طالب الحسني
كاتب وباحث سياسي
قبل نحو نصف عام من الانتخابات الرئاسية الأمريكية -التي أعادت ترامب إلى البيت الأبيض- كتبت مستشارة الأمن القومي الأمريكي ووزيرة الخارجية الأمريكية الشهيرة كوندوليزا رايس مقالا مطولا تحت عنوان: (لا يزال العالم بحاجة إلى أمريكا ولا تزال أمريكا بحاجة للعالم)، حذرت من صعود تيار الانعزالية وسيطرته في توقيت يصعب التحكم بتحولاته غير القابلة للتنبؤ، والإشارة إلى تنامي القوى المناهضة والمتمردة على الولايات المتحدة الأمريكية.
حشدت المستشارة السابقة والمخضرمة مقاربات كثيرة من بكين إلى موسكو إلى طهران، التحالفات التي تنشأ مقابل أضرار الانكفاء، علاوة على أن التيار الذي تشير إليه ويتزعمه ترامب يقلل من قساوة المواجهة مع الصين، كما أنه لا يرى مخاطر روسيا كما تراها تيارات أخرى.
تعد كوندوليزا رايس جمهورية متشددة، وتصنف شريكًا لكولون باول الذي حرض على غزو العراق، وجرى تحميله مسؤولية أكاذيب أسلحة الدمار الشامل في العراق، فهل استبقت رايس الأحداث واستشرفت خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس وفريقه التي جمعت ووضعت أجندات استراتيجية ترامب للأمن القومي الأمريكي المثيرة للنقاش والجدل؟
في الواقع ثمة كُتَّاب واستراتيجيون في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا كانوا هم أيضا استشرفوا من وقت مبكر أن برامج ترامب ومشروعه وحتى شعاره “أمريكا أولا”، ووصولا إلى تطبيقاته وتصوراته في التعامل مع العالم – أصدقاء وحلفاء – أعداء وخصوم – تقود إلى الانكفاء والانعزالية تماما كما رسمتها رايس على سبيل التحذير.
بالقراءة والتتبع فإن استراتيجية ترامب للأمن القومي الأمريكي 2025 كما يطلق عليها، بدلا من “الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي ” تقوم على أربعة متغيرات وثابت واحد، يجعلها مغايرة للاستراتيجيات التي وضعتها الإدارات الأمريكية السابقة منذ الرئيس الأمريكي هاري ترومان – 1945. أما الثابت، فهو الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، التي تقوم على: استمرار الاعتماد على الحلفاء، ودعم كيان العدو الإسرائيلي.
وأما المتغيرات، التي رصدناها، نستطيع إجمالها في أربعة محاور: حماية الداخل أو ” أمريكا للأمريكيين “، تقليص الانفاق العسكري والاتجاه نحو ” التطوير النوعي “، الاستراتيجية الجديدة تجاه أمريكا اللاتينية، والضرورات الاقتصادية.
- 1- حماية الداخل “أمريكا للأمريكيين“:
العقيدة الجديدة في استراتيجية ترامب للأمن القومي تعيد ترتيب الأولويات وفقا للمخاطر والتهديدات بالتقدير الذي تراه إدارة الرئيس الأمريكي، فبدلا من وضع الصراع الدولي والإقليمي مع القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكي والمصنفة تهديدًا للأمن القومي الأمريكي ولحلفائها، وضع ترامب ما يسميه غزو المهاجرين للولايات المتحدة الأمريكية تهديدًا رئيسًا.
المعالجة الأمريكية لهذا “التهديد” تتقدم على التركيز على التحديات خارج جغرافية القارة الأمريكية، لا يضع ترامب الحرب مع المهاجرين مفردها، لكنه يرتبها ضمن سياسات أخرى بينها ” استغلال حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية للإدارات السابقة”، وقد تطلب ذلك وفقا للاستراتيجية الجديدة نقل مركزية سياسة النفوذ والتحالفات الأمريكية الخارجية إلى طرد المهاجرين وإغلاق الطريق أمام القادمين من دول وضعها في قائمة الممنوعين من الدخول إلى الولايات المتحدة.
لقد حول ترامب الذي يعمل في أقصى اليمين قضية الهجرة إلى تهديد هوياتي ووجودي. لدى ترامب إيمان وثيق أن الانشغال بهذا الملف أحد أسباب فوزه في الانتخابات، ينسحب على قضية المهاجرين “عصابات تهريب المخدرات” التي أشعلت التوتر في البحر الكاريبي مع دول أمريكا الجنوبية.
ماذا يترتب على هذا التحول في الأولويات؟
- – سحب الدعم المالي والعسكري للدول المنتمية للمحور الأمريكي في العالم، وقد أدى ذلك إلى إغلاق المنظمة الأمريكية للتنمية الدولية التي كانت تمثل اليد القوية للخارجية الأمريكية وجهاز الاستخبارت المركزية، حدث ذلك في الأسابيع الأولى من وصوله للبيت الأبيض، استبدل ترامب العلاقة مع هذه الدول وخصوصا في القارة الإفريقية، وتليها دول جنوب شرق آسيا وبعض دول الشرق الأوسط بمفهوم كرر ترامب الحديث عنه – العلاقة القائمة على الشراكة والمصالح والمنافع المتبادلة.
- – تقليص الإنفاق العسكري والإنفاق على النفوذ وعمليات الانتشار، بما في ذلك المرتبطة بما يسمى مكافحة التنظيمات الإرهابية، ويرى ترامب أن أي نشاط عسكري يجب أن يكون مدفوع الثمن؛ إذ إنه لا حماية أمريكية مجانية، بالتزامن مع سحب الأموال التي تمنح لدعم النفوذ السياسي.
- – يعتقد المعارضون لترامب أن الخطوات السابقة ستدفع دولا كثيرة كانت تعتمد على المساعدات الأمريكية والعلاقات القوية معها إلى الحليف الصيني أو الروسي، بينما تقول استراتيجية ترامب: إن واشنطن قادرة أن تمنع ذلك بطرق بديلة، بينها “الضغوط ” وتعزيز الشراكة غير المدفوعة.
- – تهميش التحالفات التقليدية الكبرى (التحالف الأمريكي الأوروبي).
في هذا السياق نقلت مجلة فورين أفيرز عن فيليب غوردون مستشار الأمن القومي لكمالا هاريس نائبة الرئيس الأميركية السابقة ومارا كارلين مساعدة وزير الدفاع السابقة للشؤون الاستراتيجية والخطط، قراءة استشرافية تؤكد على أن استراتيجية ترامب تحدث متغيرات في التحالفات التقليدية كتلك التي مع أوروبا.
في مقالهما بعنوان: “الحلفاء بعد أميركا… البحث عن الخطة باء”، يرى الكاتبان أن رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين ظلوا على مدى 80 عاما يتبنون فكرة أساسية تقوم –على رغم التناقضات والإخفاقات- على أن أمن أميركا وازدهارها يتحققان بصون التحالفات، وردع العدوان، ودعم التجارة الحرة، والاستثمار في المؤسسات الدولية.
غوردون وكارلين يعتقدان أن الولاية الثانية لترامب تمثل قطيعة حاسمة مع هذا الإرث، فخلافا للولاية الأولى التي ضمت شخصيات “عولمية” كبحت جماح الانعزالية، يحيط ترامب نفسه اليوم بمسؤولين يعدون التحالفات عبئا، والالتزامات الخارجية استنزافا غير مبرر للموارد الأميركية دون عائد ملموس.
ويشير الكاتبان إلى أن التغيير الجوهري في السياسة الخارجية يكمن في طبيعة الفريق المحيط بالرئيس؛ فأعضاء فريق ترامب الحالي -منهم نائبه جيه دي فانس، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد– تساورهم شكوك عميقة تجاه قيادة أميركا للعالم، وهي هواجس تشكلت في جانب منها بفعل خيبات الحروب السابقة.
إن المفاهيم الجديدة تقود الولايات المتحدة الأمريكية إلى بناء شكل آخر من العلاقات والتحالفات، فبدلا من التكتلات المدفوعة والمنهجية التدخلية والهيمنة على الأنظمة السياسية في الدول المنضوية في الدائرة الأمريكية سينتقل الاهتمام إلى المصالح الأمريكية والتنصل من التبعات المالية للاستراتيجية السابقة، وبدلا من الانتظار للمكاسب التي تأتي متأخرة تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الحصول على فوائد مباشرة (لا تضحيات في سبيل الحلفاء).
هذه العقيدة هي روح ما عبَّر عنه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في خطاب أثار جدلا واسعا في مايو 2025. تقريبا، قال فانس: إن الانفاق على الديمقراطية في دول متعددة والحفاظ على النفوذ قد فشل.
- 2- قلق أوروبي من التحول الأمريكي ومخاوف من الزحف الروسي “المتوقع”:
انكشاف التعارض بين الإدارة الأمريكية الجديدة ودول الاتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بأزمة التعرفات الجمركية التي عولجت دون قناعات أمريكية وأوروبية، لا تزال تقود إلى توجه أوروبي نحو تغيير الأولويات الجارية، لكن الأمر الأكثر جدلا ، ملف الحرب الروسية الأوروبية في أوكرانيا، والفروق الجوهرية بين الإدارتين الأمريكيتين، بايدن وترامب. وتمس الشراكة في الرؤية والاستراتيجية تجاه “الخصم الروسي”. لقد توسع التباين إلى افتراق كبير بين الجانبين، إذ يتمسك ترامب بضرورة وأهمية مغادرة الحرب التي يصفها بالخاسرة، في وقت تعتقد الدول الأوروبية أن الخطط والمقترحات بما في ذلك التي سلمها ترامب للمناقشة الثلاثية – الأمريكية الأوروبية الأوكرانية – مقترحات “للسلام”، ولا تزال تناقش منذ منتصف نوفمبر الماضي، تتضمن تنازلات مجحفة بحق أوكرانيا، تلبي شروط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ما يشكل تهديدا وانتقالا من التحالف إلى التجاهل أن ترامب لا يأخذ في الحسبان الأمن القومي الأوروبي وسط المخاوف الأوروبية من أن موسكو لن تتوقف في أوكرانيا، بل سيزحف بوتين على شرق أوروبا.
جاءت الاستراتيجية الأمريكية للعام 2025 لتدعم هذا الاعتقاد “الانقلاب الأمريكي”، ومن ثَمَّ فإن دعوات سابقة بدأتها المستشارة الألمانية السابقة إنجيلا ميركل، مرورا بالرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، ووصولا إلى قيادات وأحزاب أوروبية، تضع تسليح أوروبا لنفسها وتعزيز الإنفاق العسكري بات ضرورة لمغادرة الاعتماد على الحليف الأمريكي.
لا تقتصر الاسترايتجية الأمريكية على “التخلي عن أوروبا” بل حتى توجيه اللوم لها وتحذيرها من أن استمرار سلوكها تجاه “المهاجرين” يهدد ما تسميه الإدارة الأمريكية باختفاء حضارتها، وهو ما يضع قيودا كبيرة على التحالف الأمريكي الأوروبي.
يقود هذ العمود في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إلى عمود آخر.
- 3- تقليص الانفاق العسكري:
حتى العام 2016 تدفع الولايات المتحدة الأمريكية 71% من ميزانية حلف شمال الأطلسي، بينما تدفع الدول المتبقية في الحلف 29%، وخلال فترته الأولى كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القول: إن على الدول الأوروبية أن ترفع حصتها في ميزانية النيتو من 2% من ناتجها القومي إلى 3% و5%، ومؤخرا قادت “الضغوط والمشاورات” معا إلى التزام أطلسي بالنسب المذكورة التي طلبها ترامب، هذه النتيجة جزء من استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة؛ إذ تركز على تقليص الانفاق العسكري، وسحب القوات بما في ذلك من بعض الدول الأوروبية، مع الاعتماد على نهج عسكري دفاعي وعمليات هجومية تكتيكية محدودة عند الضرورة.
ثمة تطبيقات لهذا المبدأ قبل إعلان استراتيجية ترامب للأمن القومي الأمريكي، ظهر أبرزها في تصميم وبناء ما أطلق عليها ترامب القبة الذهبية التي “تحمي أمريكا من الصواريخ والطائرات المسيرة”، علاوة على ذلك تعتقد الاسترايتجية أن المنهج الجديد ينطلق من الإنفاق على تطوير القدرات العسكرية النوعية، كذلك على ما تسميه إعادة الانتشار والتموضع. تقول الاستراتيجية:
(نريد تجنيد وتدريب وتجهيز ونشر أقوى جيش في العالم وأكثره فتكًا وتقدمًا من الناحية التكنولوجية لحماية مصالحنا، وردع الحروب، والفوز بها -إذا لزم الأمر- بسرعة وحسم)، (“لا ينبغي لأي خصم أو خطر أن يُعرّض أميركا للخطر” مما يفتح الباب أمام إنفاق دفاعي ضخم، بما في ذلك تطوير القبة الذهبية)، وتدعو استراتيجية الأمن القومي أيضًا إلى (إعادة التموضع عن طريق السلام -السعي إلى إبرام اتفاقيات سلام بتوجيه من الرئيس، حتى في المناطق والدول غير المرتبطة بمصالحنا الأساسية المباشرة، لزيادة الاستقرار، وتعزيز النفوذ الأميركي العالمي، وإعادة توجيه الدول والمناطق نحو مصالحنا، وفتح أسواق جديدة).
إن هذه النصوص أشبه بإعادة ترتيب التدخلات السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية، بما لا يجعل الانكفاء مطلقا وليس فوريا، ومع ذلك تتم رؤية مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية من دون نفوذ كما كانت خلال 80 عاما.
- 4- هل هناك تبريرات للانعزالية؟
الضرورة الاقتصادية:
في العقيدة الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية تميل استرايتجية لترامب إلى أن الاقتصاد الأقوى والتفوق التكنولوجي وسباق “المعادن النادرة ” هو من يقود إلى “أمريكا عظيمة مجددا”، فبالإضافة إلى الديون الأمريكية الكبيرة، فإن إدارة ترامب تنتقد الاستراتيجيات السابقة بوصفها “مضللة للغاية” في توسعها العالمي المفرط، وتصف استراتيجية الأمن القومي الجديدة بأنها “تصحيح ضروري ومرحب به” يُضيّق نطاق الأولويات ليقتصر على “المصالح الوطنية الأساسية والحيوية.
ومن هنا فإن المقاربة التي ركزت عليها استراتيجية ترامب، وكانت موضع جدل أمريكي داخلي لا تنص على الصراع مع الصين بوصفها تحديا قوميا مع وصول الطرفين إلى منافسة محتدمة وفشل ذريع في الاتفاق على أزمة التعرفات الجمركية المتبادلة بين بكين وواشنطن، ووفقا لمعهد بروكينغز الأميركي وتحت عنوان: “اختفاء التنافس بين القوى الكبرى بوصفها أولوية في السياسة الخارجية الأميركية ” يقول سكوترأندرسون:
تختلف استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة ترامب الحالية عن التركيز الصريح على التنافس بين القوى الكبرى الذي تبنته الإدارتان السابقتان؛ فقد صوّرت كل من إدارتي ترامب وبايدن رغبة الصين وروسيا في “تشكيل عالم مناقض لقيم ومصالح الولايات المتحدة” أحد أهم شواغل السياسة الخارجية. كانت الصين “تحديًا مستمرًا” طويل الأمد في التنافس على النفوذ العالمي، بينما كانت روسيا تُعد “تهديدًا حادًا” منخرطة بنشاط في “التخريب والعدوان”.
على النقيض من ذلك، لا تُشير استراتيجية الأمن القومي الجديدة صراحةً إلى التنافس بين القوى الكبرى ولو لمرة واحدة، ويتبنى هذا النهج لهجة أكثر تصالحية تجاه المنافسين؛ إذ يُصوّر التحدي على أنه “إدارة العلاقات الأوروبية مع روسيا”، والعمل على “إعادة التوازن للعلاقة الاقتصادية الأميركية مع الصين”، وفي الوقت نفسه، يُصوّر “النفوذ الهائل للدول الأكبر والأغنى والأقوى” على أنه “حقيقة ثابتة في العلاقات الدولية”، مما يدفع الولايات المتحدة إلى “رفض مفهوم الهيمنة العالمية المشؤوم” لصالح “توازنات القوى العالمية والإقليمية”، ويُفهم من ذلك أن الولايات المتحدة أقل اهتمامًا بالمنافسة الاستراتيجية وأكثر انفتاحًا على مناطق النفوذ، ولعل هذا هو السبب – إلى جانب هوس غريب بـ “ثقة أوروبا الحضارية بنفسها” – في تركيز استراتيجية الأمن القومي الجديدة بشكل كبير على نصف الكرة الغربي والتجارة والهجرة وقضايا أخرى محلية.
إن النقد الأمريكي الداخلي للاستراتيجية الأمريكية يحدث حين تُقارب بالاستراتيجيات السابقة، وهو ما تقوله إدارة ترامب أيضا؛ فهي تقر أنها مختلفة وتوجه نقدا شديدا للإدارات السابقة.
- 5- أمريكا اللاتينية…عودة أمريكية حادة إلى السيطرة والنفوذ:
كان لافتًا أن الاسترايتجية الأمريكية الجديدة وضعت دول أمريكا اللاتينية في قلب مشروع إحياء السيطرة والنفوذ، ليس على مبدأ مونرو كما يجري الحديث عنه، وإنما لجهة السيطرة والنفوذ والتملك، هذا السلوك ليس جديدا بالنسبة لترامب وفريقه “رجال الأعمال”؛ فمنذ حملات ترامب الانتخابية كشف عن سياسة عدائية استحواذية على غرار السيطرة على قناة بنما وجزيرة غرينلاند، قبل أن ينتقل إلى الحرب الجارية على فينزويلا التي لا يخفي ترامب ما اعتبرها “حق أمريكا في السيطرة على النفط الفينزويلي”.
تصف استراتيجية ترامب للأمن القومي أمريكا اللاتينية بالمنطقة الحيوية، وتضع أهدافا بينها منع الوجود الصيني والروسي الاستثماري والاقتصادي في القارة، يتزامن ذلك مع التصعيد في البحر الكاريبي وسط المخاوف من أن يتوسع الصراع دون قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على إسقاط النظام الفينزويلي وإخراج الرئيس نيكولاس مادورو من السلطة.
ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية سيقود إلى نتائج عكسية:
- – توسيع الصراع مع فينزويلا لن يسقط النظام، ويقود إلى الدخول في فوضى واضطرابات لا يمكن ضبطها.
- – تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية إلى إنفاق مهول على ملاحقة المهاجرين من أمريكا اللاتينية إذا توسعت الاضطرابات.
- – تستعد الولايات المتحدة الأمريكية خلال العام المقبل 2026 إلى إعادة ملاحقة المهاجرين في الداخل الأمريكية، وهذا يعني عودة التوتر مع الولايات التي ترفض حملات ترامب.
- 6- الشرق الأوسط… الصراع وتداعياته تحكم الاستراتيجية الأمريكية:
لا يمكن تطبيق استراتيجية ترامب للأمن القومي الأمريكي على منطقة الشرق الأوسط، ابتداء من القواعد والوجود العسكري، وصولا إلى المنهجية التقليدية المتبعة خلال العقود الماضية، هناك ثبات نسبي يعود إلى عدد من الأسباب:
- – وجود العدو الإسرائيلي الذي يحتاج إلى تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية السياسة والعسكرية والأمنية.
- – لا تزال المواجهات منذ طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 بين المحور الأمريكي الإسرائيلي ومحور المقاومة لم تنتهِ بعد، مع وجود دعاية واسعة، وقد استحال على إدارة البيت الأبيض أن تقدر مآلات ختامية مع تفضيل ترامب أن تنتهي المواجهة إلى نتيجتين:
- أ- تراجع فعلي لمحور المقاومة يفضي إلى تسليم السلاح في غزة ولبنان والعراق. ولم تتضح الصورة النهائية المقدرة في البيت الأبيض لليمن والجمهورية الإسلامية.
- ب- أن تتوسع “اتفاقيات إبراهام التطبيعية ” لتشمل السعودية ودول عربية وإسلامية أخرى، وما يمنع من تحقيق ذلك يتوقف على السلوك الإسرائيلي التصعيدي.
- – لا تدفع الولايات المتحدة الأمريكية تكاليف وجودها العسكري، فانتشارها في دول الخليج وسوريا والعراق مدفوع التكاليف من دول المنطقة نفسها، من ثَمَّ فإن الانكفاء من الشرق الأوسط لا يزال يعيدا.
ما تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية لا يخرج عن عملية تصعيدية باستخدام الكيان واستخدام حلفائها الإقليميين على غرار السعودية والإمارات وحكومتي دمشق وبيروت، وإن انتقال التوتر القائم إلى دوائر أوسع وصولا إلى تجدد الحرب تحددها نتائج الضغوط السياسية والاقتصادية وانتهاكات العدو الإسرائيلي.
يستدعي هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا استمرار حالة التعبئة العامة المتوازنة؛ إذ إن إبقاء شعوب الدول المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية في وضعية غير مستقرة يضاعف من الأعباء الاقتصادية، ويمنع دعم الاعتماد على الاقتصاد المحلي عن طريق تجميد رأس المال الوطني أو اخراجه، وفي كل الحالات ما تريده واشنطن وحلفاؤها يرتبط تماما بالإرادة الشعبية.