على رغم طول أمد العقوبات التي تفرضها واشنطن على كوبا منذ ستينيات القرن الماضي تبدو طموحات واشنطن في إسقاط النظام بعيدة المنال حتى في ظل تصعيد واشنطن ضغوطها الاقتصادية إلى الحد الأقصى، بما في ذلك فرض عقوبات على الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل وزوجته1، وإعلان الجيش الأمريكي وصول حاملة الطائرات ” يو إس إس نيميتز” ومجموعتها الضاربة إلى البحر الكاريبي2.
مؤخرًا بلغت الضغوط الاقتصادية على كوبا ذروتها بعدما دفعت الحزمة الجديدة من العقوبات الأمريكية عددًا من الشركات الدولية للانسحاب من السوق الكوبية استنادًا إلى المهلة التي حددتها واشنطن للشركات لإنهاء تعاملاتها مع مجموعة “غيسا” المرتبطة بالجيش الكوبي قبل حلول الخامس من يونيو الجاري، ما وضع هافانا أمام ضغوط اقتصادية غير مسبوقة تنذر بتداعيات واسعة على معظم قطاعات الاقتصاد الرئيسة3.
وتُعد مجموعة “غيسا” – التي أنشأتها هافانا لمواجهة آثار الحصار الاقتصادي الأمريكي المستمر منذ ستينيات القرن الماضي، وتتهمها المعارضة الكوبية بالإفلات من جميع أشكال الرقابة المؤسسية والبرلمانية – من أكبر الشركات الاقتصادية في كوبا، وتسيطر على نحو 70% من الاقتصاد الكوبي بأصول تقدر بنحو 18 مليار دولار، فيما أعلنت واشنطن أن عقوباتها المفروضة على هذه الشركة استهدفت تضييق الخناق على النخبة الحاكمة والكيانات التابعة لها4.
لكن العقوبات الأخيرة أضيفت في الواقع إلى سلسلة عقوبات سابقة فرضتها واشنطن استهدفت بشكل مباشر الشرايين الحيوية للاقتصاد الكوبي المنهك، لا سيما قطاعات الطاقة والتعدين والسياحة، وصولًا إلى المصارف الأجنبية التي تتعامل مع الجزيرة المحاصرة.
تخلل ذلك منع واشنطن النفط الفنزويلي من الوصول إلى كوبا الذي كان يغطي نصف احتياجاتها من الطاقة، مما أدى إلى تفاقم حاد في الأزمة نتيجة الشح الحاد في إمدادات الوقود والطاقة الكهربائية، ما دعا الحزب الحاكم إلى اتخاذ خطوات في التعبئة الشعبية لإظهار التماسك الداخلي والالتفاف الوطني حول القيادة بالتزامن مع تحركات دبلوماسية لحث المجتمع الدولي للتدخل السريع ومنع كارثة إنسانية وشيكة جراء حصار الطاقة الأمريكي.
وعلى رغم التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن كوبا التي أكد فيها تفضيل واشنطن الحل الدبلوماسي والاستعداد للحوار لحل الأزمة مع كوبا، إلا أن تصعيد العقوبات الأمريكية وانتقالها إلى منحى جديد بتأكيد واشنطن عزمها تغيير النظام الكوبي بالقوة، زاد من احتمال التصعيد الخارج عن السيطرة في ظل فرض واشنطن مراقبة جوية مكثفة، ونشر تقارير استخباراتية أمريكية تتحدث عن وجود مسيرات كوبية ومستشارين عسكريين أجانب في هافانا، ناهيك عن نشر مجموعات بحرية ضاربة قبالة السواحل الكوبية.
أزمة داخلية متفاقمة… من الخدمات إلى المعيشة
تطور مشهد الأزمة في كوبا في الأشهر الأخيرة بشكل دراماتيكي بفعل توسيع واشنطن عقوباتها الاقتصادية التي مست أهم القطاعات الاقتصادية التي تعتمد عليها هافانا في توفير التمويلات المالية للأزمة لتلبية احتياجاتها من الغذاء والدواء.
والحظر الذي فرضته واشنطن على النفط الفنزويلي أدى إلى استنزاف الموارد والعملة الصعبة؛ بسبب لجوء الحكومة إلى شراء الوقود من السوق الدولية بأسعار مرتفعة بدلًا من استيراد الأغذية والأدوية، ما فاقم الأزمة المعيشية بصورة شاملة.
وسائر العقوبات الأمريكية وضعت كوبا في واحدة من أعقد أزماتها الهيكلية وأسوأ أزماتها الإنسانية والاقتصادية منذ عقود، خصوصًا بعد أن تحول الحصار المفروض على قطاع الطاقة من مجرد مشكلة خدمية إلى مهدد مباشر للأمن القومي والاستقرار السياسي في الجزيرة الكاريبية.
وأصبحت الانقطاعات الطويلة للكهرباء التي تصل إلى نحو 20 ساعة يوميًا خارج العاصمة هافانا اليوم محركًا رئيسًا للاضطرابات الاجتماعية والسياسية، كما أشعلت احتجاجات في عدد من المدن، بعد أن تسببت في انقطاع شبكة المياه وتوقف أنظمة التبريد اللازمة للحفاظ على الأغذية وتوقف المخابز، وتعطيل المدارس والمستشفيات وحتى الجامعات التي اضطرت إلى تعليق الدراسة بسبب غياب الطاقة5.
وولم تكن الاحتجاجات التي ظهرت مؤخرًا في بلد يفرض قبضة أمنية مشددة، ما شكل ضغطًا هائلًا على الإدارة الحكومية التي تكافح لإيجاد مسكنات سريعة، بعد أن ظلت لعقود في ظل حكم الحزب الشيوعي تضمن حدًا أدني من الخدمات والدعم مقابل الولاء السياسي.
وعلى رغم اعتماد كوبا على بدائل للحصول على النفط من المكسيك وروسيا بأسعار منخفضة، إلا أنها لم تكن كافية لتغطية العجز الحاصل في الوقود المستخدم لإنتاج الكهرباء.
ويمكن القول: إن أزمة الطاقة ألقت بتأثيرات سلبية على استقرار الحكومة الكوبية خصوصًا مع حدوث انهيارات كاملة ومتكررة للشبكة الكهربائية الوطنية، وتوقف عدد من القطاعات الحيوية عن العمل وتقليص وسائل النقل العام إلى حد الانعدام الكامل، ناهيك عن تكدس النفايات في الشوارع وتوقف الكثير من مرافق الخدمات العامة عن العمل6.
زاد من ذلك أزمة “وقود الطائرات” التي تفاقمت بصورة حادة في سائر المطارات الكوبية، ما دعا عددًا من شركات الطيران بما فيها شركات الطيران الروسية والصينية إلى إلغاء عدد من رحلاتها المخصصة لنقل الأفواج السياحية إلى كوبا، مما وجه ضربة قاصمة لمصدر الدخل الرئيس للحكومة من العملة الصعبة7.
وعلى رغم أن الحكومة الكوبية لا تزال ممسكة بزمام الأمور أمنيًا بأدوات السيطرة التابعة للحزب الشيوعي، لكن الهامش يضيق بشكل متسارع، مما دفع الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل لتأكيد وجود محادثات دبلوماسية غير معلنة؛ بهدف تخفيف الحصار الذي تمارسه واشنطن على بلاده8.
أهداف أمريكية… إضعاف الحزب الحاكم وإصلاحات سياسية
الهدف الأمريكي المعلن تاريخيًا وضمن القوانين الأمريكية التي صدرت بحق كوبا مثل “قانون الديمقراطية الكوبية لعام 1992″ و” قانون هيمز بولتون 1992″ هو الحد من نفوذ الحزب الشيوعي الكوبي والضغط الاقتصادي على الحكومة الكوبية؛ لدفعها نحو التغيير السياسي وإضعاف تحالفاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين.
تطالب واشنطن – أيضًا – بتعويض المواطنين الأمريكيين والكوبيين الذين حصلوا على الجنسية الأمريكية عن الممتلكات والشركات التي أممتها الحكومة الكوبية في ستينيات القرن الماضي، واتخاذ إجراءات من شأنها إخراج كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي كانت إدارة ترامب قد أعادتها إليها، وبقيت سارية بسبب تحفظات واشنطن على علاقة هافانا ببعض الحركات المسلحة9.
وتفرض القوانين الأمريكية والإدارات المتعاقبة شروطًا واضحة لرفع العقوبات أو تطبيع العلاقات مع كوبا، تتمثل في الإفراج عن السجناء السياسيين ووقف قمع المعارضين والنشطاء، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة ومتعددة الأحزاب تحت إشراف دولي، وإضفاء الشرعية على النشاط السياسي المستقل وضمان حرية الصحافة.
في مقابل ذلك تصف الحكومة الكوبية السياسة الأمريكية بأنها “حصار إبادة جماعية”، وتعده السبب الرئيس والوحيد لأزمتها الاقتصادية التي تسببت في تدهور حاد في الأوضاع المعيشية للسكان، وانقطاع مستمر للكهرباء، ونقص حاد في الوقود والغذاء والمستلزمات الطبية10.
كما ترفض هافانا تمامًا الشروط الأمريكية، وتعدها تدخلًا سافرًا في شؤونها الداخلية، ومحاولة لقلب نظام الحكم، وتؤكد أن نظامها الاشتراكي خيار سيادي غير قابل للتفاوض؛ الأمر الذي دعاها إلى تبني استراتيجية مقاومة داخلية بالتوازي مع تحريكها لملف العقوبات في المحافل الدولية عن طريق طرحها السنوي قرارات إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تطالب بإنهاء العقوبات الأمريكية، وهي القرارات التي تحظى عادة بإجماع دولي شبه كامل باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل11.
حسابات أمريكية… استراتيجية الأمن في نصف الكرة الغربي
لا تخفي الولايات المتحدة أن هدفها الأساسي في كوبا هو تغيير النظام السياسي القائم عن طريق إضعاف سلطة الحزب الشيوعي ودفع البلاد نحو نموذج أكثر انفتاحًا سياسيا واقتصاديًا يتماشى مع مصالح واشنطن، وهو توجه مرتبط مباشرة بالاستراتيجية الأمريكية الأوسع بفرض الهيمنة على نصف الكرة الغربي.
ترى واشنطن أن استمرار حكم الحزب الشيوعي يرسخ نظامًا معاديًا لها، ويعزز نفوذ خصومها الدوليين، ولذلك تسعى إلى منع أن تصبح كوبا نموذجًا اقتصاديًا وسياسيًا بديلًا قد يلهم دولًا أخرى في أمريكا اللاتينية.
ولم يكن تشديد واشنطن سلاح العقوبات على كوبا بعيدًا عن محاولات إدارة ترامب إحياء مبدأ مونرو الذي يقول: إن نصف الكرة الغربي يجب أن يبقى تحت نفوذها المباشر، بعيدًا عن تدخل القوى الكبرى الأخرى.
ذلك أن كوبا تقع على مقربة من السواحل الأمريكية، وموقعها هذا يمنحها أهمية تجارية محتملة، يكون مركزًا لوجستيًا في الكاريبي، كما أن أي نظام معاد لأمريكا هناك يُعد تهديدًا مباشرًا لها.
ومن جانب آخر فإن كوبا بموقعها الاستراتيجي الهم يجعلها تمثل نقطة ارتكاز لروسيا والصين في نصف الكرة الغربي، ما يجعلها ساحة تنافس دولي على النفوذ، ولا سيما من جانب روسيا والصين؛ إذ تعتقد واشنطن أنهما يستخدمان كوبا قاعدة لوجستية واستخباراتية.
ووجود روسيا والصين في كوبا يُعد من وجهة نظر واشنطن تحديًا للأمن القومي الأمريكي، كما أن الاستثمارات الروسية والصينية في البنية التحتية الكوبية يغلق الباب أمام الشركات الأمريكية.
ويمكن القول: إن لدى واشنطن دوافع أمنية على صلة بالسيطرة على المجال الحيوي القريب من الولايات المتحدة ومنع روسيا والصين من ترسيخ نفوذ عسكري أو استخباراتي في كوبا12.
لديها كذلك دوافع اقتصادية لفتح السوق الكوبي أمام الاستثمارات الأمريكية، وإنهاء النموذج الاشتراكي الذي يُعد عائقًا أمام الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.
هذه الدوافع جعلت واشنطن ترى في التغيير السياسي بكوبا يخدم ثلاثة أهداف رئيسة، الأول: حماية أمنها القومي في نصف الكرة الغربي، والثاني: ضمان تفوقها الاقتصادي في مواجهة المنافسين الدوليين.
أما الهدف الثالث فهو منع إحياء التحالف الثلاثي بين كوبا وفنزويلا ونيكارغوا التي شكلت تاريخيًا حلفًا إقليميًا صلبًا مناهضًا لواشنطن، دفعها إلى تكثيف “الضغط الأقصى” على كوبا؛ لضمان عدم إعادة إحياء هذا المحور أو استخدامه موطئ قدم جديد للصين أو روسيا.
هل يمكن تحقق هدف إسقاط النظام قريبًا؟
كان اتجاه واشنطن لسلاح العقوبات والضغوط القصوى على كوبا من الأسلحة الناعمة القليلة الكلفة التي يمكن أن تقود إلى إحداث تغيير في بنية النظام أو أن ترغم هافانا على الشروع بإصلاحات ديمقراطية وانتخابات تعددية، وحرية أكبر في الإعلام والمجتمع المدني وتحرير الاقتصاد عن طريق إنهاء سيطرة الدولة على القطاعات الحيوية وفتح السوق أمام الاستثمارات الأمريكية والغربية.
لكن المُرجح أن الولايات المتحدة لن تحقق هدفها بإسقاط النظام في كوبا بسهولة؛ إذ يواجه الضغط الأمريكي مقاومة داخلية قوية ودعمًا خارجيًا من روسيا والصين، اللتين تعدان كوبا جزءًا من معركتهما الأوسع ضد النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي.
ذلك أن العقوبات والحصار النفطي قد يضعفان الاقتصاد الكوبي، لكنهما لم ينجحا في إسقاط النظام، الذي يبذل جهده حاليًا في خطاب “المقاومة ضد الإمبريالية” لتعزيز الالتفاف الشعبي حوله.
وثمة عامل آخر لا يزال مؤثرًا في معادلة التدخل العسكري الذي يمكن وصفه بـ “كوابح الكاريبي”؛ إذ إن أي عملية عسكرية أمريكية في كوبا ستواجه رفضًا واسعًا في أمريكا اللاتينية، ما يقلل من فرص نجاح واشنطن في فرض تغيير سياسي بالقوة.
وعلى أن التقديرات تشير إلى أن موسكو وبيجين قد تقدمان دعمًا عسكريًا واقتصاديًا لهافانًا إلا أن هذا الدعم يبقى تكتيكيًا أكثر منه تحالفًا استراتيجيًا طويل الأمد.
ذلك أن روسيا لا تزال حتى اليوم تستخدم كوبا ورقة ضغط في نصف الكرة الغربي، كما فعلت في الحقبة السوفيتية، وثمة تقديرات أن موسكو قد توفر دعمًا محدودًا لكوبا على شاكلة تزويدها بمعدات دفاعية أو تعاون استخباراتي، لكن هذا الدعم يبقى محدودًا بسبب أولويات روسيا في حرب أوكرانيا.
أما الصين فهي – واقعًا – تستثمر في البنية التحتية والطاقة في كوبا، ما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا متزايدًا، كما أنها ترى في كوبا منصة لتعزيز حضورها في الكاريبي وموازنة النفوذ الأمريكي.
والدعم الصين لن يتجاوز حدود الاقتصاد والدبلوماسية، في حين تقل احتمالات الدعم العسكري كثيرًا في ظل السياسة الصينية المعروفة التي تحاول بقوة تجنب أي مواجهة مفتوحة مع واشنطن.
وأي دعم روسي صيني لكوبا سواء بالأدوات الاقتصادية أم العسكرية أم السياسية أم الدبلوماسية لن يسقط أثر العقوبات الأمريكية، لكنه قد يمنع واشنطن من تحقيق أهدفها بصورة سريعة وحاسمة.
خيار العمل العسكري… لا مؤشرات مؤكدة حتى الآن
على رغم التصعيد الواضح في المسار العسكري الذي تجلى مؤخرًا بنشر واشنطن حاملة طائرات أمريكية في الكاريبي، وإعلان واشنطن بدء القيادة الأمريكية إعداد خطط عسكرية محتملة ضد كوبا تشمل خيارات بينها ضربة جوية محدودة[13]، إلا أنه لم تظهر أي مؤشرات أو توجهات عملية لعملية عسكرية قد تشنها واشنطن على كوبا سواء بالغزو البري أم الغارات الجوية في المدى المنظور على الأقل.
أكثر التقديرات تشير إلى أن هذا الخيار لا يزال مستبعدًا تمامًا في الحسابات السياسية والعسكرية الأمريكية الحالية لأسباب عدة، يتصدرها غياب المبرر والأولوية؛ إذ لا ترى واشنطن في كوبا تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأمنها القومي يبرر التدخل العسكري، ما جعلها تركز سياستها الخارجية على ملفات أكثر سخونة مثل الصين وإيران وأزمات أوكرانيا والشرق الأوسط.
وما تخشاه واشنطن أن يقود أي عمل عسكري ضد كوبا إلى تداعيات سياسية وأمنية واسعة خارجة عن السيطرة، خصوصًا في ظل التقديرات التي ترى أن أي عمل عسكري ضد دولة في أمريكا اللاتينية في الوقت الراهن قد يفجر غضبًا إقليميًا عارمًا ضد واشنطن، ويوحد دول القارة اللاتينية ضدها.
وفرضية تكرار واشنطن السيناريو الفنزويلي مع كوبا باعتقال الرئيس الكوبي على غرار العملية العسكرية الخاطفة – التي جرت في مطلع العام الجاري، وأدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله للمحاكمة في الولايات المتحدة – تبدو مستبعدة، خصوصًا مع عدم امتلاك واشنطن أي مبررات سياسية أو قانونية للقيام بمثل هذه العملية، ناهيك عن الظروف الداخلية المعقدة في بينة النظام الكوبي.
وترى دوائر أمريكية أن الخلاف مع كوبا هو خلاف سياسي، أيديولوجي، تاريخي، وهو ما يحرم واشنطن من تقديم نفس الذريعة القانونية والجنائية أمام المجتمع الدولي، خصوصًا أن القيادة الكوبية الحالية بقيادة الرئيس ميغيل دياز كانيل لم تتهم رسميًا من واشنطن بإدارة شبكات دولية لتهريب الكوكايين أو الجريمة المنظمة العابرة للحدود على شاكلة الاتهامات التي وجهت للرئيس الفنزويلي مادورو.
ومن جانب آخر فإن واشنطن تبدو اليوم حريصة على منع حدوث انهيار كامل في كوبا قد يؤدي إلى فوضى شاملة وموجات هجرة جماعية غير مسبوقة نحو شواطئ فلوريدا التي تبعد عن كوبا بنحو 90 ميلًا فقط، وربما يصل العدد إلى ملايين اللاجئين في غضون أيام قليلة، وهو كابوس سياسي لا تريده الإدارة الأمريكية الحالية التي تتخذ سياسات مشددة تجاه ملف الهجرة.
كما أن أي عملية عسكرية لإسقاط النظام في هافانا أو الإطاحة بالرئيس لن تكون بالسهولة التي يتوقعها بعضهم بالنظر إلى صلابة العقيدة العسكرية والأمنية للجيش الكوبي الذي يوصف بأنه من أكثر الجيوش العقائدية تماسكا منذ ثورة 1959.
وفقا لذلك فإن أكثر ما يمكن توقعه في أي عملية عسكرية أمريكية ضد كوبا في المستقبل أنها ستكون محدودة، وقد تكتفي باستهداف منشآت عسكرية كوبية ومنشآت استخباراتية مرتبطة بروسيا والصين، في حين يتوقع أن تزيد من سياسة “الضغط الأقصى” بالعقوبات الاقتصادية والدعم السياسي والإعلامي للمعارضة الداخلية.
والعملية المحدودة يمكن أن تحدث فقط في حال شعرت واشنطن بالحاجة إلى ردع هافانا بالقوة المسلحة؛ لمنعها من تعزيز تحالفاتها مع موسكو وبكين، ولضمان أن كوبا لن تتحول إلى قاعدة استخباراتية أو عسكرية لخصوم واشنطن، أو عندما تشعر أنها بحاجة – فعلًا – إلى طرد النفوذ الصيني الروسي المتصاعد من الفناء الخلفي للولايات المتحدة.
ومعلوم أن التوتر الأمريكي تجاه كوبا تصاعد مؤخرًا بعد تقارير استخباراتية كشفت عن حصول هافانا على أساطيل من الطائرات المسيرة (الدرونز) المتطورة من روسيا وإيران، في ظل المخاوف التي يعلنها مخططو الأمن القومي في واشنطن الذين ينظرون إلى كوبا بوصفها “منصة متقدمة” لخصوم الولايات المتحدة على بعد 90 ميلًا فقط من سواحل فلوريدا.
ومن جانب آخر تبدي الولايات المتحدة قلقًا من التسهيلات الاستخباراتية ومحطات التجسس الإلكتروني الصينية المفترضة على الأراضي الكوبية، التي تتيح لبكين اعتراض الاتصالات العسكرية والفضائية الأمريكية؛ لذا، فإن الضغط على كوبا يهدف إلى إجبارها على تفكيك هذه الشراكات الأمنية.
هذا يقودنا إلى تقدير أن أكثر السيناريوهات المحتملة في العلاقة المستقبلية بين واشنطن وهافانا سيكون مرتبطًا بطبيعة ومستوى الدعم الذي ستقدمه كل من روسيا والصين خلال المرحلة الحالية والمقبلة.
وتقدير هذا الموقف يبدو محسومًا من الوهلة الأولى بالنظر إلى الظروف التي تعيشها روسيا حاليا؛ بسبب انشغالها بأزمتها مع أوكرانيا وأزماتها الجديدة مع دول أوروبا الشرقية القريبة من حلف الناتو، أو التي تطمح للانضمام للحلف الأطلسي، ما يعني أن دعمها العسكري لكوبا سيكون محدودًا للغاية.
أما الدعم الصيني فإنه لن يخرج عن حدود الدعم الاقتصادي بتوسيع بكين استثماراتها في الطاقة والبنية التحتية والمساعدات المالية، بما يمنح كوبا متنفسًا اقتصاديًا ويعزز نفوذ الصين في الكاريبي، في حين أنها لن تقدم على الأرجح أي دعم عسكري لكوبا في ظل سياستها القائمة على تجنب الصدام العسكري المباشر مع الولايات المتحدة.
المصادر
- فرانس 24، تصعيد أمريكي غير مسبوق ضد كوبا: عقوبات جديدة تهديد علني بتغيير النظام، 6 يونيو 2026م. متاح على الرابط: https://f24.my/By9T ↩︎
- فرانس 24، روبيو يؤكد على عزم واشنطن تغيير النظام في كوبا بالتزامن مع وصول حاملة طائرات إلى البحر الكاريبي، 22 مايو 2026م. متاح على الرابط: https://f24.my/BwJQ ↩︎
- القاهرة الإخبارية، وسط ضغط أمريكي الشركات الأجنبية تغادر مع انهيار اقتصادها، 7 يونيو 2026م. متاح على الرابط: https://alqaheranews.net/news/169150/%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%B6%D8%BA%D8%B7-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D9%83%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7 ↩︎
- فرانس 24، الشركات الأجنبية تسرع انسحابها من كوبا وسط الضغوط الأمريكية، 3 يونيو 2026م. متاح على الرابط: https://f24.my/Bxpu ↩︎
- الجزيرة نت، أزمة الكهرباء في كوبا تفاقم الظلام وتعطل الاقتصاد، 7 أبريل 2026م. متاح على الرابط: https://aja.ws/4yl514 ↩︎
- المصدر نفسه. ↩︎
- الميادين نت، نتيجة الحصار الأميركي.. كوبا تبلغ شركات الطيران بتعليق إمدادات الكيروسين، 9 فبراير 2026م. متاح على الرابط:
https://www.almayadeen.net/news/politics/%D9%86%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A—%D9%83%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D8%AA%D8%A8%D9%84%D8%BA-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82-%D8%A5%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%AF ↩︎ - “RT” الرئيس الكوبي: انفتاحنا على الحوار مع واشنطن لا يعني تغيير سياساتنا، 5 يونيو 2026م. متاح على الرابط: https://ar.rt.com/12ihj ↩︎
- الشرق الأوسط، الحصار الأمريكي على كوبا … جولة تاريخية، 28 أبريل 2023م. متاح على الرابط: https://aawsat.com/home/article/4299771/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%83%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D8%AC%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9 ↩︎
- عرب جورنال، كوبا تهاجم العقوبات الأمريكية الجديدة وتصفها بـ ” الإبادة الجماعية”، 3 مايو 2026م. متاح على الرابط: https://arab-j.net/41640 ↩︎
- “UN NEWS” للمرة الـ 33 الجمعية العامة تعتمد قرارًا يدعو لإنهاء الحصار الأمريكي على كوبا، متاح على الرابط:
https://news.un.org/ar/news?jw_start=%7Bseek_to_second_number%7D&page=68 ↩︎ - الشرق للأخبار، تقييمات استخبارية أمريكية تحذر من توسع التجسس الروسي الصيني في كوبا،23 مايو 2026م. متاح على الرابط: https://qr.asharq.com/s/WtGo6eg ↩︎