مدلول التطبيع وتطبيقاته في الاستراتيجية الإسرائيلية (التطبيع بعد 7 أكتوبر) – الجزء الثالث –

طالب الحسني

كاتب وباحث سياسي

 

قبل أن تجري أحداث عملية طوفان الأقصى العسكرية- فجر السابع من أكتوبر 2023، التي استهدفت الوجود العسكري والاستيطاني في مستعمرات غلاف غزة جنوب غرب الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي قادتها كتائب القسام بمشاركة سرايا القدس، الجناحان العسكريان لحركتي حماس والجهاد الإسلاميتين- كان العالم رسميا وشبه شعبي -باستثناء محور المقاومة- يتصرف بمعزل عما إذا كان عليه مسؤولية أخلاقية وإنسانية ترتبط بالقضية الفلسطينية.

لم يكن ذلك نسيانًا، فحراك الشعب الفلسطيني ومقاومته لم تتوقف على مدى أكثر من 100 عام، وإنما فكرة انتقال صامت إلى مربع “التعايش” الذي يعني إغفال حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه المسلوبة وعودة ” ملايين ” الفلسطينيين في الشتات إلى موطنهم الأصلي، فلسطين التاريخية.

بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني فإن 7.4 ملايين فلسطيني من أصل 14.8 مليونًا يعيشون في “المهجر”، ما يقارب النصف. النصف الآخر نحو 7.4 ملايين موزعون في الضفة الغربية المحتلة والقدس وغزة ومناطق الداخل الفلسطيني ” أراضي 48″.

هذا الوجود يتعرض لانتهاكات غير مسبوقة في التأريخ، ابتداء من خارطة توزيه على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، مرورًا بعدم حصوله على دولة كاملة السيادة حتى بحدود 1967، وصولا إلى الزحف الإسرائيلي المستمر لمحاولة تصفية القضية الفلسطينية وفرض واقع جديد لا يشمل ” اعترافا ” دوليا بوجود مشكلة اسمها احتلال فلسطين، على الرغم من اعتراف 142 دولة عضوًا في الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية من أصل 193 دولة.

ضرورة 7 أكتوبر لردع تصفية القضية الفلسطينية:

خلال السنوات التي سبقت الطوفان سارع العدو الإسرائيلي إلى توسيع الاستيطان، شمل ذلك التوسع القدس المحتلة، كذلك ضاعفت وتيرة التغييرات البنيوية في المسجد الأقصى المبارك، وتحولت المعتقلات للشعب الفلسطيني إلى أرقام طويلة ومؤبدات، وحتى إعدامات جراء التعذيب والإهمال الطبي.

وفي المقابل وبدلا من الضغط العربي على كيان العدو الإسرائيلي انتقل النظام الرسمي إلى الضغط على المقاومات الفلسطينية، لم يكن هناك تفسيرات منطقية لحملات الشيطنة التي قادها الإعلام العربي، السعودي والإماراتي وبعض القنوات المصرية لحركتي حماس والجهاد الإسلاميتين، وصولا إلى “إبداء الضيق والملل” من القضية الفلسطينية بشكل كامل.

وقعت اتفاقيات إبراهام مع كيان العدو الإسرائيلي وسط سلسلة من السلوكيات والإجراءات التي مارستها الدول الموقعة وأيضا السعودية، واستهدفت الشعب الفلسطيني، أبرزها الآتي:

  •  – تصنيف المقاومة الفلسطينية واللبنانية حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله تنظيمات “إرهابية”.
  •  – اعتقال قيادات وأعضاء من حماس في المملكة العربية السعودية.
  •  – تجريم التبرعات لفلسطين، وتجريم واعتقال من يقوم بأي نشاط يرتبط بالحصول على مساعدات.
  •  – حظر أي تواصل مع حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله أو تأييدها للاعتبارات السابقة.

وحين وضعت واشنطن ما عرف لاحقا بصفقة القرن، واتخذت إدارة ترامب إجراءات على غرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كانت تلك إشارات واضحة إلى تسريع تصفية القضية الفلسطينية، كل ذلك جعل طوفان الأقصى ضرورة.

لقد احتاج العالم أن يجري إشعاره بأن الاستحقاق الفلسطيني الذي يجري تجاهله لا يمكنه أن يموت، وأن الشعب الذي يتعرض للإبادة منذ 8 عقود يتعارض مع الشعارات المتعلقة بالإنسانية والحرية والحياة الكريمة، التي يحاول الغرب تسويقها: إما أن تبدأ من فلسطين أو لا تبدأ، ولهذا فإن تغييب القضية الفلسطينية ومحاولة عزلها في محيط محدود وتقييد حضورها بدت ضرورة لتمكين الغرب من الاستمرار في تسويق نفسه راعيًا وحاميًا ” للحقوق ” في العالم.

كانت النتيجة الأولى لطوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 التأكيد على هشاشة العدو الإسرائيلي مخابراتيا وأمنيا وعسكريا، وثانيا: إيقاظ المجتمع الدولي والهئيات الأممية التي توقفت عند الردود التقليدية الروتينية أمام انتهاكات كيان الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، وثالثا: التأثير في استمرار التطبيع بالمدلول الذي كان قد بدأ بعد اتفاقات إبراهام والذي كان يعني تشكيل وعي جديد في العالم العربي والإسلامي يقوم على مسألتين:

  • ● شيطنية المقاومة والتحريض عليها، ومن ثَمَّ إسقاط القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي.
  • ● تمجيد التعايش و ” الأخوة الإبراهيمية ” بوابة للقبول بـ”دمج الاحتلال في المنطقة” رسميًا وشعبيًا.

من أي الخلفيات أردت أن تأتي لتفكيك هذه المفارقة ستجدها إنجازًا “إسرائيليًا أمريكيًا “، هذا نتاج عقود طويلة من العمل والتخطيط في المنطقة، لقد أخذت هذه الدول أو بالأحرى الأنظمة خارج دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بالتدرج وعن طريق مراحل زمنية ممتدة على ظهر ما يقترب من 80 عامًا.

إن ذلك مدخل لفهم كيف وصل الحال ببلدان عربية إلى أن تشارك في الدفاع عن العدو الاسرائيلي، ولو قيل لرجل أدرك بوعي ستينيات القرن الماضي الصراع الوجودي مع كيان العدو الإسرائيلي سيكون من الصعب تغطية هذه الفجوة بين جيل ذلك العقد واليوم، إنه انتقال من الكفاح المسلح المدعوم إلى الحوار إلى السلام الموهوم إلى الحياد السلبي المذموم قبل أن ” يتطور” خلال الثلاثة العقود الأخيرة إلى الشراكة في الأهداف الاستراتيجية مع الكيان.

الإبادة في غزة تعزل الكيان وتعيد التضامن الدولي مع فلسطين:

كانت مهمة كيان العدو الإسرائيلي- بعد طوفان الأقصى تتجاوز الانتقام من العملية الفلسطينية إلى الحرب الوجودية، وتدمير غزة وارتكاب إبادة وإجبار الشعب الفلسطيني على مغادرتها- تكمن في الحصول على الأهداف الاستراتيجية التي تغير الشرق الأوسط.

وبما أن الدراسة لا تركز على الحرب وما بعدها إلا بالقدر الذي يتوافق مع تأثير ما بعد طوفان الأقصى في التطبيع، يمكن الإشارة إلى نقاط معينة لبعض النتائج:

  • –  العملية الفلسطينية تحولت من عملية عسكرية في الداخل الفلسطيني وفي محيط غزة إلى أن تضع كيان العدو الاسرائيلي أمام واقع مختلف عندما وجد نفسه لأول مرة يقصف من بلدان عربية وإسلامية – اليمن والجمهورية الإسلامية في إيران، المقاومة العراقية.
  • – استمرار الحرب؛ إذ كانت أطول حرب يقوم بها كيان العدو الإسرائيلي دون تحقيق الأهداف الرئيسة. إن الاغتيالات التي نفذها بما في ذلك اغتيال القيادات الأولى للمقاومة الفلسطينية واللبنانية: الشهيد نصر الله، والشهيد إسماعيل هنية، وصولا إلى قيادات عسكرية وسياسية في الجمهورية الإسلامية في إيران واليمن، لم تؤدِ إلى انهيار محور المقاومة، ولهذا احتاج التحالف الأمريكي الإسرائيلي إلى اتفاقيات في كل هذه الجبهات:
  • ● اتفاقية وقف إطلاق النار مع المقاومة اللبنانية حزب الله.
  • ● إعلان الولايات المتحدة الأمريكية إنهاء عملياتها البحرية والجوية ضد اليمن.
  • ● إعلان وقف الحرب مع الجمهورية الإسلامية بعد 12 يوما.
  • ● إعلان شرم الشيخ بشأن وقف إطلاق النار في غزة.

 

العزلة الشعبية الدولية، لقد أدت الإبادة الإسرائيلية في غزة إلى انتفاضة عالمية متضامنة مع الشعب الفلسطيني، تجاوزت في أوروبا وأمريكا جهود عقود من الدعاية الإعلامية والسياسية لكيان العدو الإسرائيلي.

لا أشير هنا إلى موقف الحكومات وبعض الأنظمة حول العالم؛ إذ إن لها سياقًا مختلفًا ومقاربة أخرى، ولكن إلى الوعي الشعبي العالمي، وإن أضرار ذلك كبيرة على الدعاية الصهيونية التي تقوم بها اللوبيات اليهودية الإنجيلية المتخصصة بالترويج لـ”إسرائيل”، سواء كان ذلك دينيا عن طريق السردية المسيحية الإنجيلية، أو سياسيا كالسردية المرتبطة بأن “إسرائيل” دولة ديمقراطية رائدة في الشرق الأوسط، الذي يقدم للغرب أنه منطقة غير ديمقراطية ومضطربًا وطاردًا للحريات، وساحة للحروب والنزاعات.

هذه الصحوة العالمية تجاه فلسطين لم تكن مسألة عابرة، لا لأنها شكلت ضغطا على الاحتلال وقبل ذلك على الدول الراعية له بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان ذلك مهم، إلا أن الأهم الذي مثل ضربة قاسية لكيان الاحتلال، إن جهود سنوات وعقود -شملت أنشطة حكومات ومؤسسات إعلامية وتثقيفية ترعاها المنظمات اليهودية في أوروبا والغرب عموما وتتعلق بطمس أي حضور للقضية الفلسطينية في الوعي الشعبي الجماهيري العالمي- قد سقطت بينما انتصر التعاطف مع فلسطين وغزة على التهمة الفجة المتعلقة بمعاداة ” السامية “.

لم يقتصر مؤشر التحول الشعبي تجاه القضية الفلسطينية من الإهمال إلى التضامن على القطيعة مع العدو الإسرائيلي بوصفه مرتكب إبادة جماعية في غزة، بل يشمل أيضا الحكومات الغربية التي حملت لعقود التناقض بين التلبس الغربي بالحقوق ورعايتها وحماية كيان احتلالي مستعمر ويرتكب جرائم إبادة، وانكشف الغرب بشكل أوضح عقب طوفان الأقصى، فالعالم مجمع الآن على أن دولا مثل امريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا شركاء في الإبادة الإسرائيلية في غزة، في المقابل نمت التيارات اليسارية والثورية في أوروبا وأمريكا اللاتينية بالتزامن مع احتدام الصراع بين اليسار واليمين الأوروبي على حساب “الوسط”.

وهم الانتصار:

حتى وقت قصير قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة وفقا “لخارطة ترامب” الموقعة في شرم الشيخ المصرية، كان نتنياهو يقر أن وقف الحرب قبل تحقيق جميع الأهداف سيمثل “مكافأة” لحماس. تقول الأحزاب اليمينية المتحالفة مع نتنياهو على غرار القوة الصهيونية التي يقودها سيموتريتش أو يهوديت الذي يقوده المتطرف إيتمار بن غفير أن الموافقة على وقف إطلاق النار هزيمة “إسرائيلية”، بالإضافة إلى ذلك ثمة إجماع في أحزاب المعارضة في الكيان على أن نتنياهو قاد “إسرائيل” إلى طريق مغلق على الرغم من الدعم الأمريكي، فمع الحرب الطويلة والأثمان الكبيرة التي دفعت- سواء في المؤسسة العسكرية أم المؤسسات الأمنية- كانت النتائج على المستوى الاستراتيجي متواضعة.

ما يقر به العدو الإسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة يمكن رصده في النقاط الآتية:

  • – إخفاق 7 أكتوبر لم يرمم.
  • – أظهرت الحرب هشاشة الردع الإسرائيلي؛ فقد تمكنت جبهات، مثل اليمن والجمهورية الإسلامية وحزب الله أن تضرب أهدافا في جميع جغرافية فلسطين المحتلة.
  • – من دون الدعم الأمريكي المفتوح لم يكن بإمكان الكيان مواصلة الحرب.
  • – الخسائر التي تعرض لها “الجيش الإسرائيلي” غير مسبوقة.
  • – واجه الكيان لأول مرة حكما من محكمة الجنايات الدولية تقضي بحجز نتنياهو ووزير حربه السابق يواف غالانت بوصفهما مجرمي حرب.
  • – واجه الكيان عزلة دولية هي الأكبر منذ عقود.
  • – ارتفعت الهجرة العكسية من الأراضي الفلسطينية.
  • – الإنجازات التكتيكية -على رغم أنها كبيرة في فلسطين ولبنان- لم تمكن الكيان حتى الآن من تحقيق أهدافه الرئيسة، كتفكيك المقاومة وسحب سلاحها وإنهاء وجودها.

باستثناء التحول الكبير في سوريا نتيجة سقوط النظام السابق، فإن كيان العدو الإسرائيلي يشتغل على وهم الانتصار، بينما لا تزال أهدافه بعيدة وأمام تعقيدات هائلة، ولن يكون بمقدوره تنفيذ استراتيجيته الحالية القائمة على ما يسميها ” منع حماس وحزب الله من ترميم قدراتهم ” عن طريق الغارات بين مدة وأخرى أو الاغتيالات أو تدمير البنية التحتية العسكرية.

وبالمقارنة مع نتائج حروب العدو الإسرائيلي السابقة، فقد كانت مكاسبه في 1967 واسعة مع تكاليف محدودة، بالإضافة إلى أرباح سياسية غيرت في موازين الصراع العربي الإسرائيلي.

إن “التطبيع” بالتعريف وبالمدلول وبالتطبيقات -التي تطورت قبل طوفان الأقصى بما يترجم دمج إسرائيل في المنطقة؛ للحصول على السلام- قد تأثرت على المستوى الشعبي العالمي، ويقر العدو الإسرائيلي بالحاجة إلى جهود كبيرة لمواجهة ما يسميه ” تحريض الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا وأمريكا على إسرائيل “، وفي الواقع هو اعتراف مع محاولة التضليل، فالجاليات المذكورة وإن كان لها دور فهو محدود وضمن تحول كبير في العالم لصالح فلسطين بوصفها قضية أخلاقية وإنسانية وقضية شعب يواجه تطهيرًا عرقيًا.

… يتبع

كاتب