تتولى تداعيات الحرب الأمريكية على إيران لتتجاوز دول الخليج إلى دول المنطقة بأسرها، وبصورة أكبر الأردن أدى رد إيران على الغارات الأمريكية بقصف ما تسميه “القواعد والمصالح الأمريكية” في الأردن إلى تفجير جدل واسع حول “قواعد عسكرية أمريكية في الأردن”، أثار موجة غضب شعبية ومطالبات غير مسبوقة للعاهل الأردني بإخلاء البلاد من التواجد العسكري الأجنبي.
تصدَّر للمطالبات السياسية والشعبية – هذه المرة – أعيان ووجهاء العشائر الأردنية بجانب مئات الشخصيات السياسية والقانونية، وقعوا على رسالة عامة تحذر من أن “التحالف الوثيق للأردن مع الولايات المتحدة الأمريكية يشكل خطرًا على البلاد، ويهدد سيادتها”، وتطالب بـ “انسحاب القوات الأمريكية من الأردن”، في خطوة غير مسبوقة تتجاوز الخطوط الحمراء للرأي والمعارضة في الأردن.
جاءت رسالة الشخصيات القبلية والسياسية والقانونية الأردنية – الأسبوع الفائت – بعدما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية في المنطقة (سنتكوم) عن خسائر مادية وبشرية في صفوف القوات الأمريكية بقاعدة “موفق السلطي” الجوية في الأزرق؛ لتحسم جدل وجود قواعد أمريكية، وتدحض روايات سياسيين أردنيين عن “إصابة أمريكيين كانوا بصحبة رعاة غنم في الصحراء بشظايا صاروخ”.
وكثفت إيران -مع تجدد الغارات الأمريكية عليها مطلع يوليو- من ضرباتها بالصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه الأردن، معلنة “استهداف خزانات الوقود في قاعدة ‘موفق السلطي الجوية، بوصفها مركزًا رئيسًا للقوات الجوية الأمريكية، و”استهداف ملاجئ الطائرات في قواعد أخرى”، وكذا “استهداف أنظمة الرادار والاتصالات التي تستخدمها القوات الأمريكية في الأردن”.
في المقابل، ظلت السلطات الأردنية تعلن عن “اعتراض منظوماتها الدفاعية الجوية صواريخ وطائرات مُسيَّرة إيرانية”، وتؤكد “التصدي لصواريخ ومُسيَّرات إيرانية”، بالتوازي مع دوي صفارات الإنذار في أنحاء الأردن، طوال الأسابيع الأخيرة، حتى كانت الضربة الإيرانية الأعنف لقاعدة “موفق السلطي” في الأزرق، وإقرار واشنطن بسقوط قتلى وجرحى في صفوف قواتها بالأردن.
عكست الهجمات الإيرانية على القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في دول المنطقة عمومًا، والأردن خصوصًا، تطورًا تقنيًا في صواريخها ومسيراتها، تمنع رصدها أو تشوش عليه وتحول دون اعتراضها، لدرجة دعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعليقه على قصف القوات والطائرات الأمريكية في قاعدة “موفق السلطي”، إلى إلقاء اللائمة على القوات الأردنية.
وأكدت وسائل الإعلام الأمريكية، أن “الأردن يستضيف نحو 4000 جندي أمريكي في قواعدها، وتُعدّ مركزًا للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط”، كما جاء في تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأربعاء (29 يوليو) الفائت، موضحة في تقرير آخر- الأربعاء (19 يوليو) أن “الأردن شكّلت على مدى نحو ثلاثة عقود قاعدة مهمة للعمليات العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط”.
وفقا للصحيفة، فإنه “لطالما عملت القوات الأميركية انطلاقًا من القواعد الجوية الأردنية، وكانت المملكة قاعدة لأنشطة عسكرية أميركية مثل محاربة تنظيم الدولة (داعش)، وتدريب مقاتلين معارضين خلال الحرب الأهلية السورية، وغزو العراق، بحسب تقرير صادر عن الكونغرس”، منوهة إلى أنه “جرى تكييف قاعدة ‘موفق السلطي‘ وغيرها لاستيعاب وجود أميركي دائم”.
وتنقل الصحيفة عن المستشار السابق في “البنتاغون” لشؤون الشرق الأوسط والباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، غرانت روملي، قوله: “كانت البنية التحتية في الأردن قوية من منظور أميركي منذ مدة”، وأن “موقع قاعدة موفق السلطي البعيد نسبيًا (عن إيران) يسمح للقوات الأميركية بالعمل من دون جذب انتباه غير مرغوب فيه”، مشبّها الأردن بـ “حاملة طائرات برية”.
كما تؤكد- نقلًا عن مسؤولين أمريكيين – أن “الجيش الأميركي نقل في المدة التي سبقت الحرب مع إيران وأيامها الأولى بعض قواته من عدة دول خليجية إلى مواقع أكثر أمنًا نسبيًا في الأردن وإسرائيل المجاورة”، في حين تشير تقارير أمريكية إلى أن واشنطن نقلت أيضًا عددًا من الطائرات الأمريكية المقاتلة والاستطلاعية من طرازات مختلفة، إلى قواعد الجوية للأردن و”الكيان الإسرائيلي”.
ومع أن وزير الخارجية الأردنية، أيمن الصفدي، صرح الأسبوع الماضي قائلا: إن “التبرير الإيراني للهجمات – بوجود قواعد أميركية – غير صحيح”، وأعلن خلال جلسة نقاش في منتدى آسبن للأمن: أنه “لا توجد قواعد أميركية في الأردن، لدينا قوات أميركية موجودة في الأردن في إطار تعاون عسكري طويل الأمد، ووجودهم محكوم باتفاقية دفاع تحترم سيادتنا بالكامل”.
مع ذلك، امتدت حالة استياء الأردنيين إلى نوابهم، وشهدت جلسة للبرلمان الأردني، الاثنين الماضي، هتافات غاضبة عكست سخونة المشاعر تجاه الوجود العسكري الأمريكي، ردًا على اقتراح النائب علي الخلايلة أن يقدم النواب تعازيهم للولايات المتحدة في مقتل جنودها على الأراضي الأردنية، وعلا صراخ النواب و”اتَّهم بعضهم الجيش الأمريكي بقتل الأطفال والنساء وكبار السن”.
انعكاسات سلبية واسعة:
انعكست استضافة القوات والقواعد الأمريكية سلبًا على الأردن كما هو الحال مع دول الخليج، وعلى الرغم من الحرب الإيرانية لم تخلف خسائر بشرية بصفوف الأردنيين، إلا أنها ألحقت أضرارًا مباشرة بقطاع السياحة الأردني، الذي يُشكّل ما يصل إلى 18% من إيرادات البلاد، التي تعاني من ضعف الاقتصاد، وارتفاع معدلات البطالة، وقلة الموارد الطبيعية، فضلًا عن الاستثمارات.
تؤكد التقارير الرسمية أن الحرب تسببت في إلغاء شركات الطيران رحلاتها والزوار المحتملين حجوزات الفنادق، لكن على الرغم من تفاقم آثار استضافة الأردن قوات وطائرات أمريكية، إلا أن الحكومة الأردنية تبدو عازمة على إبقائها، ولا تنوي تقليصها، بحسب تأكيد رئيس مركز الدراسات المتعهد بالمشورات للحكومة الأردنية في شؤون الأمن القومي، حسن المومني لصحيفة “نيويورك تايمز”.
وفقا للمومني فإن عمَّان لن تفكر في إعادة تقييم تحالفها مع واشنطن، مضيفا: “لا يمكن للأردن تحت أي ظرف أن يغيّر شراكته الاستراتيجية”، بينما قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة تمبل ومؤلف كتاب “الأردن: السياسة في بوتقة عرضية”، شون يوم: إنه “لا يوجد طلب جاد في الأردن للتخلي عن الاعتماد على الولايات المتحدة”، وإن “الولايات المتحدة لعبت دور الراعي والحامي للأردن منذ أجيال”.
يُرجع سياسيون هذا الموقف للحكومة الأردنية، إلى طبيعة العلاقات الأمريكية الأردنية والأوضاع الاقتصادية في الأردن، واتفقت أحاديثهم لصحيفة “نيويورك تايمز” مطلع مايو الماضي، في أن “الأردن يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الأمريكية”، بينما أفاد مسؤولون أردنيون بأن “الولايات المتحدة قدمت للأردن العام الماضي 1.65 مليار دولار أمريكي مساعدات اقتصادية وعسكرية”.
لكن الأردن بات يدفع ثمنًا باهظًا من أمنه واستقراره واقتصاده، لاعتماده الاستثنائي على الولايات المتحدة الأمريكية وتحالفه العسكري معها، الذي يحول دون تقليص الأنشطة العسكرية الأمريكية في البلاد، ما يؤجج مشاعر السخط لدى الأردنيين، ورفضهم استمرار الوجود العسكري الأمريكي في الأردن، حسبما أفصحت عنه رسالة المئات من أعيان العشائر والسياسيين والقانونيين.
هبَّة نادرة:
تكتسب الرسالة المفتوحة إلى العاهل الأردني، عبد الله الثاني، أهمية فارقة؛ لأنها نادرة في الخوض بالملفين السيادي والعسكري، اللذين جرت العادة أنهما من اختصاص ملك البلاد، ويواجه أصحاب آراء دون هذين الملفين استدعاءات للنيابة، بما في ذلك انتقاد حلفاء الأردن، وفقا لتأكيد إعلاميين وصحافيين أردنيين، بينهم الكاتب الأردني آرون ماجد، مقدم بودكاست “عن الأردن”.
يقول الكاتب آرون ماجد: إن “الحكومة سبق أن لاحقت – قضائيًا – أشخاصًا لانتقادهم ليس فقط الحكومة، بل حتى حلفائها”، ما يجعل مخاطر التعبير عن الرأي أو الاحتجاج عالية في الأردن، ويضيف في حديثه لصحيفة “نيويورك تايمز”: “في هذه الحالة، عندما ينتقدون السياسة الأمنية الأردنية، وأهم عنصر فيها، ألا وهو شراكتها مع الولايات المتحدة، فهذه خطوة جريئة”.
وبدا جليا توجيه الحكومة الأردنية، بعدم نشر الرسالة المفتوحة للعشائر الأردنية والشخصيات السياسية والقانونية؛ إذ لم تنشرها أي وسيلة إعلامية أردنية، لكن الرسالة انتشرت على نطاق واسع في تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي، بين أوساط الأردنيين على الرغم من “الرقابة الذاتية” وما يترتب على ذلك من تعريض ناشريها لطائلة القانون والمساءلة والملاحقة القضائية.
ساعد على انتشار الرسالة حملة انتقادها من دون نشر نصها، ووصف الموقعين عليها بأنهم “يساريون وقوميون وإخوان مسلمون”، على الرغم من تأكيدهم أنهم “مدفوعون بشعور بالمسؤولية الوطنية والقلق من أن وجود القوات الأمريكية يهدد سيادة الأردن”، و”يعرض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية لا تخدم مصلحة وطنية، ويزيد من احتمال جر بلادنا إلى صراع إقليمي لا تشارك فيه”.
يرتبط الأردن بمعاهدة سلام واتفاقيات مع “الكيان الإسرائيلي”، فضلًا عن الولايات المتحدة، ويلتزم بتصنيف واشنطن فصائل المقاومة “منظمات إرهابية”، وعقب اندلاع “طوفان الأقصى” في عام ٢٠٢٣، فرضت الأردن عقوبات قانونية صارمة على جرائم مثل “نشر الأخبار الكاذبة” و”تهديد السلم الاجتماعي”، مستهدفةً الصحفيين والناشطين وغيرهم من منتقدي الحكومة، وفقًا لمنظمة العفو الدولية.
وتصاعدت إجراءات الحكومة الأردنية الساعية لتجنب الانزلاق في أحداث “طوفان الأقصى” وتداعياتها؛ فحظرت الحكومة في العام 2025م نشاط جماعة الإخوان المسلمين، واتهمتها بـ “التخطيط لهجمات في البلاد”، كما داهمت قوات الأمن الأردنية مقرّ أكبر حزب معارض في الأردن، وهو “جبهة العمل الإسلامي” بوصفها الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن.
دلالات فارقة للقادم:
إلى ذلك، تبرز مفارقة لافتة، تتمثل في تجاهل الحكومة الأردنية التعليق على الرسالة المفتوحة من الشخصيات القبلية والسياسية والقانونية، وتجاهل وسائل إعلام دول المنطقة، لا سيما دول الخليج وقنوات مثل “الجزيرة” و”العربية” الرسالة، في مقابل إبراز الإعلام الأمريكي، للرسالة وموقف الشارع الأردني الرافض لتواجد القوات الأمريكية، ما يشي بدلالات مفتوحة.
وتتصدر هذه الدلالات – بنظر مراقبين – أن الاهتمام الأمريكي بموقف الشارع الأردني وتداول الإعلام الأمريكي رسالة الاحتجاج والمطالبة بإجلاء القوات الأمريكية من البلاد، قد يفهم أنه “يأتي لتأمين غطاء أو تمهيد لانسحاب أمريكي وإن لم يكن كاملًا من الأردن”، بينما يرى مراقبون آخرون أن تجاهل الإعلام الخليجية الرسالة يأتي “خشية إثارة الشارع الخليجي” لخطوة مماثلة.
كما يبرز بين الدلالات الفارقة لرسالة العشائر والنخب الأردنية المفتوحة، أن إطلاقها في ظل القيود المفروضة على حرية الرأي والمعارضة، بموجب قانون مكافحة الإرهاب وتعديلاته الأخيرة في الأردن، التي تجرم “دعم المقاومة” بالقول أو الرسم أو المال، وعدم مساءلة أو ملاحقة الموقعين على الرسالة، يشي بتنسيق محتمل بين قيادة الأردن والعشائر والنخب الأردنية.
لكن الحراك الأردني المجتمعي والنخبوي ضد استضافة قوات أمريكية، يعكس امتدادًا لموجة تجتاح نخب وأوساط المواطنين في دول الخليج، تلتقي في إظهار الحرب انعدام فاعلية القواعد الأمريكية في حماية هذه الدول، وتسبب وجودها في الاكتواء بنيران الحرب، وتحولها إلى إطار عام للرد الإيراني على الحرب الأمريكية الإسرائيلية، ما يجعل منها مصدر خطر أكثر منه عامل أمان.
ظهر اتساع هذه الموجة الخليجية، بتجاوزها النخبة وعامة المواطنين إلى خاصتهم؛ إذ أطلق رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم منتصف حرب الأربعين يوما (14 مارس) نداء لقادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى “تحرك فوري لتشكيل حلف عسكري أمني قوي على غرار حلف الناتو”، و”إنشاء قاعدة صناعات عسكرية خليجية”، ما يعني إنهاء القواعد الأجنبية.
وفي حين قال جاسم: إن “إيران التي ستظل جارة دائمة على رغم الخلافات”، فإنه شدد في دعوته قادة دول مجلس التعاون الخليجي على “ضرورة الحوار مع طهران من موقع قوة، وتحديد حدود ما يُقبل وما لا يُقبل من سياساتها”، محملًا “الكيان الإسرائيلي” “المسؤولية الأساسية” في إشعال شرارة الحرب “لتعزيز هيمنتها العسكرية والاقتصادية والسياسية في المنطقة”.
تعكس هذه المواقف المتنامية بين نخب وعامة شعوب دول الخليج والمنطقة، ضد استمرار استضافة القواعد الأمريكية، نجاحًا آخر لإيران، من استهدافها هذه القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، يتمثل في خلق بيئة شعبية ونخبوية تعزز أحد أهم مطالب طهران لاستعادة الأمن والاستقرار وإحلال السلام في المنطقة، وهو “إخلاء المنطقة من الانتشار والوجود العسكري الأمريكي”.
وتبقى الأيام القادمة، حاسمة في تحديد مصير أوضاع المنطقة، فإما نجاح الكيان الإسرائيلي” في شحن أجواء الحرب والدفع باتجاه استعادة زخم العمليات العسكرية على نطاق أوسع ضد إيران، وإما نجاح دول الخليج والمنطقة في منع حرب ثالثة بين إيران وواشنطن، ستكون الأشد هولًا على دول المنطقة، والدفع نحو مسار دبلوماسي لحسم الخلافات والملفات العالقة بما فيها مصير القواعد الأمريكية.