الغزو البري لإيران: سيناريو المستنقع الاستراتيجي

الغزو البري لإيران: سيناريو المستنقع الاستراتيجي

الغزو البري لإيران: سيناريو المستنقع الاستراتيجي

الغزو البري لإيران: سيناريو المستنقع الاستراتيجي
Picture of عبدالرحمن محمد

عبدالرحمن محمد

باحث فى العلاقات الدولية

مع تجدد اشتعال الحرب الأمريكية– الإيرانية منتصف يوليو 2026، عادت الضربات الأمريكية لتتركز على المدن والموانئ الساحلية جنوب إيران: بندر عباس وبوشهر وتشابهار وجزيرتي قشم ولارك، غير أن ما يميز هذه الموجة عن سابقاتها هو التوسع الملحوظ في استهداف البنية التحتية المدنية والعسكرية المزدوجة: عشرات الجسور والأنفاق على الطرق السريعة الرابطة بين بندر عباس وحاجي آباد وشيراز، ومحطات ضخ المياه، وتقاطعات السكك الحديدية، وأبراج الاتصالات، وهو نمط استهداف يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت واشنطن تُهيئ الأرض لعملية برية؛ فحتى مع خفوت التصعيد لاتزال الحشود الأمريكية متأهبة، والحصار البحري مستمرًا والمفاوضات دون تقدم.

فما الذي ينتظر الجيش الأمريكي إذا أقدم على ذلك؟ وما الذى تستند إليه طهران للتشدد فى موقفها التفاوضي؟

ميزان القوى البرية وعقيدة «الدفاع الفسيفسائي»:

تكشف الأرقام المجردة عن قوات برية ضخمة تنتظر الغزو الأمريكي، نحو 580 ألف جندي نشط (موزعين بين الجيش النظامي “أرتش” بنحو 350 ألف عنصر، والحرس الثوري بنحو 190 ألفًا)، يسندهم نحو ٣٥٠ ألفًا من قوات الاحتياط، إضافة لمنظومة “الباسيج” التطوعية القادرة نظريًا على حشد ما بين 600 ألف ومليون فرد في زمن الحرب1، وبذلك تحتل إيران المرتبة الثامنة عالميًا من حيث عدد القوات العاملة بين 145 دولة2، وعلى رغم التفوق العسكري للولايات المتحدة تقنيًا وكميًا، إلا أن هذا التفوق يصطدم بعقيدة عسكرية إيرانية صُممت أصلًا لتحييده لا لمواجهته وجهًا لوجه.

فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية، طوّر الحرس الثوري ما يُعرف بـ”الدفاع الفسيفسائي” أو “الدفاع اللامركزي” (دفاع موزاييكي)، وهي عقيدة قسّمت البلاد إلى وحدات شبه مستقلة موزعة على 31 قيادة إقليمية، تملك كل منها هيكل قيادة مفوَّض مسبقًا وقدرة على العمل بمعزل عن القيادة المركزية، الهدف هو استبعاد فرضية “الحسم بقطع رأس القيادة”، أي: أن اغتيال القيادة العليا – كما وقع فعليًا مطلع الحرب الحالية – لا يعني انهيار منظومة القتال، بل استمرار الوحدات الإقليمية في القتال بشكل مستقل3، ويكمّل هذه العقيدة ترسانة من القدرات غير المتكافئة: مسيّرات بكميات كبيرة، وحقول ألغام بحرية وبرية، وقوارب سريعة مفخخة، وشبكة صواريخ باليستية وكروز موزعة جغرافيًا، يصعب رصدها وتدميرها دفعة واحدة، هذه المنظومة لا تسعى للانتصار العسكري الكلاسيكي، بل لفرض معادلة استنزاف طويلة الأمد ترفع كلفة أي وجود بري أمريكي إلى مستويات سياسية غير محتملة داخليًا في واشنطن.

زاغروس والبرز… حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح:

تظهر إيران على الخريطة كوادٍ شاسع ( ١.٦٥ مليون كم) تحيطه الجبال الشاهقة؛ يجعل ذلك من أي غزو بري تحديًا لوجستيًا هائلًا، فسلسلة جبال زاغروس، الممتدة نحو ١٦٠٠ كيلومتر من كردستان العراق شمالًا حتى مضيق هرمز جنوبًا، بقمم تتجاوز 5000 متر، تشكل حاجزًا طبيعيًا يكاد يكون مستحيل الاجتياز على الحدود الغربية مع العراق، فيما تغلق جبال البرز، جنوب بحر قزوين، الطريق الشمالي، أما الحدود الشرقية مع أفغانستان وباكستان فتحرسها سلسلة جبلية أقل ارتفاعًا لكنها كافية لتعطيل أي تقدم مدرّع واسع، بينما يبقى الساحل الجنوبي – على رغم انخفاضه – محاطًا بسلاسل جبلية على عمق يتراوح بين 50 و100 كيلومتر من الشاطئ، بما يحد من عمق أي عملية إنزال برمائي.

عمليًا، هذا يعني أن أي قوة غازية ستُجبر على العبور من ممرات جبلية ضيقة يسهل استهدافها ومنعها من المرور، فضلًا عن التعقيدات اللوجستية وصعوبة الإمداد، وهو ما يمثل كابوسًا للقوات المهاجمة.

ويشير محللون إلى أن المسار البري الوحيد القابل للتنفيذ نظريًا لقوة كبيرة هو عبور الكويت إلى جنوب العراق، ثم البصرة فخوزستان، وهو – تحديدًا – المسار الذي سلكه الجيش العراقي في غزوه لإيران عام 1980، هذا المسار يحمل كلفة سياسية؛ إذ يمر بأراض دولة ذات سيادة، كما يمر عبر فضاءٍ جيوسياسي شيعيً متصل، ما يعنى تعرض القوات الأمريكية لهجمات متواصلة حتى قبل الوصول إلى الأراضي الإيرانية4.

إضافة إلى ذلك، تبعد إيران عن الولايات المتحدة بنحو ١٦ ألف كيلومتر وتفصلهما مسطحات مائية هائلة، وقد تحدث “جون ميرشايمر” عن المياه بوصفها “قوة مانعة” يصعب إظهار قوة الجيش المهاجم عبرها بصرف النظر عن حجم الجيش المستهدف ونوعيته؛ إذ يفرض هذا الواقع خطوط إمداد طويلة للغاية، وتكاليف باهظة، فضلًا عن غياب الدافع لدى الجنود الذين أتوا من وراء البحار ليقاتلوا في الصحراء5.

دروس أوكرانيا… استنزافٌ وقدرات لا متناظرة:

قدّمت الحرب الروسية-الأوكرانية درسًا استراتيجيًا لا تخطئه القيادة الإيرانية: أن التفوق التقني الهائل لا يضمن الحسم إذا واجه قدرات إنتاج ضخمة الكم منخفضة الكلفة، واستعدادًا للاستنزاف البشري.

 فقد أثبتت المسيّرات الرخيصة قدرتها على إرباك منظومات دفاع جوى تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات، فمسيرة مثل شاهد ١٣٦ تكلفة الواحدة منها بين 20 و50 ألف دولار فقط، في مقابل صاروخ اعتراضي واحد من طراز باتريوت بكلفة تقارب 4 ملايين دولار، أي بمعدل تبادل كلفة قد يصل إلى 200 مقابل 1 لصالح إيران وفق تقديرات “مجلس العلاقات الخارجية”؛ إضافة لبطء إنتاج الصواريخ الاعتراضية التي لم يتصور مصمموها أن تواجه أسرابًا من عشرات أو مئات الطائرات في وقت واحد، وحتى مع قدرة الدفاعات على إسقاط ٨٠٪ منها -كما في حرب أوكرانيا- لا تزال الــ ٢٠٪ المتبقية تتسبب بضربات كبيرة6، ومن ثَمَّ تحوّل جوهر المعركة من السيطرة السريعة على الأرض إلى سؤال أكثر جوهرية: من يستطيع الصمود اقتصاديًا ولوجستيًا وصناعيًا مدة أطول في حرب استنزاف مفتوحة؟ هذا بالضبط هو المنطق الذي تستنسخه طهران.

من ناحية أخرى: أدت الحرب الروسية – الأوكرانية إلى استنزاف بشري هائل، نحو ٢ مليوني فرد بين قتيل وجريح؛ ما يعنى أن قدرات التعبئة والتجنيد واسع النطاق لاتزال بالغة الأهمية في الحروب المعاصرة. وتستطيع إيران –٩٣ مليون نسمة-  زيادة عدد جيشها إلى ١.٨ مليون جندي خلال ٦-١٢ شهرًا7، إضافة لامتلاكها احتياطيا شبه عسكري من قوات “الباسيج” التطوعية المرتبطة أيديولوجيًا بالثورة والدولة، وهي قوة راسخة اجتماعيًا وليست مجرد تعبئة قسرية، وقد وضع الحرس الثوري خطة تعبئة لقوات الباسيج في زمن الحرب، تُعرف باسم خطة معين، وبموجبها سيجري تعزيز وحدات الحرس الثوري النظامية بأفراد الباسيج في حالة الغزو. في المقابل تواجه الولايات المتحدة معارضة داخلية شرسة لإرسال الجنود وراء البحار مع ما يتبع ذلك من تكاليف باهظة وتعقيدات لوجستية وأمنية، ما يحد من قدرتها على الحشد البشري، فضلًا عن غياب قاعدة آمنة لإنزالهم وحساسية المجتمع الأمريكي الشديدة تجاه الخسائر البشرية8.

لماذا لن تتكرر بغداد 2003 في طهران؟

في عام 2003، انهار الجيش العراقي كأحجار الدومينو خلال أقل من شهر؛ إذ استسلمت وحدات نظامية بأكملها، وفرّ الجنود من مواقعهم، وساد اعتقاد لدى الضباط والجنود أنه لا جدوى من مواجهة تكنولوجيا أمريكية متفوقة لا سبيل لمجاراتها، غير أن هذا الانهيار السريع لم يكن قدرًا حتميًا لأي جيش في المنطقة، بل نتاج بنية عسكرية مركزية هرمية؛ إذ كان صدام رئيسًا للعراق، ورئيسًا للوزراء، وقائدا عامًا للقوات المسلحة، وقائدًا لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة، ولم يكن للقادة العسكريين ولا حتى وزير الدفاع سلطة اتخاذ القرارات، ولم يكن يُسمح بنقل أي قوات أو معدات ولا حتى للإصلاح إلا بإذن كتابي من قصى بن صدام حسين شخصيًا9.

  هذا إلى جانب عزلة النظام العراقي المستبد عن قاعدته الشعبية، وتفشي القهر في ظل حكم حزب البعث، فصار منطقيًا غياب دافع القتال لدى الجنود ناهيك عن تجنيد المزيد.

إيران مختلفة تمامًا: لديهم الدفاع الفسيفسائي، والجغرافيا العنيدة التي لن تسمح بالتحرك المدرع السريع الذى نجح في التضاريس المفتوحة للعراق، وفي حين كان العراق هو صدام وحده دون سلطات أخرى، صُمم النظام السياسي الإيراني بشكل مختلف تمامًا، فعلى رغم أن المرشد يتربع على قمة هرم السلطة إلا أن معه عددًا من مؤسسات الحكم التي تمتلك صلاحيات حقيقية، السلطات الثلاث: رئيس الجمهورية والبرلمان والسلطة القضائية، إضافة للهيئات الدستورية ذات الطابع الرقابي: مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام، هذا التنوع في هيكل السلطة يضمن تعدد الكفاءات وممارسة رقابة متبادلة، ويتيح مرونة النظام في وجه الأزمات، فيما قد نطلق عليه “النظام السياسي الفسيفسائي”.

إضافة لذلك هناك الأيدولوجيا المتأصلة في ملايين المواطنين؛ فخلافًا للجيش العراقي عام 2003، تمتلك إيران منظومة مفاهيم عقائدية مترسخة، كالجهاد والاستشهاد التي تعمل دافعًا تلقائيًا لقواتها، وترسخ فكرة الدفاع المقدس عن البلاد، ولذا فبدلًا من تكرار مشهد الانسحاب الجماعي العراقي، من الأرجح أن تخوض القوات دفاعًا شرسًا بما يجعل احتمال تحول أي احتلال بري -ولو جزئي- إلى حرب عصابات واسعة النطاق أقرب بكثير من سيناريو “التفكك السريع” العراقي.

ولتعزيز سيناريو حرب العصابات فقد أشار مشروع إيران التابع لمعهد الولايات المتحدة للسلام (USIP) إلى أن مناورات الحرس الثوري المشتركة مع قوات الباسيج تضمنت عمليات نصب كمائن وهمية استهدفت أرتالًا مدرعة وطائرات هليكوبتر معادية، وقد أُجري جزء كبير من هذه التدريبات في بيئة حضرية، مما يشير إلى أن إيران تعتزم استدراج القوات المعادية إلى المدن حيث تُحرم من القدرة على الحركة والدعم الجوي القريب، وقد ركزت إيران على تدابير الدفاع السلبي – وهي تقنيات تُستخدم لتعزيز فرص البقاء في ساحة المعركة – بما في ذلك التمويه والإخفاء والخداع10.

فخ الجزر… «جزيرة الأفعى» الإيرانية:

في الأيام الأولى لغزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، تحوّلت “جزيرة الأفعى” الصغيرة في البحر الأسود من انتصار روسي إلى رمز مقاومة استنزف القوات الروسية سياسيًا وعسكريًا، فبعد احتلالها في ساعات، تكبدت القوات الروسية خسائر هائلة على مدى ١٢٧ يومًا قبل أن تنسحب أخيرًا، والتفسير بسيط: تحولت القوات المحتلة لأهداف سهلة تقصف باستمرار من الشاطئ المقابل، وثمة سيناريو مشابه يلوح في أفق أي عملية أمريكية تستهدف الجزر الإيرانية في مضيق هرمز.

فحتى لو استطاعت الولايات المتحدة تجاوز حقول الألغام والتغلب على التحصينات العسكرية والدفاعات الساحلية، وتمكنت في النهاية من احتلال الجزر فلا يبدو أن الأمر انتهى؛ لأن الاحتفاظ بالجزيرة بعد الاستيلاء عليها -في مواجهة نيران مدفعية وصاروخية ومسيرات إيرانية مستمرة من الشاطئ المقابل- يحوّلها إلى موقع محاصر يستنزف موارد الدفاع الأمريكية باستمرار، تمامًا كما استنزفت جزيرة الأفعى الصغيرة موارد الأسطول الروسي في البحر الأسود. وبذلك، فإن ما يبدو “هدفًا محدودًا” لتحقيق مكاسب رمزية أو تكتيكية سريعة قد يتحول إلى فخ استراتيجي يستنزف القوات الأمريكية. 

يبدو أن إيران لديها العوامل المناسبة لتتحول إلى خصم مصمم بنيويًا على الصمود؛ الجغرافيا وقدرات الاستنزاف والاستعداد العقائدي للقتال. في المقابل تحظى الولايات المتحدة بسجل إخفاق متكرر في مواجهه هذا النموذج كما في فيتنام والعراق وأفغانستان؛ لهذا، فإن الحديث عن غزو بري لإيران يتجاوز في الحقيقة حسابات الكلفة والعائد التقليدي؛ ليقترب أكثر من وصفه بـ”استحالة استراتيجية” لا مجرد “مغامرة عالية المخاطر”.

المصادر


  1. Council on Foreign Relations (CFR), “Iran’s Revolutionary Guards,” CFR Backgrounder, 
    https://www.cfr.org/backgrounders/irans-revolutionary-guards ↩︎
  2. Global Firepower, “Iran Military Strength,” :
    https://www.globalfirepower.com/country-military-strength-detail.php?country_id=iran ↩︎
  3. Jerusalem Institute for Strategy and Security (JISS), “Iran’s Mosaic Defense Faces Its Real Test,” :
    https://jiss.org.il/en/grinberg-irans-mosaic-defense-faces-its-real-test / ↩︎
  4. Foreign Policy , “Scenarios: Ground War Iran,” March 31, 2026, :
    https://foreignpolicy.com/2026/03/31/scenarios-ground-war-iran-trump-israel-kharg-hormuz-oil/ ↩︎
  5. جون ج. ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، (ترجمة إلى العربية)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019. متاح إلكترونياً عبر الأرشيف الإلكتروني:
    https://archive.org/details/amrabdelaziz24_gmail_201903 ↩︎
  6.  Council on Foreign Relations (CFR), “The New Era of Drone Warfare Takes Root in Iran,” CFR ,  :
    https://www.cfr.org/articles/the-new-era-of-drone-warfare-takes-root-in-iran ↩︎
  7. Firepower,  مرجع سابق ↩︎
  8. United States Institute of Peace (USIP), “Iran’s Military Doctrine,” The Iran Primer ,  :
    http://iranprimer.usip.org/resource/irans-military-doctrine ↩︎
  9. الجزيرة نت، “ما الذي تعلمته إيران من غزو العراق عام 2003؟” ٣٠ مارس ٢٠٢٦
    https://2u.pw/mE1PIg ↩︎
  10. United States Institute of Peace (USIP),  مرجع سابق ↩︎