من سيء إلى أسوأ… باراك يخلف باراك

من سيء إلى أسوأ... باراك يخلف باراك

من سيء إلى أسوأ… باراك يخلف باراك

من سيء إلى أسوأ... باراك يخلف باراك
Picture of أحمد يوسف

أحمد يوسف

كاتب ومحلل سياسي

في خطوة لافتة، أعلن وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو – يوم 29 أيار/مايو الماضي – إنهاء مهمة المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك، وفي اليوم التالي أعلن الرئيس ترامب إعادته إلى مهمته، ولكن هذه المرة عُين مبعوثًا رئاسيًا، وتوسيع مهمته لتشمل العراق خلفًا للمبعوث السابق مارك سافايا، الذي انتهت مهمته قبل أيام قليلة.

وكان باراك – الذي يشغل إضافة إلى مهمته هذه منصب السفير الأمريكي في أنقرة – قد عُيّن مبعوثًا أمريكيًا في سوريا قبل عام، وفق آلية تنص على ولاية مدتها 180 يومًا قابلة للتجديد مرة واحدة،
وإضافة إلى ذلك فهو يمد مهمته إلى لبنان، ويلتقي بالمسؤولين اللبنانيين، ويدلي بمواقفه في المواضيع اللبنانية، كأنه مبعوث أمريكي إلي بيروت من دون تكليف رسمي.

هذا التضارب بين قراري ترامب وروبيو وراءه أسباب سياسية واقتصادية تؤكد توافق مهمة باراك وأفكاره، مع أفكار ومشاريع ترامب في سوريا والمنطقة؛ ليتحول باراك من مجرد مبعوث أمريكي إلى لاعب مركزي، يدير التحوّل السياسي والاقتصادي في دمشق، ومنطقة شرق المتوسط، وليصبح اليد الأمريكية لإعادة رسم توازنات المشرق وفق رؤية واشنطن.

على الطريقة الترامبية، بدأ باراك مهمته في سوريا بتصريحات أثارت عواصف من المواقف والتساؤلات عما يريده، ومن خلفه ترامب وواشنطن، وما خطواته الآتية ليظهر أن وراء هذا الضباب والغبار أفكار ومخططات، تعمل على إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة؟

التصريح الأهم الذي أطلقه باراك كان في بدايات مهمته في سوريا، وأعلن فيه “انتهاء عصر الحدود والخرائط، التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو عام 1916”.

و “أنه لا يوجد “شرق أوسط” منطقة سياسية شرعية، بل هي مجرد تجمعات من القرى والقبائل والمجموعات العرقية”، ووصفه الدول القومية الحالية في المنطقة بأنها كيانات مصطنعة، قامت القوى الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا) برسم حدودها بخطوط مستقيمة، ولأهداف استعمارية لا من أجل السلام”.

واعتبر باراك “أن ذلك التقسيم كان خطأ ذا كلفة على أجيال بأكملها، ولن يتكرر مرة أخرى، وأن زمن التدخل الغربي انتهى، وأن المستقبل سيكون لحلول تنبع من (داخل المنطقة) وعن طريق (الشراكات) القائمة على الاحترام المتبادل”.

ورأى باراك أن “ولادة سوريا الجديدة تبدأ بالحقيقة والمساءلة و (التعاون مع المنطقة)، وأن سقوط نظام بشار الأسد فتح (باب السلام).

كما كان عرَّاب تبييض صفحة رئيس السلطة السورية (أحمد الشرع) وفتح أبواب واشنطن ونيويورك أمامه، وأدت إلى رفع اسمه – مع عدد من شخصيات السلطة – من القوائم الأمريكية والأوروبية والأممية للإرهاب.

وفي تصريحات متعددة – تخص لبنان – قال: إن “لبنان دولة فاشلة”، و”قد تواجه تهديدًا وجوديًا”، وقد تعود إلى “بلاد الشام مجددًا”، مع عودة حضور سوريا إلى الساحة الدولية.

كما أعلن أن لبنان وسوريا “يجب أن يتقاربا” لأنهما يشكلان معًا “حضارة متميزة واحدة”، ويجب النظر إلى أزماتهما بواسطة “عدسة موحدة، وانخرط شخصيًا وبقوة في المحاولات المتعلقة بنزع سلاح “حزب الله”.

الآن، وقد امتدت مهمة باراك لتشمل العراق فإن هذه الخطوة لم تأت من فراغ، لا سيما أنها جاءت متزامنة مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وفشل تحالف العدوان في تحقيق أي من مهماته التي وضعها، والمفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق إيراني أمريكي و(إسرائيلي) حول شروط وقف القتال.

كما يتوقع أن يكون لتركيا حصة في أفكار ومخططات باراك والرئيس ترامب، وهو الخبير بالموضوع التركي وبنقاط الضعف التي تعاني منها تركيا، التي لا يخفي المسؤولون الإسرائيليون أنها موجودة تحت العين الإسرائيلية، ودورها قادم مع مصر والسعودية بعد إيران، فيما لو نجح العدوان الأمريكي الإسرائيلي على طهران.

هذا يؤكد أن تصريحات باراك وتوسيع مهمته مرتبطة بتحولات في الرؤية الأمريكية والإسرائيلية والغربية للحدود الحالية لدول المنطقة، التي لم يعد لها معنى في ظل التطورات الراهنة، ووجود مشاريع لإعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وأن الحراك الأمريكي الحالي – الذي يقوده باراك – لا يتعلق فقط بإنهاء الحرب الدائرة في الخليج وفتح مضيق هرمز، وإنما بصياغة شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعدها.

وتؤكد مصادر سياسية ودبلوماسية متعددة أن باراك يقود منذ أشهر سلسلة من الاتصالات والمباحثات الإقليمية المتداخلة، التي تتجاوز ملفات الحدود والأمن والتطبيع؛ لتشمل شكل التوازنات الإقليمية التي تسعى واشنطن إلى بنائها، وتقوم على ربط الملفات اللبنانية والسورية والعراقية ضمن مقاربة واحدة، في تحول يعكس رؤية أمريكية جديدة للتعامل مع أزمات المشرق العربي.

وبحسب المصادر، فإن هذه المقاربة تنطلق من قناعة متزايدة داخل الإدارة الأمريكية أن النفوذ الإيراني في المنطقة، الذي فشلوا في تحجيمه بالطرق العسكرية، لا يمكن احتواؤه بمعالجة كل ساحة بصورة منفصلة، سواء في لبنان أم سوريا أم العراق، بل عن طريق إعادة بناء منظومة إقليمية جديدة، تستعيد فيها الدول الوطنية أدوارها السياسية والأمنية، وتتراجع فيها تدريجيًا أدوار الفاعلين المسلحين غير الحكوميين، المرتبطين بطهران، وهذا يتطلب بلورة إطار إقليمي جديد، يقوم على خلق شبكة تفاهمات بين الدول العربية وتركيا وإسرائيل تحت المظلة الأمريكية بما يسمح بإعادة ترتيب المنطقة بعد سنوات من الصراعات والحروب.

كما يؤكد باراك في لقاءاته على أن “اتفاقات إبراهام” جزءٌ من مشروع أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، يقوم على دمج إسرائيل في شبكة من العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الدول العربية (السنّية) لمواجهة (النفوذ) الإيراني.

ومن المهم الملاحظة، أن مهمة باراك في العراق بدأت مع محاولات لحل فصائل الحشد الشعبي، التي تشكل واحدة من أهم فصائل المقاومة للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي في المنطقة.

مع هذه التطورات، بات واضحًا أن توم باراك – الذي أهان شعوب المنطقة، ومجد الديكتاتورية، واعتبر أن الديمقراطية لا تليق بمنطقتنا، ولا تليق بها سوى لغة القوة – لم يعد دوره مجرد مبعوث أمريكي إلى سوريا والعراق ولبنان، وسفير لواشنطن في أنقرة، وإنما يأخذ دور المندوب السامي الأمريكي في بلاد الشام والرافدين، ويعمل على مشروع لوراثة سايكس بيكو، ويبقى السؤال: ماذا عن شعوب المنطقة وقواها الحية؟ هل ستقاوم هذا المشروع الجديد، لا سيما أنه تلقى ضربة كبيرة مع الفشل في تحقيق الأهداف، التي شن من أجلها العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أم أن باراك سينجح في مهمته؟ وننتظر بعدها مئة عام أخرى لتتوافر فرصة جديدة لنهوض المنطقة.