أحمد رفعت يوسف
كاتب وباحث سياسي
عاشت تركيا منذ نشوئها على أنقاض الإمبراطورية العثمانية-قبل أكثر من مئة عام- أزمة هوية عميقة، عندما حاولت الانسلاخ عن الشرق، والالتحاق بالغرب، فلا هي بقيت في الشرق، ولا هي استطاعت أن تصبح من الغرب.
كما أن الموقع الجيوسياسي المهم جدًا لتركيا، إما أن يكون نعمة، إذا كانت الظروف الدولية مواتية وأُحسن استثماره، أو يصبح لعنة إذا تغيرت الظروف وأسيء استخدامه.
مع وصول اليمين الأمريكي المحافظ إلى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، مع إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2000، وإعلانه عن مشروعه “الشرق الأوسط الجديد” الذي كان أبعد من الشرق الأوسط بكثير، ويستهدف إعادة ضبط التحولات الجارية في موازين القوة والقوة العالمية، ولاسيما الصعود الاقتصادي والسياسي السريع للصين، والعسكري لروسيا، عن طريق إعادة هندسة منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، التي تعد المؤشر على هبوط وصعود الإمبراطوريات والدول العظمى، وجدت القيادة التركية نفسها أمام فرصة ذهبية سانحة، لتحول تركيا إلى دولة عظمى، وتعيد أمجاد الإمبراطورية العثمانية، فكان مشروع “العثمانية الجديدة” الذي كان يستهدف التحكم بالعالم الإسلامي، من المغرب حتى داخل حدود روسيا والصين.
توحدت المصالح والأهداف التكتيكية والاستراتيجية لأمريكا اليمين المحافظ، وتركيا الأردوغانية الإخوانية، فكان لا بد من تأهيل تركيا لتأدية دورها، باعتبار أن مشروع الشرق الأوسط الجديد يقضي بتسليم المنطقة للإخوان المسلمين، تحت شعار (فليحكم الإخوان)، ويريد تقديم تركيا الإخوانية نموذجًا للدول العربية والإسلامية، وهذه التهيئة تطلبت أولًا بحبوحة اقتصادية، وهو ما جرى تأمينه من دول الخليج، التي ضغطت عليها أمريكا لضخ مئة مليار دولار في الاقتصاد التركي، وثانيا الدبلوماسية الناعمة؛ لتعزيز دور تركيا الجيوسياسي، وفي الوسطين العربي والإسلامي، وترويج صورة أردوغان، الذي سيعيد للإسلام أمجاده، وجرى رسم صورة البطل، كما حدث في مؤتمر دافوس عام 2009، عندما انسحب بمشهد مسرحي درامي، من لقاء كان يجمعه مع رئيس الاحتلال الصهيوني شمعون بيريز.
وسط هذه الظروف، خرجت تركيا بنظرية “صفر أعداء” التي صاغها أردوغان، مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي السابق أحمد داود أوغلو، وأصبح أردوغان يحضر مباريات كرة القدم في حلب، ويتعشى في دمشق كأنه في أنقرة أو إستانبول.
ومع اندلاع حركات “الربيع العربي” كان الاعتقاد السائد يومها، أن ما من قوة تستطيع الوقوف في وجه أمريكا، المجروحة بأحداث 11 أيلول/سبتمبر في واشنطن ونيويورك، ويومها خرج أردوغان، وأعلن أكثر من مرة-بكل غطرسة- أنه نائب المدير التنفيذي لمشروع الشرق الأوسط الجديد.
كانت سورية جوهرة العقد، في مخطط الشرق الأوسط الجديد، والعثمانية الجديدة، بوصفها مفتاح المنطقة، وتعيد إلى الأذهان معركة مرج دابق، قرب حلب عام 1516، التي كانت الفاتحة لإقامة الإمبراطورية العثمانية، فكان أخطر ما قامت به القيادة التركية، هو جلب عشرات الألوف من المسلحين الجهاديين، من كل أنحاء العالم، لإسقاط الدولة السورية، لكن أخطرهم كان الإيغور الصينيين، والشيشيان والقوقازيين الروس؛ بسبب المهمة التي كانت منوطة بهم، ليعودوا بعد إنهاء مهمتهم في سورية، إلى استكمال المهمة الرئيسة في الصين وروسيا، وأصبح أردوغان يتنمر حتى على الرئيس الروسي بوتين، وتهديده بأن 28 مليون مسلم روسي هم طوع يده، وليس طوع يد بوتين، كما أصبح يتصرف كأنه الولي على الحرمين الشريفين في السعودية.
جرى كل ذلك، أمام أعين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في العالم، فنكأ جراحًا كنا نعتقد أنها اندملت على مدى أكثر من مئة، عام وفتح جروحًا أخرى طالت عددًا من الدول والقوى، ومنها:
- – قطع مشروع الحزام والطريق الصيني، الذي ينتهي إلى المرافئ السورية، وأدركت الحكومة الصينية، أن دور الإيغور الحقيقي سيكون داخل الصين لاحقًا.
- – أعاد إلى روسيا ذكريات صراعها المرير مع العثمانيين، وأدركوا أن الجهاديين الشيشان والقوقاز وغيرهم سيكون دورهم الرئيس داخل روسيا، بعد انتهاء مهمتهم في سورية، والهدف هو تقسيم روسيا.
- – أعاد إلى الأوروبيين ذكرياتهم المريرة مع العثمانيين، لاسيما وهم يطرقون أبواب فيينا.
- – محاولة إقصاء السعودية عن دورها العربي والإسلامي.
- – محاولة إقصاء مصر عن دورها المركزي في العالم العربي وإفريقيا.
- – أعاد إلى الإيرانيين ذاكرة معركة كالديران عام 1514، والصراع العثماني الصفوي.
- – أحيا المخاوف من الأطماع التركية في سورية والعراق.
كما أن دور تركيا وطموحاتها ومشروع العثمانية الجديدة يتناقض كل التناقض مع المشروع الصهيوني في المنطقة، الذي يشكل جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد.
من سوء حظ تركيا الأردوغانية الإخوانية، أن مشروع الشرق الأوسط الجديد، بالرؤية التي جاء بها اليمين الأمريكي المحافظ تعثر ثم سقط مع سقوط اليمين الأمريكي ورؤيته النيوليبرالية للعالم، مما مهد لصعود التيار الترامبي، وفوز ترامب بالانتخابات الأمريكية، برؤيته المناقضة لليمين الأمريكي المحافظ وأدواته، وفي مقدمتها تركيا، وتأكيد قوة هذا التيار، بإعادة فوز ترامب في دورة رئاسية جديدة، بعد دورة ملتبسة لبايدن.
كما أن بوتين، أدى في اللحظة المناسبة- لاستثمار موقع تركيا، والمشاكل التي بدأت تحيط بها، وفق تكتيكات سياسية ودبلوماسية- إلى شق حلف الناتو، فأنقذ أردوغان من الانقلاب، الذي جرى ضده عام 2016، وزوده بمنظومة إس إس 400، التي كانت محرمة على أي دولة من دول الناتو، بموجب قوانين الحلف، لكن ذلك لم يلغ الرؤية الروسية، وعقيدة جيشها، التي تعد تركيا عدوًا.
مع هذه التطورات الجيوسياسية، أصبحت تركيا وسط بحر متلاطم من الأعداء، وتحولت من صفر أعداء، إلى صفر أصدقاء، ربما باستثناء قطر، وتوقف ضخ الأموال الخليجية إليها، لتأتي عملية طوفان الأقصى، ثم التغيير في سورية، ودور تركيا فيه؛ لتكون سورية فخًا لها، يشبه الفخ الذي نصب لصدام حسين في الكويت، ولتكتمل الحلقة حول تركيا، بالقرار الأمريكي قبل أيام، باعتبار الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا، فأصبحت تركيا اليوم في وضع قريب من وضع الإمبراطورية العثمانية في سنواتها الأخيرة التي سبقت انهيارها بعد أن كانت توصف بـ ” الرجل المريض”.
في السياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية، تبدو الصورة الظاهرية خادعة أحيانا، وفي هذه الصورة يحاول أردوغان إظهار تركيا كأنها في موقف قوي، ويقوم بتحرك سياسي ودبلوماسي نشط، لكن واقع الأمر أصبحت في مشاكل داخلية وإقليمية ودولية صعبة جدًا، واكتملت حلقة الأعداء حولها، ولا أحد يستطيع احتمال بقاء تركيا كما هي الآن، وهي تمتلك من عوامل القوة والتأثير بما يسمح لها بتهديد الجميع، والكل ينتظر اللحظة المناسبة لتصفية حسابه مع تركيا.
هذه اللحظة لم تحن بعد، لكنها آتية لا ريب.