مركز آفاق اليمن: ترجمة ( بتصرف ) زينب الشهاري
- ◊ تحت العنوان أعلاه نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس – Chatham House) مطلع الأسبوع الجاري مقالا تحليليا للدكتور بدر موسى السيف، وهو زميل مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد.
يتعين على دول الخليج تبني اتصالات تتسم بالشفافية، ونشر استراتيجيات للأمن القومي، واستخدام المنتديات الثنائية للحد من مخاطر الخلافات الخليجية البينية في المستقبل.
يُعد الخلاف الأخير بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بشأن اليمن تذكيراً صارخاً بأن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تمتلك كل منها مقارباتها ومصالحها الخاصة في السياسة الخارجية، على الرغم من دمجها في قالب واحد في كثير من الأحيان.
تميل السعودية والإمارات إلى أن تكونا أكثر حزماً، بينما تميل البحرين والكويت إلى قدر أقل من ذلك، في حين تقف قطر وعُمان في منزلة بين المنزلتين. ومنذ الربيع العربي، حاولت الرياض وأبوظبي والدوحة، على وجه الخصوص، المطالبة بدور أكثر مركزية في تشكيل النظام الإقليمي.
كانت العوائد متباينة؛ فقد تحققت بعض النجاحات: العودة البطيئة والثابتة للبنان وسوريا إلى الحضن العربي، والتطبيع مع إيران وتركيا، واعتراف العديد من الدول الغربية الرئيسية بالدولة الفلسطينية في أعقاب حملة دولية لعبت فيها الرياض، بوجه خاص، دوراً محورياً.
لكن في المقابل، شنت كل من إسرائيل وإيران هجمات على أهداف داخل الخليج وقطر العام الماضي. ولا تزال غزة تعاني الدمار، والصراعات في اليمن والسودان دون حل، مما يبقي النظام الإقليمي هشاً. وفي هذا السياق المحفوف بالمخاطر، اندلعت خلافات متفرقة بين دول الخليج أثناء سعيها لتأكيد مصالحها الخاصة.
ومن أجل السعي وراء أهدافها الوطنية بفعالية وترسيخ القيادة الإقليمية للخليج، تحتاج دول المنطقة إلى تعزيز “فن إدارة الدولة” (Statecraft) لديها. وفي حين أن الخلاف السعودي الإماراتي حول اليمن يعد تطوراً مثيراً للقلق، إلا أنه قدم أيضاً فرصة مثيرة للاهتمام لنهج جديد واعد لحل النزاعات.
يتمحور هذا النهج حول قيام دول الخليج بمشاركة مصالحها ورؤاها للعالم بشفافية، وبشكل مثالي من خلال نشر استراتيجيات للأمن القومي ومأسسة سياساتها الخارجية وفن إدارة الدولة بشكل أوسع. من شأن ذلك أن يعزز حل النزاعات الثنائية بين دول الخليج، وهو ما ثبت تاريخياً أنه أكثر فعالية من الاعتماد على مجلس التعاون الخليجي.
فوائد الشفافية
الصراعات الخليجية البينية ليست جديدة. لكن الخلاف السعودي الإماراتي حول اليمن اتخذ منحى علنياً غير مسبوق. فإلى جانب العمل العسكري في اليمن – حيث شنت السعودية غارات جوية في جنوب البلاد – كان هناك تبادل لبيانات عامة مطولة.
يشير تصعيد الخلاف إلى هذه النقطة إلى تباين في تصورات التهديد، وعدم تطابق في التوقعات، وخطوط حمراء تم إيصالها بشكل غامض، بما في ذلك التكاليف المرتبطة بتجاوزها. إن الإصدار اللاحق لبيانات رسمية مفصلة هو محاولة من قبل كل دولة لتوضيح مواقفها والتحقق من صحة إجراءاتها في اليمن. كما تهدف تلك الدول إلى تسويق أفكارها ورؤاها للعالم أمام جمهور أوسع.
ومع ذلك، وبغض النظر عن بعض التفاعلات غير الرسمية التحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن البيانات الرسمية والإجراءات المرتبطة بها كانت “مدروسة”. ويكشف هذا عن احترام متبادل وجرعة من الواقعية حول المصالح المتقاربة طويلة الأمد بين الرياض وأبوظبي، مما يثنيهم عن المزيد من التصعيد حتى عندما يكونون على خلاف في اليمن وبؤر ساخنة أخرى. ومن الناحية العملية، تمكنوا من “عزل” الخلاف حول اليمن (Compartmentalization) مع العمل معاً في قضايا أخرى منذ ذلك الحين، بما في ذلك إصدار بيان مشترك حول غزة وإجراء تدريبات مشتركة لمجلس التعاون الخليجي في الرياض.
إن شفافية المصالح التي ظهرت في تبادل البيانات الأخير تعد أمراً نادراً في النزاعات الخليجية البينية. وينبغي مأسسة هذه الشفافية وتوسيع نطاقها. وللحد من احتمالية نشوب صراع في المستقبل، يجب على دول الخليج مشاركة رؤاها للعالم وخطوطها الحمراء علناً، والتعبير بشكل أفضل عن تصوراتها المتغيرة للتهديد في منطقة سريعة التحول.
تعد الرؤى الوطنية، مثل “رؤية السعودية 2030″، شائعة في الخليج وتكشف عن عناصر من مخاوف الأمن القومي لكل دولة. وتقوم “رؤية مجلس التعاون للأمن الإقليمي” الأولى (2024) بنفس الشيء على المستوى الإقليمي. ومع ذلك، فإن هذه الوثائق لا ترقى إلى مستوى التحديد المباشر لنطاق الخطوط الحمراء والتهديدات بالصراحة التي عبرت عنها كل من الإمارات والسعودية مؤخراً.
يجب على دول الخليج أيضاً إصدار وتحديث استراتيجيات الأمن القومي بشكل روتيني. سيسمح لهم ذلك بفهم أفضل لرؤى بعضهم البعض للعالم والمساعدة في تخفيف التكهنات والشكوك. كما أن جعل هذه الاستراتيجيات علنية يمكن أن يساعد في رفع مستوى ونضج النقاش العام بين بعض المواطنين الخليجيين وغيرهم خلال أوقات الخلاف.
مأسسة تشتد الحاجة إليها
ينبغي لدول الخليج أيضاً أن تتطلع إلى المزيد من مأسسة الطريقة التي تدير بها السياسات.
إن الانتقال من السياسة “المشخصنة” إلى السياسة “المؤسسية” كان أحد تحديات الحوكمة الرئيسية في الخليج. وفي حين أن التحول الكلي ليس وشيكاً، يجب أن تكون مأسسة الاستراتيجية وصنع السياسات أولوية. وينبغي أن يكون ذلك مصحوباً بعمليات مبسطة عبر مؤسسات الدولة ذات الصلة. يجب أن يبدأ ذلك بولايات واضحة، وهياكل تنظيمية، وأوصاف وظيفية، وهياكل لإعداد التقارير، وعمليات للتصعيد، وقواعد للاشتباك، وتنسيق بين الحكومة، ومؤشرات للأداء.
حالياً، تعاني مؤسسات الدولة المختلفة في جميع أنحاء الخليج من ثقافات عمل متضاربة أو متعددة، وسياسات غامضة أو متناقضة، واستنزاف للقوى العاملة.
إن إنشاء آليات فعالة لحل النزاعات، أو على الأقل أسلوب تعايش (Modus vivendi) أكثر وضوحاً بين دول الخليج، يحرر الموارد لمعالجة التحديات الأخرى. فالنهج الشفاف والمؤسسي يجعل تحقيق الطموحات الكبيرة أكثر احتمالاً.
مجلس التعاون الخليجي والمقاربات الثنائية
يفتخر مجلس التعاون الخليجي بإنجازات مختلفة، وإن كانت محدودة، على مدار تاريخه الممتد لـ 45 عاماً. لكن حل النزاعات لم يكن نقطة قوته. لقد تطلب الأمر تدخلاً من دول فردية مثل الكويت والولايات المتحدة للمساعدة في حل الأزمة الخليجية 2017-2021. وقد يتطلب الأمر وساطة أخرى من هذا القبيل لتسوية الخلاف السعودي الإماراتي الحالي، إذا لم يقم البلدان بإدارته بشكل مباشر.
يحتوي ميثاق مجلس التعاون الخليجي على آلية لتسوية المنازعات (المادة 10) لم يتم تفعيلها بشكل هادف حتى الآن. لكن المادة 9 تنص على أن القرارات المتعلقة بـ “المسائل الجوهرية” تتطلب موافقة بالإجماع من دول مجلس التعاون الست. وفي هذه الحالة، يبدو هذا الإجماع مفقوداً؛ حيث امتنعت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي عن التعليق على الخلاف بينما سلطت الضوء في الوقت نفسه على قائمة مزدحمة بـ “أحداث الأسبوع” الأخرى.
سواء كان بإمكان مجلس التعاون الخليجي أن يصبح أكثر فعالية في حل النزاعات من خلال الإصلاح أم لا، فهذا أمر لم يتضح بعد. في الوقت الحالي، يعد المسار الثنائي هو النهج الأكثر فورية وعملية لحل النزاعات الخليجية البينية.
تمتلك دول الخليج لجاناً عليا ومجالس تنسيق ثنائية راسخة، بما في ذلك مجلس التنسيق السعودي الإماراتي. تجتمع هذه المجالس بانتظام لتعزيز مصالح البلدين.
تحتاج نخب الدولة إلى تعديل ولاية هذه المجالس لتشمل منع الصراع وخفض التصعيد. ويجب عليهم أيضاً تسمية نقطة اتصال موثوقة لكل دولة وتشكيل لجنة فرعية لحل الأزمات لإدارة التوترات. سيساعد هذا في تكوين شبكة من الخبراء لمعالجة القضايا المتصاعدة وبناء ذاكرة مؤسسية تصمد أمام تحولات القيادة.
فصل جديد في فن إدارة الدولة الخليجية؟
يروّج الخليج لنفسه كمنطقة في طليعة التنمية، والطاقة، والتجارة، والتكنولوجيا، والسياحة، والثقافة، والرياضة. وستجد دول الخليج صعوبة أكبر في الحفاظ على خطط التحول الوطنية الخاصة بها أو تولي دور قيادي إقليمي دون حل الخلافات الداخلية أولاً.
لدى هذه الدول تحديات أكثر إلحاحاً لتنفق طاقاتها عليها، مثل إدارة أمنها الخارجي، بما في ذلك التهديدات المحتملة من إسرائيل وإيران والأزمة المستمرة في اليمن. كما تواجه مهمة السيطرة على انعدام الأمن المتأصل في المنطقة فيما يتعلق بالمناخ والمياه والغذاء.
الخلاف الحالي ليس الأول في المنطقة ولن يكون الأخير. لكن عناصر الطريقة التي تكشّف بها تعني أنه قد يكون “نعمة مقنّعة”. إنها دعوة لدول الخليج لتعديل نهجها وتقديم أدوات شفافة ومؤسسية لإدارة الصراع.
إذا تبنت دول الخليج هذه العناصر، فيمكنها تدشين فصل جديد في فن إدارة الدولة الخليجية ووضع المنطقة في مكانة أفضل لتحقيق إمكاناتها في نظام عالمي متغير.