لماذا يجب على إسرائيل مساعدة الأقليات في سوريا؟: وجهة نظر إسرائيلية

مركز آفاق اليمن _ ترجمة ( بتصرف ) غسان محمد

نشرت صحيفة معاريف العبرية في 18 يناير الجاري تحليلا سياسيا للباحث الإسرائيلي تامر مراد – دبلوماسي سابق وزعيم مجتمعي في الطائفة الدرزية، يعمل حاليًا باحثًا في مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية – تطرق فيه إلى أهمية الأكراد بالنسبة للكيان الصهيوني، مؤكدا إن الاستثمار في استقرار الأقليات- بقيادة الأكراد- ليس تناقضًا مع المصالح الإسرائيلية، بل هو شرط أساسي لوجودها.

 

  • • لم يُنهِ سقوط نظام الأسد وتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع “المسألة السورية”، بل غيّرا وجهها فقط؛ فقد استُبدلت الديكتاتورية المركزية بواقع طائفي ديني متفجر؛ إذ أصبحت الأقليات مرة أخرى خط الدفاع الأول عن الاستقرار الإقليمي، ففي أوائل عام 2026، بينما تسعى دمشق إلى اكتساب شرعية دولية تحت رعاية تركيا، وتواجه إسرائيل خيارًا استراتيجيًا: هل تُغامر بدعم سيادة جديدة هشة ذات خلفية متطرفة، أم تُعزز حلفاءها الطبيعيين: الدروز في الجنوب والأكراد في شمال شرق سوريا؟

سوريا اليوم فسيفساء من المصالح المتضاربة، فنظام الشرع – على رغم محاولاته تصوير نفسه نظامًا براغماتيًا – لا يزال نظامًا ذا جذور إسلامية عميقة، يعتمد عسكريًا وسياسيًا على أنقرة.

من جهة أخرى، يجد الأكراد- عن طريق قوات سوريا الديمقراطية التي تتألف من نحو 80% من المقاتلين الأكراد و20% من أفراد جماعات عرقية أخرى- أنفسهم تحت حصار مزدوج: ضغط عسكري متواصل من تركيا ومن دمشق، التي تسعى إلى تقويض نفوذهم واستعادة السيطرة على المناطق الوحيدة المتبقية في سوريا الغنية بالموارد الطبيعية.

شكّل الانسحاب الأخير للأكراد من حلب نقطة تحول واضحة، فبدون دعم خارجي يُرجّح انهيار آخر معاقل الديمقراطية العلمانية في سوريا، وتُظهر الأحداث العنيفة الأخيرة في شمال البلاد ضد السكان الأكراد مدى هشاشة الواقع السوري، وسرعة دفع الأقليات ثمن الترتيبات السياسية المؤقتة.

هنا تزداد المعضلة الإسرائيلية حدة، فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي أبدت استعدادًا فعليًا لحماية أقلية في سوريا، وهي الطائفة الدرزية في الجنوب، وقد خلق هذا سابقةً لدى أقليات أخرى- ولا سيما الأكراد- وتوقعًا بأن تكون إسرائيل هي الملاذ الذي فشل فيه المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان مرارًا وتكرارًا، ليس بدافع العاطفة أو التماهي الرومانسي، بل انطلاقًا من إدراك أن إسرائيل ربما تكون اللاعب الوحيد في المنطقة الذي يُدرك تمامًا الخطر الحقيقي الكامن في التطرف السوري.

لإسرائيل مصلحة استراتيجية واضحة في حماية الأقليات في سوريا، ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي؛ فالأقليات المعتدلة والعلمانية والبراغماتية تُشكل حاجزًا ضد انتشار [ الإسلام السلفي ] وتحويل سوريا إلى محمية تركية تمتد حتى حدود هضبة الجولان.

تعزيز الأكراد يخدم إسرائيل في ثلاثة أبعاد رئيسة: كبح الهيمنة التركية والطموحات التوسعية العثمانية الجديدة، والحفاظ على التوازن الاقتصادي والطاقوي عن طريق سيطرة الأكراد على معظم احتياطيات النفط السورية، وتعميق القدرات الاستخباراتية والأمنية ضد داعش وبقايا المحور الموالي لإيران على الحدود العراقية، مع ذلك، لا تعمل إسرائيل بمعزل عن الواقع، فالنظام السوري الجديد وإسرائيل لديهما مصلحة مشتركة واضحة: إخراج إيران وحزب الله والقوات الشيعية من الأراضي السورية والحدود الشمالية لإسرائيل.

يُثير هذا الاهتمام إغراءً خطيرًا للنظر إلى “عدو العدو” شريكًا استراتيجيًا مشروعًا، لكن التاريخ الإقليمي يُعلّمنا أن البراغماتية التكتيكية للأنظمة الراديكالية لا تضمن الاستقرار على المدى البعيد؛ فالتخلي عن الأقليات اليوم قد يُؤدي غالبًا إلى تهديد أكثر مركزية وتطرفًا وخطورة.

في واقع عام 2026، في ظل إدارة أمريكية تتبنى نهجًا انفصاليًا، تُصبح إسرائيل جسرًا ضروريًا. إن الوجود الأمريكي في المناطق النفطية الكردية ليس ترفًا، بل هو بمقام بوليص تأمين ضد عودة “الخلافة”، كما أن النجاح الكردي ليس حالة معزولة؛ فهو ينعكس على الدروز في السويداء، وعلى العلويين على الساحل، ويفتح الباب أمام هيكل فيدرالي بحكم الأمر الواقع يمنع سوريا من أن تُصبح مرة أخرى تهديدًا مركزيا لإسرائيل.

إسرائيل بالفعل عالقة بين المطرقة وسندان الأقليات، بين اعتبارات استراتيجية قصيرة الأجل ونظرة واقعية لطبيعة المنطقة، لا يمكن، ولا ينبغي أن تكون إسرائيل بمقام شرطي في سوريا، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحمل وجود شرق أوسط تُطمس فيه كل أشكال التنوع ويسود فيه التطرف. إن الاستثمار في استقرار الأقليات- بقيادة الأكراد- ليس تناقضًا مع المصالح الإسرائيلية، بل هو شرط أساسي لوجودها.

كاتب