لماذا فشل البيت الأبيض في تشكيل ” قوة الاستقرار ” و ” مجلس السلام ” في غزة؟

أبوبكر عبد الله

كاتب وباحث سياسي

 

تواجه الترتيبات الخاصة بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 -القاضي بوضع قطاع غزة تحت إدارة “مجلس السلام” برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسلطة “قوة الاستقرار” الدولية- حالة من الجمود الكامل؛ فمنذ صدور القرار منتصف الشهر الماضي لم تُعلن أي خطوات عملية لتشكيل الهياكل الدولية في ظل عقبات سياسية وقانونية تجاهلتها خطة ترامب ذات النقاط العشرين، وتحولت في القرار الأممي إلى معضلة كيرة.

ومنذ صدور القرار الأممي تواجه إدارة ترامب صعوبات في تشكيل “مجلس السلام” وفي تشكيل “قوة الاستقرار” الدولية المفوضة بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة إنهاء حرب غزة، ولا سيما في قضية انسحاب جيش الاحتلال، بالتوازي مع خطوات نزع سلاح فصائل المقاومة، وسط مفاجآت أعلنها مؤخرًا مسؤولون أمريكيون، تحدثوا عن عدم وجود خطة لدى إدارة ترامب لتشكيل هياكل الحكم الانتقالي على رغم مضي نحو ثلاثة أسابيع على صدور القرار الأممي.

وفي حين أتاح هذا التأخير لحكومة الكيان فرصة لانتهاك الاتفاق بهجمات متواصلة على مدن القطاع تحت ذرائع مختلفة، فقد مثل بالمقابل ضغطا على حركة المقاومة “حماس” التي طالبت مؤخرا من الوسطاء الإقليميين والدوليين الضغط على إسرائيل للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب، بما يقطع الطريق على جيش الاحتلال لاختلاق أية ذرائع تبرر بقاءه في الجزء الأكبر من أراضي القطاع المدمر، واستمراره في شن الهجمات، ومنع دخول المساعدات الإنسانية أو تقليلها إلى الحد الأدنى.

ولا شك أن مطالبة “حماس” بالانتقال إلى المرحلة الثانية استهدف بالمقام الأول سحب الذرائع من إسرائيل لاستمرار الحرب أو القيام بخطوات أحادية بعيدا عن خطة إنهاء الحرب، وسط مخاوف من احتمال استغلال حكومة الكيان تعثر تشكيل القوة الدولية لمواصلة الحرب أو بانتهاك الخطة والقرار الأممي، والقيام بمهمة نزع سلاح المقاومة بنفسها أو على أقل تقدير التلكؤ من التزاماتها بالانتقال إلى المرحلة الثانية التي تخشى إسرائيل أن تؤدي إلى إرباك ترتيباتها الأمنية والديموغرافية في قطاع غزة.

التأخير الأمريكي في تشكيل “مجلس السلام وقوة الاستقرار” أثار الشكوك بالتماهي الأمريكي مع الموقف الإسرائيلي الراغب بإعطاء المزيد من الوقت لجيش الاحتلال القيام بمهمة نزع السلاح بعيدا عن خطة ترامب والقرار الأممي، وتعمد تصفية ما تبقى من فصائل المقامة الذين بقوا بداخل أنفاق أرضية على جانبي الخط الأصفر، ولا سيما في مدينة رفح، وسقط منهم خلال الأيام الماضية العشرات بعد أن اضطروا للخروج من الأنفاق السرية نتيجة نفاذ إمدادات الغذاء والماء.

وعلى أن واشنطن راهنت على استخدام قوة النفوذ فشلت في حشد الدول للمشاركة في “مجلس السلام” وفي “قوة الاستقرار” الدولية؛ بسبب تعاظم المخاوف لديها من غياب الخطط الواضحة لآليات عمل القوة الدولية المخولة بتجريد غزة من السلاح، ما جعلها تتردد في المشاركة خشية وقوعها في صراع مع فصائل المقاومة الفلسطينية لمصلحة إسرائيل.

تفويض أممي شامل ينتظر آليات التنفيذ

وفَّر قرار مجلس الأمن 2803 -المصادق عليه في 17 نوفمبر الماضي- الإطار القانوني في جعل الولايات المتحدة الجهة الرئيسة لقيادة تشكيل “مجلس السلام” و”قوة الاستقرار” الدولية في غزة، كما حدد الجهة المفوضة بتشكيل “قوة الاستقرار” الدولية، وهي ” مجلس السلام” برئاسة الولايات المتحدة وعضوية الدول المتعاونة معه؛ من أجل تعزيز استقرار البيئة الأمنية في غزة، وضمان نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وحماية المدنيين، والإسهام في تسهيل عمليات الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار.

ألقى القرار الأممي أيضا بمسؤولية تشكيل “مجلس السلام” على رئيس الولايات المتحدة مهمة قيادة هيئة إدارية انتقالية، على أن تتولى واشنطن والشركاء الدوليون والعرب صلاحية وضع الإطار التنفيذي والجدول الزمني لاستحقاقات المرحلة الثانية، فضلا عن وضع آليات توضح علاقة المجلس بالكيانات القائمة، مثل الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية.

وهذا التفويض كان واضحا في دعوة القرار الأممي إلى تنفيذ خطة الرئيس ترامب بشأن وقف الحرب على غزة بشكل كامل؛ بما منح الإذن لواشنطن بتشكيل الهياكل الانتقالية الجديدة، وتحديد آليات التنفيذ بالتعاون مع الشركاء الدوليين.

غير أن الإدارة الأمريكية التي قدمت مشروع القرار إلى مجلس الأمن لمنح خطتها قوة القانون الدولي، وجدت نفسها مرة أخرى في مواجهة عقبات قانونية وسياسية متعددة، وفي المقدمة عدم تحديد آليات وقواعد وشروط تشكيل القوة الدولية وحجمها والدول المشاركة فيها وآليات عملها.

وحتى اليوم لم تقدم واشنطن أي جديد بشأن خطتها لتشكيل “مجلس السلام” وآليات عمله والدول المشاركة فيه، كما لم تقدم أي خطة لتشكيل “قوة الاستقرار” وآليات عملها، سوى ما أعلنه مسؤول أميركي بأن عملية نزع السلاح في قطاع غزة ستكتمل بحلول نهاية أبريل المقبل، وما سموه: جدولًا زمنيًا أميركيًا لوصول الدفعة الأولى من جنود قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة منتصف يناير المقبل.

والعقبات الحاصلة اليوم كانت موضع ملاحظات قدمتها كل من الصين وروسيا اللتان امتنعتا عن التصويت، وأشارتا قبل اعتماد القرار في مجلس الأمن إلى أن الغموض يحيط بالقرار، ولا سيما في التفاصيل الرئيسة التي لم يجرِ التشاور حولها بشكل كاف مع جميع أعضاء المجلس، ولا سيما آليات تشكيل “مجلس السلام” و”قوة الاستقرار” ونطاق سلطاتهما بما جعلهما تؤكدان على أن القرار “إشكالي وقد يُفاقم الأزمة”.

وبعد صدور القرار بدا أن الضبابية التي اكتنفت القرار الأممي أثارت قلقا دوليا واسعا، ولا سيما لدى الدول المحتمل أن تشارك الهياكل الجديدة للحكم في قطاع غزة، بما فيها الدول العربية والإسلامية التي أعلنت دعمها القرار الأممي، وبدت تاليا حذرة بشأن مشاركتها في “قوة الاستقرار” الدولية وسط بيئة أمنية معقدة.

مخاوف وتحفظات دولية مشتركة 

لأن قرار مجلس الأمن 2803 -الذي منح الإذن للولايات المتحدة بتشكيل “مجلس السلام” و”قوة الاستقرار” الدولية- أُوكل إلى “قوة الاستقرار” مهاما صعبة في تجريد فصائل المقاومة من السلاح، وتفكيك بنيتها التحتية، وضمان عدم تحول غزة إلى تهديد مستقبلا، وحماية الحدود فقد أشعلت هذه المهام مخاوف مشتركة لدى معظم دول العالم.

يشار في ذلك إلى التحفظ الإندونيسي والباكستاني حيال قوة الاستقرار” الذي عكس مخاوف جدية لدى الدولتين من احتمال أن تتحول “قوة الاستقرار” المزمع نشرها في غزة، إلى أداة لفرض ترتيبات أمنية تخدم إسرائيل أكثر من هدفها في حماية المدنيين، وهو أمر قد يضع الدول المشاركة في موقف سياسي حساس أمام شعوبها وأمام المجتمع الدولي.

هذا المعطى دفع إندونيسيا التي كانت أعلنت سابقا عزمها إرسال 20 ألف جندي للمشاركة ضمن “قوة الاستقرار الدولية” إلى التراجع خشية انزلاق قواتها في مواجهات مسلحة مباشرة مع الفلسطينيين، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية في هذا البلد تتبنى بديلا يقضي بإمكان إرسال حوالي 1200 جندي فقط، للمشاركة في مهام صحية وإعماريه وليس قتالية.

والحال مع باكستان التي أعلنت بوضوح رفضها أن تكون جزءا من مهمة هدفها الأساسي نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، معتبرة أن هذا ليس دور الجيش الباكستاني، مشترطة عدم المشاركة في أي عمليات لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

أذربيجان أيضا عبرت عن مخاوف مشابهة؛ إذ أعلنت عدم رغبتها الخوض في مهمة أمنية مع استمرار العمليات العسكرية، مشترطة ربط مشاركتها بوقف كامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية.

ومن خلال المواقف المعلنة في القاهرة والدوحة، صار واضحا أن كلًا من مصر وقطر بصفتهما وسيطين رئيسين تتفقان على رفض المهمة القتالية للقوة الدولية، وقد حذرتا صراحة أن تكليف القوة الدولية بمهمة نزع سلاح “حماس” قسرًا سيكون سببا للفشل، وقد يؤدي إلى اشتباكات مسلحة في مسؤولية خطيرة لن تقبل أي دولة عربية أو إسلامية تحملها.

عوضا عن ذلك دعت القاهرة والدوحة إلى وضوح المهام والتفويض؛ إذ طالبتا بوضوح صلاحيات وولاية القوة الدولية قبل نشرها، كما طالبتا بالمحافظة على الحقوق والثوابت الفلسطينية، وألا يكون تفويض القوة الدولية أداة لاستبدال الاحتلال بوصاية دولية، في حين ربطت القاهرة مشاركتها الفعلية في أي قوة دولية بشرط وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.

هذا الموقف لم يكن مقتصرا على الوسيطين الرئيسين؛ فهناك دول عربية أخرى أبدت مخاوف من عدم وضوح الإطار العملي لـ”قوة الاستقرار”، كما أبدت خشيتها من تحولها إلى أداة إدارة أمنية تخدم طرفا واحدا هو إسرائيل في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي جزءًا كبيرًا من قطاع غزة، ما جعلها تتبنى رؤى جديدة تكفتي بالمشاركة في التنسيق أو التمويل دون ارسال جنود.

وعدد من الدول الأوروبية أيضا أبدت مخاوف من طبيعة المهام القتالية لـ “قوة الاستقرار”، وهو الأمر الذي دعا إيطاليا للإعلان أنها تدرس المشاركة في مهام غير قتالية، مثل تدريب الشرطة الفلسطينية أو إزالة الألغام.

وحتى اليوم لم تعلن ألمانيا وفرنسا بشكل واضح ما إن كانتا سترسلان قوات للمشاركة بقوام “قوة الاستقرار ” في غزة، وتميل التصريحات الرسمية للبلدين بشكل أكبر نحو تبني نهج دبلوماسي أكثر نشاطًا والتركيز على المساعدات الإنسانية، والتهدئة الفورية، والدعوة إلى حل سياسي طويل الأمد.

وعلى رغم تأكيد ألمانيا على “مسؤوليتها التاريخية الخاصة” تجاه أمن إسرائيل فهي تتبنى رسميا موقفا يدعو إلى الاعتراف بدولة فلسطين، كما تؤكد على أن يكون الهدف النهائي لأي ترتيبات لما بعد الحرب هو “حل الدولتين”.

المواقف العربية والدولية بدت واقعية ومنطقية في ظل غموض المهام المحددة لـ “قوة الاستقرار” وغياب الرؤية الواضحة لما ستفعله في مهمة “نزع السلاح” من فصائل مقاومة مسلحة في بيئة معقدة ومستمرة الاشتباكات، وهي التعقيدات التي قد تحول مهمتها في المحافظة على وقف إطلاق النار إلى مواجهة مسلحة مع الفلسطينيين، يفقدها حيادها ويجعلها طرفًا في الصراع.

زاد من ذلك التعقيدات الميدانية على الأرض بعد أن أعلنت حركة “حماس” وسائر فصائل المقاومة بوضوح رفضها القرار الأممي، وتحذيرها من أن أي قوات أجنبية تحاول نزع سلاحها في غزة ستكون “طرفًا في الصراع” ناهيك عن أن استمرار وجود جيش الاحتلال الإسرائيلي في أجزاء كبيرة من غزة، يجعل البيئة الأمنية معقدة ويصعب التعامل معها.

وبالنسبة لكثير من دول العالم فإن المشاركة في عملية قد تُنظر إليها على أنها “وصاية دولية” أو تكريس للاحتلال، أو أداة لفرض ترتيبات أمنية لصالح إسرائيل، قد تضعها في موقف لا يحسد عليه أمام شعوبها والمجتمع الدولي.

غياب الإطار السياسي يبقي العربة عالقة

افتقاد خطة ترامب، ومن ثم القرار الأممي للإطار السياسي الشامل لما بعد الحرب، وإقصاؤها الجانب الفلسطيني، وتعاملها مع الجانب الأمني بمعزل عن حل القضية السياسية الجوهرية بالترتيب لقيام دولة فلسطينية مستقلة عزز التكهنات بأن أي مهمة عسكرية تتجاوز هذه المعطيات ستكون معرضة للفشل.

علاوة على العقبات القانونية فإن هناك عقبات سياسية عدة، يتصدرها وضع السلطة الوطنية الفلسطينية في ترتيبات المرحلة الانتقالية؛ إذ إن السلطة على رغم ترحيبها بالقرار الأممي إلا أن دورها الأساسي في الحكم المستقبلي لغزة اتسم بالضبابية، كما لم يُضمن بشكل كافٍ في الخطة الأميركية، ومن ثم في القرار الأممي.

المخاوف التي تعلنها الدول المحتمل مشاركتها في “مجلس السلام” و”قوة الاستقرار” الدولية تتجاوز الجانب القانوني إلى طبيعة المهمة على الأرض في ظل غياب الرؤية السياسية الواضحة لمرحلة ما بعد الحرب، وفي ظل التناقض الحاصل بين الطموح السياسي والواقع الميداني في غزة.

وفقا لذلك فإن قرار مجلس الأمن -كما حال خطة ترامب السابقة- لا يزال بحاجة إلى مفاوضات واسعة من أجل تحديد وتوضيح الهيكل التنظيمي لـ “مجلس السلام” وحدود صلاحياته وآليات عملة وعلاقاته بالأمم المتحدة والسلطة الوطنية الفلسطينية والدول التي ستشارك فيه.

كما أن القرار يحتاج إلى مفاوضات دولية واسعة للوصول إلى تحديد واضح لآليات تشكيل “قوة الاستقرار” الدولية وطبيعة عملها ومهامها والدول المتوقع مشاركتها، وآليات التنسيق بين الأطراف والتحديد القريب والمتوسط الأجل لعمليات الانتشار في القطاع، والجدول الزمني للمهام، وبشكل أعمق تحديد قواعد الاشتباك وتسلسل القيادة وهيكل القوة.

أكثر من ذلك فإن الأمر بحاجة إلى مفاوضات مباشرة مع “حماس” وفصائل المقاومة الفلسطينية؛ للوصول إلى رؤية توافقية تجاه انتشار “قوة الاستقرار” الدولية في قطاع غزة ومهامها، وهو أمر حيوي لتجنب أي صدامات مستقبلية قد تخرج هذه القوات عن مهامها الأساسية في حفظ الاستقرار وإعادة البناء وحماية المدنيين.

وبالمقابل هناك حاجة إلى إدارة مفاوضات جدية مع الجانب الإسرائيلي؛ تفضي إلى التزامات واضحة ومحددة بشأن وقف الهجمات والانتهاكات، وتحديد واضح لخطة الانسحاب من القطاع المتزامنة مع إجراءات نزع السلاح، فضلا عن التزامات واضحة في قضايا تدفق المساعدات وحماية المدنيين وإعادة الإعمار.

ذلك أن غياب الآليات والأهداف الواضحة التي يفترض أن تسبق أي عمل ميداني، لن تقدم شيئا سوى المزيد من التعقيدات على الأوضاع الراهنة؛ إذ لا يمكن لمجلس السلام” العمل ي غياب كامل للسلطة الفلسطينية وفي غياب الضمانات بمسار يدعم قيام الدولة الفلسطينية.

كما لا يمكن لـ “قوة الاستقرار” العمل بفاعلية في بيئة يغيب عنها الاتفاق السياسي، ومع استمرار الاحتلال والعمليات العسكرية الإسرائيلية، وبدون رؤية واضحة، ستبقى أي قوة عرضة للفشل أو للاستخدام في فرض ترتيبات أحادية.

والرأي المتفق عليه من سائر الأطراف هو أن مستقبل “مجلس السلام” و”قوة الاستقرار” ونجاحهما في أداء عملهما وتحقيق الأهداف، لن يُحدّد بناءً على هوية وعدد الدول المشاركة، بل على قدرة واشنطن ومعها المجتمع الدولي على إدارة مفاوضات واسعة تفضي إلى بلورة إطار شامل يمنع عدم تجدد الحرب، ويضمن حماية كاملة للفلسطينيين، ويسمح بتدفق المساعدات، ويفتح الطريق أمام السلطة الفلسطينية لتكون حاضر بقوة في سائر ترتيبات المرحل الانتقالية.

أفق محتمل بخطة شاملة للحل

يصعب القول: إن التأخير في تشكيل هياكل الحكم الانتقالية وقوة الاستقرار المفوضة بموجب قرار مجلس الأمن بشأن غزة، سببه عدم وجود رغبة في تنفيذ القرار؛ إذ إن السبب الأكثر وضوحا هو غياب الآليات التنفيذية التي يجب أن تكون واضحة في تشكيل هياكل الحكم الانتقالي وطبيعة عملها ومهامها وجدولها الزمني.

والتقديرات التي تتحدث عن قدرة إدارة الرئيس ترامب على تحديد الدول المشاركة في “مجلس السلام” و”قوة الاستقرار” لن يقدم شيئا جديدا، في مشهد التعقيد الحاصل اليوم؛ لأن الرهان الأكبر يكمن في قدرة واشنطن والسلطة الوطنية الفلسطينية وحكومة الكيان ومعها المجتمع الدولي على بلورة إطار شامل لآليات التنفيذ؛ يُنهي الحرب، ويضمن حماية الفلسطينيين، ويؤسس لمسار موثوق لتقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية قبل الشروع بأي ترتيبات أمنية أو عسكرية.

ذلك أن هياكل الحكم الجديدة ستمثل قوى خارجية مفوضة للعمل في بيئة معقدة وعدائية، وأي مهام أو صلاحيات لها يجب أن تستند على خطة تنفيذية تفصيلية، تعد بناء على مفاوضات وتفاهمات مشتركة من جميع الأطراف المشاركة بما فيها فصائل المقاومة والسلطة الوطنية الفلسطينية.

والتحدي الأول أمام واشنطن اليوم يكمن في قدرتها على وضع آليات تنفيذية مقبولة تلبي مخاوف الدول المحتمل مشاركتها في هذه الهياكل، وتلبي في الوقت ذاته مطالب الفلسطينيين بأهداف ومهام واضحة ومزمنة، تقود إلى الحل السياسي الشامل وتؤسس لخيار الدولتين.

وأكثر من ذلك قدرتها على الضغط على حكومة الكيان لوقف الانتهاكات المستمرة والالتزام بخطة انسحاب مجدولة متزامنة مع خطة نزع السلاح، والتوقف عن شن عملياته وهجماته داخل القطاع، التي استمرت منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار؛ لأن الاستمرار في ذلك سيؤدي إلى تكريس واقع ميداني ملبد بالتوتر أو تكريس واقع تقسيمي طويل الأمد.

وهنا يتعين الإشارة إلى أن تعامي الإدارة الأمريكية عن عرقلة حكومة الكيان دخول المساعدات الإنسانية، ولا سيما الأدوية والإمدادات الطبية، سيقوّض أي حديث عن الاستقرار في المستقبل القريب، كما أن الأوضاع الصحية المتدهورة وانهيار البنية الأساسية يجعل من أي مبادرة أمنية خطوة غير ذات معنى إذا لم تسبقها معالجة حقيقية للاحتياجات الإنسانية العاجلة.

 

كاتب