عدم إلزام شراء مدخلات زراعية من أمريكا 13.

من جانب آخر فإن تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة حول إمكان إبقاء جميع السفن الحربية الأمريكية في مواقعها لإعادة فرض الحصار إذا لزم الأمر بدت متعارضة مع البند الرابع من مذكرة التفاهم الذي نص على بدء إجراءات رفع الحصار الأمريكي فور التوقيع على مذكرة التفاهم، وحدد مدة 30 يومًا لإنهاء الحصار مع تعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المحيطة بالجمهورية الإسلامية في غضون 30 يومًا من تاريخ الاتفاق النهائي14.

تحدثت طهران عن التزامين أساسيين في مذكرة التفاهم تعهدت الولايات المتحدة بتنفيذهما، الأول: وجوب انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من المنطقة المحيطة بإيران في غضون 30 يومًا من التوقيع على الاتفاق النهائي، والثاني: عدم قيام الولايات المتحدة بزيادة قواتها العسكرية في المنطقة طوال مدة المفاوضات.

مع ذلك فإن الخلافات بشأن هذه القضايا تبدو حتى الآن تكتيكية، وقد تكون موضع مفاوضات ثنائية ورباعية خلال المدة القادمة وسط مؤشرات تُرجح إمكان الوصول إلى تفاهمات بشأنهما خصوصًا بعد أن تمكنت تفاهمات الجولة الأولى من تجاوز قضايا وملفات أكثر تعقيدًا.

الجولة الثانية… تفاؤل بالاتفاق النهائي لكنه حذر  

يمكن القول: إن التطور المهم الذي خلصت إليه الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا، كان في توافق الجانبين على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إدارة التسوية، وهو ما عزز تفاؤل الوسطاء الدوليين وغيرهم بإمكان تجاوز العقبات التي يمكن أن تواجه المراحل القادمة من المفاوضات.

ذلك أن أكثر التقديرات تشير إلى الجولة الأولي من مفاوضات سويسرا كانت ناجحة، بعد أن توصلت إلى تفاهمات مهدت الطريق لإطلاق مفاوضات فنية تفصيلية، كما سجلت خطوات عملية من كلا الجانبين أزالت جزءًا كبيرًا من جليد انعدام الثقة بين الجانبين.

يعزز ذلك الانطباع الذي أبداه الوسطاء خلال وبعد انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات، التي أقرَّ الجميع بأنها حققت تقدمًا كافيًا يجعل احتمال تحقيق النجاح في الجولة الثانية مرتفعًا جدًا.

أكثر من ذلك أن الطرفين تجنبا خلال الأيام الماضية إعلان فشل المحادثات على رغم الخلافات حول مضيق هرمز والحصار والحرب على لبنان واستخدامات الأموال المفرج عنها وآليات التفتيش، وحرصهما على إبقاء مذكرة التفاهم الأخيرة أساسًا للمفاوضات بدلًا من العودة إلى نقطة الصفر.

بالنسبة لطهران فقد بدت متفائلة هذه المرة حيال نتائج الجولة الأولى، وهو التفاؤل الذي تجسد عمليًا بالحفاظ على مضيق هرمز مفتوحًا، وتوجه وفدها السياسي المفاوض مباشرة إلى سلطنة عُمان لبحث الترتيبات المرتبطة بمضيق هرمز والتنسيق حول إدارة الملاحة في المضيق.

لكن اتجاه المفاوضات نحو جولات قادمة وإحراز تقدم فيها لا يزال مرهونًا بمدى نجاح الطرفين وفريق الوساطة الباكستانية القطرية بتجاوز الخلافات الجزئية القائمة بشأن آليات التفتيش واستخدام الأموال الإيرانية المفرج عنها، وتثبيت التزامات التهدئة في مضيق هرمز ومنع التصعيد في الجبهة اللبنانية15.

وأي تقدم يُحرز بهذه القضايا سيمهد الطريق لصياغة اتفاق تفصيلي نهائي حول البرنامج النووي، والعقوبات الأمريكية والإفراج عن بقية الأموال والأصول الإيرانية المجمدة مع تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد في مضيق هرمز والجبهة اللبنانية، في حين أن أي انتكاسة ستعيد الأطراف إلى المربع الأول، وربما ستطيل أمد المفاوضات ووضعها في مفترق طرق.

ذلك أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين كانت ولا تزال تؤكد أن قضية انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان يمثل الاختبار الحقيقي لجدية التفاهمات التي جرى التوصل إليها، وهو ما عبرت عن تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف مؤخرًا، أكد فيها أن وقف الحرب في لبنان لا يقل أهمية عن وقف الحرب على إيران”16.

والخروج من هذه الإجراءات سيتيح الانتقال إلى جولة ثانية ستضع أمامها الملفات الرئيسة، وهي الملف النووي، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز وحدود عمليات التفتيش الدولية والضمانات المطلوبة من الجانبين وآليات إنهاء العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وبرنامج التعويضات.

وعلى أن هناك تقديرات مشتركة تفيد بإمكان التوصل إلى تفاهمات في عدد من الملفات المطروحة أمام اللجان الفنية إلا أن ملف العقوبات قد يواجه عقبات فنية من جانب واشنطن التي لن يكون بإمكانها إنهاء هذا الملف ضمن المدى الزمني المحدد بمذكرة التفاهم؛ لأن عملية تفكيك منظومة العقوبات الأمريكية والدولية التي تراكمت خلال عقود من النواحي القانونية والاقتصادية سيحتاج إلى سنوات.

المسار الصعب… بحث الملفات الأكثر حساسية

في حال استمرت المفاوضات دون انتكاسة، فالمُرجح أن تتخذ واشنطن إجراءات تسمح بخطوات إضافية للإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتوسيع الإعفاءات النفطية، ومنح تراخيص مصرفية أوسع مع بدء مناقشة برنامج إعادة الإعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني الوارد ضمن البند الـ 6 من مذكرة التفاهم.

ولأن طهران لم ترفض مبدأ استئناف عمليات التفتيش وربطتها بآليات جديدة فإن المُرجح أن تسمح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد أن يتم الاتفاق على الآلية التنفيذية لذلك عن طريق اللجان الفنية المشتركة.

والمضي بهذا المسار لن يكون بعيدًا عن وضع ترتيبات متقدمة في ملف تأمين الملاحة بمضيق هرمز، وهو الأمر الذي تتجه طهران لاستكماله بالتنسيق مع سلطنة عمان، خصوصًا بعد أن أفضت المباحثات الإيرانية العمانية في مسقط إلى اتفاق لتشكيل فريق للتوصل إلى اتفاق بشأن الإدارة المستقبلية للملاحة في مضيق هرمز والخدمات المرتبطة بها والتكاليف ذات الصلة17.

من المهم الإشارة هنا إلى أن معظم الإجراءات المتخذة من جانب واشنطن وطهران حتى الآن ما زالت في مرحلة البداية أو الترتيبات الفنية، في حين سيكون الاختبار الحقيقي لمسار المفاوضات خلال الأيام والأسابيع المقبلة عندما تنتهي مدة الـ 30 يومًا الأولى، التي تلزم الجانبين باتخاذ خطوات متقدمة في ملفات مضيق هرمز والحصار ومستقبل القوات الأمريكية المنتشرة حاليًا في محيط إيران وآليات التفتيش ورفع العقوبات، فضلًا عن ملف الضمانات التي تطالب بها إيران وملف أمن إسرائيل الذي تطالب به الولايات المتحدة.

وفي حال عدم حصول مفاجآت فالمُرجح أن تركز الجولة الثانية على ملف البرنامج النووي وآليات التفتيش، فضلًا عن آليات التحقق والرقابة طويلة المدى وما تبقى من إجراءات بشأن توسيع الإعفاءات النفطية وإلغاء العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة والتعويضات وقضية الضمانات، والحرب الإسرائيلية في لبنان.

كل ذلك مرهون بمدى التزام طهران بالمحافظة على التزاماتها المحددة بمذكرة التفاهم وموافقتها على خطوات أكثر شفافية تجاه آليات التفتيش ونشاطات برنامجها النووي مستقبلًا، كما هو مرهون بالتزام واشنطن باتخاذ خطوات إضافية في التزاماتها تجاه إيران، وقدرتها على تهدئة الجبهة اللبنانية.

وحصول اختراقات جوهرية بهذه القضايا خلال الأيام القادمة سيحوّل – بلا شك – الجولة الثانية من إدارة أزمة إلى مفاوضات حول صياغة الاتفاق النهائي، في حين أن عودة التوتر في لبنان أو حدث خلافات حول بنود العقوبات أو آليات التفتيش، فذلك – بلا شك – سيحول الجولة الثانية إلى جولة احتواء للأزمة بدلًا من كونها جولة حاسمة للاتفاق النهائي.

المراجع


  1. US-Iran talks strained as Trump threats spark Iranian walkout “The Guardin”https://www.theguardian.com/world/2026/jun/21/us-iran-talks-jd-vance-switzerland-strait-of-hormuz-lebanon ↩︎
  2. “الجزيرة” بيان قطري باكستاني: تقدُّم مشجع في اختتام الجولة الأولى من محادثات سويسرا.https://www.aljazeera.net/news/2026/6/22/%D8%B9%D8%A7%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%AA%D9%85%D8%AA-%D8%AC%D9%88%D9%84%D8%A9 ↩︎
  3. “العربي الجديد” طهران تنفي موافقتها على تفتيش منشآتها النووية… الصواريخ خارج التفاوض.https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%81%D9%82%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%81%D8%AA%D9%8A%D8%B4-%D9%85%D9%86%D8%B4%D8%A2%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6 ↩︎
  4. وكالة ” رويترز” أمريكا تسمح ببيع النفط الإيراني وسط محادثات للتوصل إلى اتفاق نهائي. https://www.reuters.com/ar/business/3BD6V2IUANPHNMLUFOI67HPKNI-2026-06-22/ ↩︎
  5. “العربي الجديد” إيران تعلن الإفراج عن 12 مليار دولار من أصولها المجمّدة على دفعتين.https://www.alaraby.co.uk/economy/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D8%B9%D9%86-12-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D9%91%D8%AF%D8%A9 ↩︎
  6. وفق ما ورد في مذكرة التفاهم، تلتزم إيران بالإبقاء على الوضع الحالي لبرنامجها النووي وعدم اتخاذ خطوات تصعيدية جديدة خلال فترة 60 يومًا.https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/6/22/%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%B3%D9%8A%D9%81%D8%B1%D8%AC ↩︎
  7. “الجزيرة” ترمب: الأموال الإيرانية المفرج عنها ستشترى بها سلع زراعية أمريكية.https://www.aljazeera.net/news/2026/6/24/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8 ↩︎
  8. “الجزيرة” وزير الخزانة الأمريكي: أصدرنا ترخيصًا لمدة شهرين يجيز توريد وبيع النفط الإيراني.https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/6/22/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B2%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%A3%D8%B5%D8%AF%D8%B1%D9%86%D8%A7-%D8%AA%D8%B1%D8%AE%D9%8A%D8%B5%D8%A7 ↩︎
  9. “العربي الجديد” طهران تنفي موافقتها على تفتيش منشآتها النووية… الصواريخ خارج التفاوض.https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%81%D9%82%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%81%D8%AA%D9%8A%D8%B4-%D9%85%D9%86%D8%B4%D8%A2%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6 ↩︎
  10. المصدر نفسه. ↩︎
  11. “الجزيرة” ترمب: الأموال الإيرانية المفرج عنها ستشترى بها سلع زراعية أمريكية.https://www.aljazeera.net/news/2026/6/24/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8 ↩︎
  12. “RT arabic ” قاليباف: أموال إيران المجمدة ليست لشراء المنتجات الأمريكية.https://arabic.rt.com/business/1803756-%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%81-%D9%8A%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86-%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9/ ↩︎
  13. وكالة “تسنيم” محافظ البنك المركزي: لا يوجد أي التزام بشراء المدخلات الزراعية الأمريكية.https://www.tasnimnews.ir/ar/news/2026/06/23/3624211/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%DA%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%DA%A9%D8%B2%DB%8C-%D9%84%D9%80-%D8%AA%D8%B3%D9%86%DB%8C%D9%85-%D9%84%D8%A7-%DB%8C%D9%88%D8%AC%D8%AF-%D8%A3%DB%8C-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%B9%DB%8C%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%85%D8%B1%DB%8C%DA%A9%D8%A7 ↩︎
  14. ينص البند الرابع من مذكرة التفاهم على الآتي: ترفع الولايات المتحدة بمجرد توقيع مذكرة التفاهم الحصار البحري المفروض على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإزالة ‌أي عوائق أو حواجز ‌ضدها، على أن تنهي هذا الحصار بالكامل في غضون 30 يومًا. خلال هذه المدة، تكون حركة ‌السفن ⁠متناسبة مع حجم ⁠حركة الملاحة قبل اندلاع الحرب التي تستأنفها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتتعهد الولايات المتحدة كذلك بسحب قواتها من المناطق المحيطة بالجمهورية الإسلامية في غضون 30 يومًا من تاريخ الاتفاق النهائي. ↩︎
  15. يصعب البناء على التصريحات النارية للرئيس ترامب واعتبار أنها قد تمثل عقبة في مسار المفاوضات فهو صرح سابقا بأن “إيران لن تحصل على أي أموال ولا حتى 10 سنتات” فيما اعتبر تراجعًا مبكرًا عن البند السادس من مذكرة التفاهم وسرعان ما تراجع عنها. ↩︎
  16. “الشرق” قاليباف: وقف الحرب في لبنان لا يقل أهمية عن وقف الحرب على إيران.https://asharq.com/sub-live/iran/58994/%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%81-%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D9%84-%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86/ ↩︎
  17.  “سبوتنيك عربي” بيان عماني إيراني بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز.https://sarabic.ae/20260623/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B6%D9%8A%D9%82-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-1114622772.html ↩︎