المقدمة
شهدت الحرب الاقتصادية في اليمن منذ عام 2015م تحولًا في أهدافها ووظيفتها، ارتبط هذا التحول بالمتغيرات التي فرضها مسار الحرب نفسه؛ فقد انطلقت المرحلة الأولى من استهداف القاعدة الاقتصادية للدولة اليمنية في مختلف المحافظات بضرب المنشآت الإنتاجية والبنية الأساسية والموانئ والمطارات وموارد الطاقة، ثم امتد الاستهداف إلى البنك المركزي في صنعاء والسياسة النقدية والإيرادات العامة والقطاع المصرفي والتجارة الخارجية، بوصفها ركائز تمويل الدولة واستمرار النشاط الاقتصادي، وبهذا أصبح الاقتصاد أحد الميادين الرئيسة للصراع، وأداة للتأثير في موازين القوة بين أطرافه.
وأدت سنوات الحرب إلى تغيرات عميقة في بنية الاقتصاد اليمني، تمثلت في تراجع القاعدة الإنتاجية، وانقسام مؤسسات إدارة الاقتصاد، واتساع الاعتماد على الواردات، والتحويلات، والخدمات المالية، والعلاقات الاقتصادية الخارجية، وهو ما غيّر طبيعة البيئة الاقتصادية التي يعمل في إطارها الصراع، ومع تعثر الحسم العسكري لم تعد آثار استهداف المنشآت الإنتاجية تحقق النتائج نفسها التي حققتها خلال السنوات الأولى، بينما ازدادت أهمية المؤسسات التي تدير النقد والتمويل والتجارة والائتمان والعلاقات الاقتصادية الخارجية، بوصفها المجال الأكثر تأثيرًا في توجيه النشاط الاقتصادي وإعادة توزيع الموارد.
وتزامن هذا التحول مع مرحلة خفض التصعيد التي بدأت منذ عام 2022م؛ إذ اتجه النشاط السعودي والغربي إلى إعادة بناء مؤسسات إدارة الاقتصاد في مناطق سيطرة الحكومة العميلة في عدن، وربطها بالمؤسسات والأسواق المالية الدولية، بالتوازي مع توسيع استخدام الأدوات المالية والمصرفية والتجارية، والعقوبات الاقتصادية للتأثير في النشاط الاقتصادي داخل مناطق سيطرة حكومة صنعاء، بما جعل السيطرة على قنوات التمويل والتجارة والعلاقات الاقتصادية الخارجية أحد أهم مجالات الصراع خلال هذه المرحلة.
وتنطلق هذه الورقة من فرضية مؤداها أن تعثر الحسم العسكري لم يؤد إلى تراجع الحرب الاقتصادية، وإنما أعاد تشكيل موضوعها ووظيفتها؛ فبعد تدمير القاعدة الإنتاجية تشكلت استراتيجية اقتصادية جديدة، تقوم على مسارين متكاملين، أولهما: إعادة بناء مركز لإدارة الاقتصاد في مناطق سيطرة عدن وربطه بالمنظومة المالية الدولية، وثانيهما: توظيف الأدوات المالية والمصرفية والتجارية والعقوبات الاقتصادية لإعادة تشكيل البيئة التي يعمل الاقتصاد في إطارها داخل مناطق سيطرة حكومة صنعاء.
وانطلاقًا من هذه الفرضية، تتناول الورقة الحرب الاقتصادية بوصفها استراتيجية متكاملة لإعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية داخل الدولة، وليس بوصفها مجموعة من الإجراءات المالية أو المصرفية أو التجارية المنفصلة.
المحور الأول: مرحلة تدمير الاقتصاد اليمني (2015م-2022م)
أولًا: استهداف القاعدة الاقتصادية للدولة:
دخل الاقتصاد اليمني الحرب عام 2015م وهو يعاني اختلالات هيكلية تراكمت خلال عقود سابقة، تمثلت في الاعتماد الكبير على النفط، واتساع الواردات الغذائية، وضعف القاعدة الصناعية، وتراجع الاستثمار الإنتاجي، واتساع الاقتصاد الريعي، ومع ذلك احتفظ بمجموعة من المقومات التي مكّنت الدولة من إدارة مواردها، وتمويل إنفاقها العام، واستمرار النشاط الاقتصادي بإنتاج النفط والغاز والموانئ والنقل والتجارة والزراعة والصناعة؛ الأمر الذي جعل هذه المقومات الهدف الأول للاستراتيجية الاقتصادية للحرب.
اتجه الاستهداف خلال السنوات الأولى إلى عناصر الإنتاج المادي؛ فشمل المنشآت الصناعية والمزارع والثروة الحيوانية والسمكية والطرق والجسور ومحطات الكهرباء والمياه والموانئ والمطارات ومخازن الغذاء والأسواق، وهي المكونات التي تقوم عليها عملية الإنتاج والتداول داخل الاقتصاد، وأسهم ذلك في تقليص الطاقة الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وتعطيل جانب مهم من النشاط الاقتصادي، وتراجع الدخل، والتشغيل، والاستثمار1.
وامتد الاستهداف إلى القطاعات التي شكلت المصدر الرئيس للإيرادات العامة والعملة الأجنبية، وفي مقدمتها النفط والغاز؛ فتراجَع الإنتاج، وتعطلت الصادرات، وانخفضت الموارد العامة، وتقلص الإنفاق الحكومي، وضعفت القدرة على تمويل الخدمات الأساسية، كما تغيرت البنية التمويلية للاقتصاد مع تراجع الإيرادات الإنتاجية واتساع الاعتماد على التحويلات والتدفقات المالية الخارجية 2 .
ولأن قطاعات الإنتاج والنقل والتجارة والمالية العامة ترتبط بدورة اقتصادية واحدة، فقد تجاوزت آثار التدمير خسارة المنشآت والقطاعات المستهدفة إلى إضعاف قدرة الاقتصاد على إعادة إنتاج موارده، وتمويل أنشطته، واستمرار مؤسساته، وهو ما مثل السمة الاقتصادية الأبرز للمرحلة الأولى من الحرب.
وأفضت هذه المرحلة إلى إضعاف القاعدة الإنتاجية، وارتفاع كلفة التداول، واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتراجع قدرة الدولة على تمويل اقتصادها من موارده الداخلية، وهي النتائج التي هيأت الظروف لمرحلة جديدة، أصبح فيها التحكم بالمؤسسات التي تدير الاقتصاد أكثر تأثيرًا من استهداف المنشآت الإنتاجية ذاتها.
ثانيًا: تفكيك مؤسسات إدارة الاقتصاد:
اتجهت الحرب الاقتصادية – بعد استهداف القاعدة الإنتاجية – إلى المؤسسات التي تدير الموارد العامة والدورة النقدية والتجارة الخارجية؛ فطالت البنك المركزي، والسياسة النقدية، والمالية العامة، والقطاع المصرفي، وهي المؤسسات التي تنظم انتقال الإيرادات، والائتمان، والسيولة، والمدفوعات، والتجارة داخل الاقتصاد.
وشكل نقل وظائف البنك المركزي من صنعاء إلى عدن عام 2016م نقطة تحول في البنية النقدية؛ إذ انقسمت وظائف الإصدار النقدي، وإدارة الاحتياطيات، والسياسة النقدية، والرقابة المصرفية، وتعددت مراكز اتخاذ القرار، وتباينت أدوات إدارة السيولة وسعر الصرف، فأصبح الاقتصاد يعمل ضمن بنيتين نقديتين متوازيتين، لكل منهما سياساتها وأدواتها ومؤسساتها، وقد كان نقل البنك المركزي قرارًا أمريكيا مباشرًا 3 .
وامتد الانقسام إلى المالية العامة؛ فتراجعت قدرة الدولة على إدارة الإيرادات بصورة موحدة نتيجة انقسام المؤسسات الإيرادية، وتراجع الموارد النفطية، واختلاف آليات التحصيل والإنفاق، وانعكس ذلك على الموازنة العامة، وقدرتها على تمويل الخدمات العامة، وإعادة توزيع الموارد بين القطاعات الاقتصادية.
كما تأثر القطاع المصرفي باختلاف التعليمات النقدية، وتراجع الاحتياطيات، وتعطل جانب من العلاقات المصرفية الخارجية، وارتفاع مخاطر التحويلات والاعتمادات المستندية، فتراجعت حركة الائتمان والتمويل التجاري، وضعفت قدرة المصارف على تعبئة المدخرات وتمويل النشاط الاقتصادي.
وأدى هذا الانقسام إلى إعادة تشكيل البنية المؤسسية التي يعمل في إطارها الاقتصاد اليمني، بحيث أصبحت السياسة النقدية والمالية العامة والقطاع المصرفي، كلها مارست وظائفها من خلال مؤسسات متوازية، لكل منها أدواتها ومصادر تمويلها وعلاقاتها الاقتصادية، وهو ما أوجد بيئة اقتصادية مختلفة عن تلك التي دخل بها اليمن الحرب.
ثالثًا: تحولات وظيفة الحرب الاقتصادية:
أدى استنزاف القاعدة الاقتصادية، وانقسام مؤسسات إدارة الاقتصاد، إلى تغير وظيفة الحرب الاقتصادية نفسها؛ فبعدما انصب الاهتمام خلال السنوات الأولى على تقليص القدرة الإنتاجية للاقتصاد، أصبحت المؤسسات التي تدير الموارد والتمويل والائتمان والتجارة، تمثل المجال الأكثر تأثيرًا في موازين القوة؛ لأنها تتحكم في الدورة الاقتصادية بأكملها، لا في أحد عناصرها فقط.
ويرتبط هذا التحول بطبيعة الاقتصاد اليمني خلال سنوات الحرب؛ إذ تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية، وازدادت أهمية الموارد المالية والواردات والتحويلات والعلاقات الاقتصادية الخارجية؛ فأصبحت المؤسسات التي تدير هذه التدفقات تؤدي دورًا يتجاوز وظيفتها الاقتصادية المباشرة؛ ليمتد إلى التأثير في قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام، وتنظيم الأسواق، واستمرار النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تغيرت وظيفة الأدوات الاقتصادية؛ فبعدما استهدفت المرحلة الأولى الأصول الإنتاجية، اتجهت المرحلة اللاحقة إلى التأثير في شروط النشاط الاقتصادي نفسه بأدوات التمويل والقطاع المصرفي والتجارة والائتمان والسياسة النقدية، بما ينعكس على تكاليف الإنتاج والتبادل، وحركة الأسواق، والأوضاع المعيشية، وقدرة حكومة صنعاء على إدارة المجال الاقتصادي.
وبذلك تركزت الحرب الاقتصادية على التحكم في المؤسسات التي تدير الاقتصاد، أكثر من استهداف الأصول التي ينتج من خلالها، وهو التحول الذي مهد لظهور استراتيجية اقتصادية جديدة بعد تعثر الحسم العسكري، اتجهت إلى إعادة بناء مركز لإدارة الاقتصاد في مناطق سيطرة حكومة عدن، بالتوازي مع توظيف الأدوات المالية والمصرفية والتجارية لفرض ضغوط متراكمة على الاقتصاد في مناطق سيطرة صنعاء.
المحور الثاني: التحول في الاستراتيجية الاقتصادية بعد تعثر الحسم العسكري
تهيأت خلال السنوات الممتدة بين عامي 2015م و2022م بيئة اقتصادية وسياسية مختلفة عن تلك التي بدأت في ظلها الحرب، فقد تعرضت القاعدة الإنتاجية لاستنزاف واسع، وانقسمت مؤسسات إدارة الاقتصاد، واستقرت خطوط السيطرة الميدانية، وأصبح استمرار كل سلطة يرتبط بقدرتها على إدارة الموارد العامة، والقطاع المصرفي، والتجارة، والعلاقات الاقتصادية الخارجية داخل نطاق سيطرتها.
وفي هذا السياق تشكلت الاستراتيجية الاقتصادية السعودية والغربية الجديدة، بوصفها امتدادًا للتحول الذي فرضه تعثر الحسم العسكري ودخول مرحلة خفض التصعيد منذ العام 2022م، واتجهت إلى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية للصراع من خلال مسارين متكاملين، أحدهما يعمل على إعادة بناء مركز لإدارة الاقتصاد في مناطق سيطرة حكومة عدن، والآخر يوظف الأدوات الاقتصادية لفرض ضغوط متراكمة على مناطق سيطرة صنعاء.
أولًا: إعادة بناء مركز إدارة الاقتصاد في مناطق سيطرة حكومة عدن:
انطلقت استراتيجية الحرب الاقتصادية السعودية والغربية من إعادة بناء المؤسسات التي تدير الاقتصاد في مناطق سيطرة الحكومة العميلة في عدن، انطلاقًا من أن التحكم في مؤسسات المالية العامة، والسياسة النقدية، والقطاع المصرفي، والعلاقات الاقتصادية الخارجية، أصبح أكثر تأثيرًا في توجيه النشاط الاقتصادي من استهداف القاعدة الإنتاجية التي استنفدت سنوات الحرب جانبًا كبيرًا من آثارها المباشرة، ولهذا اتجهت الجهود إلى بناء مركز اقتصادي يتولى إدارة الموارد، وتنظيم التدفقات المالية، وربط الاقتصاد اليمني بالمؤسسات والأسواق المالية الدولية؛ ليصبح القناة الرئيسة التي تمر منها الوظائف الاقتصادية السيادية للدولة.
وشمل هذا المسار إعادة تأهيل البنك المركزي، ووزارة المالية، والسلطات الضريبية والجمركية، والقطاع المصرفي، إلى جانب تحديث الأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم عمل هذه المؤسسات، بما يسمح بتوحيد إجراءات إدارة الموارد العامة، وتعزيز قدرتها على إدارة الإيرادات، والإنفاق، والرقابة المالية، وتنظيم النشاط المصرفي، ونفذت هذه البرامج بدعم سعودي وغربي، وبمشاركة المؤسسات المالية الدولية، في إطار مشروع أوسع لإعادة بناء جهاز إدارة الاقتصاد في عدن.
وامتد هذا المسار إلى إعادة دمج تلك المؤسسات في النظام المالي الدولي، بتطوير أنظمة الامتثال، وتعزيز العلاقة مع البنوك المراسلة، وتحديث نظم المدفوعات، ومواءمة الأطر الرقابية مع المعايير المعمول بها دوليًا؛ الأمر الذي أعاد فتح قنوات التحويلات الخارجية، وتمويل التجارة، والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، وبهذا أصبحت الإصلاحات المالية والمصرفية مدخلًا لإعادة ربط جهاز إدارة الاقتصاد في عدن بالبيئة المالية الدولية، وربط حصوله على التمويل والدعم الفني والضمانات بمدى توافقه مع قواعد تلك المنظومة 4.
وأنتج هذا المسار إعادة توزيع للوظائف الاقتصادية بين المجالين اللذين أفرزتهما الحرب؛ إذ أصبحت المؤسسات العاملة في عدن القناة الرئيسة للعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، والبنوك المراسلة، وشبكات المدفوعات العالمية، وإدارة جانب مهم من التمويل والتجارة الخارجية، بينما واجهت المؤسسات العاملة في مناطق سيطرة صنعاء قيودًا متزايدة على الوصول إلى هذه الشبكات، وهو ما منح المركز الاقتصادي الناشئ في عدن دورًا متقدمًا في إدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية، ومهّد للاتجاه الثاني من الاستراتيجية، القائم على توظيف هذا الموقع للضغط على اقتصاد صنعاء.
ثانيًا: توظيف الأدوات الاقتصادية ضد صنعاء:
استند الاتجاه الثاني من استراتيجية الحرب الاقتصادية السعودية والغربية إلى توظيف الأدوات الاقتصادية لإعادة تشكيل البيئة التي يعمل الاقتصاد في إطارها داخل مناطق حكم المجلس السياسي الأعلى؛ فبعد إعادة بناء مركز إدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية والقطاع المصرفي، وجانب من مؤسسات السياسة المالية والنقدية في عدن، أصبح بالإمكان استخدام هذا الموقع للتأثير في النشاط الاقتصادي داخل مناطق سيطرة صنعاء بالتحكم في التحويلات المالية، وتمويل التجارة، والخدمات المصرفية، والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، بما يفرض قيودًا متزايدة على حركة الاقتصاد دون الحاجة إلى توسيع عمليات الاستهداف العسكري للمنشآت الاقتصادية.
واعتمد هذا المسار على رفع كلفة ممارسة النشاط الاقتصادي من خلال تقييد القنوات التي تنتقل عن طريقها الأموال والسلع والخدمات؛ فمن ذلك إنشاء “الشبكة الموحدة للأموال” في العام 2024م، التي منعت شركات الصرافة العاملة في صنعاء من تقديم خدماتها داخل المحافظات الواقعة تحت سيطرة “حكومة عدن”؛ الأمر الذي أدى إلى تجزئة سوق التحويلات المالية، ورفع تكاليف الحوالات، وتعقيد حركة السيولة بين شطري الاقتصاد اليمني، وامتدت القيود إلى الاعتمادات المستندية، وتمويل التجارة، والخدمات المصرفية، وإجراءات الاستيراد، كما استخدمت حكومة عدن صلاحياتها التنظيمية لتعليق أو شطب تراخيص عدد من الشركات التجارية 5، إضافة إلى ممارسة ضغوط حالت دون تنفيذ بعض مشاريع الاستثمار، ومنها اتفاق إحدى الشركات الصينية مع حكومة صنعاء للتنقيب عن النفط في محافظة الجوف6، وهو ما انعكس على تكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل والتوزيع، وأصبح الوصول إلى التمويل والخدمات المصرفية والأسواق الخارجية جزءًا من تكلفة النشاط الاقتصادي ذاته.
وبالتوازي مع ذلك، توسعت الولايات المتحدة في استخدام العقوبات المالية بوصفها إحدى أدوات الحرب الاقتصادية، ولم تقتصر هذه العقوبات على استهداف أفراد أو شركات بعينها، وإنما استهدفت إعادة تشكيل البيئة التي تعمل فيها المؤسسات الاقتصادية في مناطق حكم المجلس السياسي الأعلى، بعزلها تدريجيًا عن النظام المالي الدولي (وقد أحبطت صنعاء محاولة عزلها عن السويفت الدولي 7)، ورفع مخاطر التعامل معها بالنسبة للبنوك الأجنبية، وشركات الشحن، والمؤسسات التجارية، بما يدفعها إلى تجنب أي علاقة مالية أو تجارية معها خشية التعرض للعقوبات الأمريكية أو العقوبات الثانوية.
وقد شملت هذه الإجراءات محافظ البنك المركزي في صنعاء هاشم إسماعيل، وعددًا من مسؤولي الإدارة المالية، وشركات الصرافة، مثل “الثور للصرافة” و”الحزمي للصرافة”، وشركات الشحن والخدمات اللوجستية، والشركات المرتبطة بتجارة النفط الإيراني، كما توسعت لاحقًا لتشمل مؤسسات مصرفية، منها “بنك اليمن والكويت” و”بنك اليمن الدولي”، وعددًا من الشركات التجارية والنفطية، في إطار سياسة تستهدف تضييق قنوات التمويل والتجارة والعلاقات الاقتصادية الخارجية 8.
وتكتسب العقوبات الأمريكية خطورة إضافية لأن آثارها لا تتوقف عند الأشخاص أو الكيانات المدرجة في قوائم وزارة الخزانة الأمريكية، وإنما تمتد إلى المؤسسات الأجنبية التي تتعامل معها، فبموجب نظام “العقوبات الثانوية”، تتعرض البنوك الأجنبية، وشركات الشحن، والمؤسسات التجارية لخطر فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي إذا سهلت معاملات كبيرة لصالح الكيانات الخاضعة للعقوبات، وهو ما يحوّل العقوبات من إجراء قانوني أمريكي إلى أداة تؤثر في سلوك المؤسسات الاقتصادية في مختلف الدول، وتحد من استعدادها للتعامل مع المؤسسات العاملة في مناطق حكم المجلس السياسي الأعلى، حتى وإن لم تكن خاضعة للولاية القضائية الأمريكية مباشرة.
وامتدت آثار هذه السياسات إلى القطاع الخاص، بوصفه الطرف الذي يتعامل بصورة مباشرة مع التمويل، والتجارة، والتحويلات، والخدمات المصرفية؛ فكل تشديد على هذه القنوات يرفع تكلفة السيولة، ويزيد صعوبة تمويل الواردات، وتأمين المدخلات، وإدارة العمليات التجارية؛ الأمر الذي ينعكس على مستويات الإنتاج، وحركة الأسواق، وقدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار والتوسع، كما يدفع المستثمرين والشركات الأجنبية إلى إعادة تقييم مخاطر الاستثمار والعمل داخل مناطق حكومة صنعاء.
ثم تنتقل هذه الآثار إلى المجتمع؛ لأن ارتفاع تكاليف التمويل والاستيراد والإنتاج ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ومستويات التشغيل، والدخول، والقدرة الشرائية، فتغدو الضغوط المعيشية إحدى النتائج المباشرة للحرب الاقتصادية، وبذلك أصبحت الأدوات المالية والمصرفية والتجارية والعقوبات الاقتصادية، تؤدي وظيفة تتجاوز أثرها الاقتصادي المباشر؛ إذ تسهم في إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تعمل في إطارها الحكومة الوطنية.
ويكشف هذا المسار أن استراتيجية الحرب الاقتصادية السعودية والغربية خلال مرحلة خفض التصعيد أصبحت تقوم على التحكم في القنوات التي تنتقل عن طريقها الأموال والسلع والخدمات، والعلاقات الاقتصادية الخارجية، بدلًا من الاقتصار على استهداف الأصول الاقتصادية، وأصبحت القيود المصرفية والعقوبات المالية وإجراءات الامتثال والرقابة على التجارة والتحويلات، أدوات متكاملة لإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية، ومنح هذا النمط من الحرب قدرة مستمرة على التأثير في النشاط الاقتصادي دون الحاجة إلى تكرار مستويات التدمير المادي التي شهدتها السنوات الأولى من الحرب.
ثالثًا: حدود الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة:
على الرغم من اتساع أدوات الحرب الاقتصادية التي استخدمتها السعودية والولايات المتحدة خلال مرحلة ما بعد تعثر الحسم العسكري، فإن قدرتها على تحقيق النتائج نفسها التي أحدثها التدمير الواسع للقاعدة الإنتاجية خلال السنوات الأولى من الحرب ارتبطت بجملة من المحددات التي فرضتها طبيعة الاقتصاد اليمني، واستجابة السلطة الوطنية، وسلوك القطاع الخاص؛ الأمر الذي جعل آثار هذه السياسات كبيرة، لكنها لم تبلغ حد تعطيل النشاط الاقتصادي أو إيقاف الدورة الاقتصادية بصورة كاملة.
فقد اتجهت حكومة صنعاء، بالتوازي مع تصاعد القيود المصرفية والتجارية، إلى الحفاظ على الحد الأدنى من وظائف المؤسسات الاقتصادية، واستمرار عمل البنك المركزي، وتطوير نظم المدفوعات المحلية، وإعادة تنظيم سوق الصرافة، وتشجيع استخدام البدائل المحلية في بعض القطاعات، إلى جانب اتخاذ إجراءات هدفت إلى الحد من انتقال آثار الانقسام المؤسسي إلى الداخل، والمحافظة على قدر من الاستقرار النقدي والمالي، وهو ما أسهم في استمرار النشاط الاقتصادي، وإن كان ضمن ظروف أكثر صعوبة وبتكاليف أعلى.
كما حافظ القطاع الخاص على جزء من نشاطه بإعادة تنظيم شبكات الاستيراد والتمويل، والبحث عن قنوات بديلة للتحويلات، والتكيف مع القيود الجديدة، مستفيدًا من الخبرة التي راكمها خلال سنوات الحرب، ومن مرونة الاقتصاد غير الرسمي، واتساع دور المشروعات الصغيرة، وهو ما خفف من أثر بعض القيود، دون أن يلغي آثارها على تكاليف الإنتاج والتجارة والاستثمار.
وفي المقابل، ظلت الحرب الاقتصادية تفرض آثارًا متراكمة على الاقتصاد اليمني؛ لأن الحصار والعقوبات المالية، والانقسام المؤسسي، وصعوبة الوصول إلى التمويل الخارجي، وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، جميعها عوامل أسهمت في زيادة الأعباء التي يتحملها القطاع الخاص والمستهلك، وأثّرت في فرص الاستثمار والإنتاج، وأبقت الاقتصاد اليمني في حالة ضغط مستمر؛ الأمر الذي جعل قدرة المؤسسات الاقتصادية على التكيف لا تعني تجاوز آثار الحرب الاقتصادية، وإنما الحد من اتساعها والمحافظة على استمرار الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي؛ فقد اتسعت رقعة الفقر والبطالة وركود السوق المحلية، وانهارت القدرة الشرائية، وانقطعت رواتب موظفي الدولة، ومازالت المعاناة قائمة حتى اليوم.
ومن هذا المنطلق، فإن نتائج الاستراتيجية الاقتصادية السعودية والغربية لم تتحدد بفاعلية أدواتها وحدها، وإنما أيضًا بقدرة الاقتصاد اليمني على التكيف مع القيود المفروضة عليه، وبالإجراءات التي اتخذتها حكومة صنعاء للحفاظ على استمرار وظائف المؤسسات الاقتصادية، وهو ما أوجد حالة من التفاعل المستمر بين أدوات الضغط الاقتصادي وآليات التكيف الداخلي، دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء آثار الحرب الاقتصادية أو تعطيل قدرتها على التأثير في النشاط الاقتصادي والمجتمع.
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة أن تعثر الحسم العسكري لم يؤد إلى تراجع الحرب الاقتصادية، وإنما أعاد تشكيل وظيفتها؛ فقد استنفذت مرحلة استهداف القاعدة الإنتاجية جانبًا كبيرًا من آثارها المباشرة، في الوقت الذي أفرزت فيه سنوات الحرب اقتصادًا يقوم على مؤسسات منقسمة، واعتماد متزايد على التمويل، والتجارة الخارجية، والتحويلات، وهو ما منح المؤسسات التي تدير هذه التدفقات أهمية متزايدة في موازين القوة داخل الصراع.
وفي هذا السياق، تشكلت الاستراتيجية الاقتصادية السعودية والغربية حول التحكم في البيئة التي يعمل الاقتصاد في إطارها، بإعادة بناء مركز لإدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية في عدن، وتوظيف الأدوات المالية والمصرفية والتجارية والعقوبات الاقتصادية للتأثير في النشاط الاقتصادي داخل مناطق سيطرة حكومة صنعاء، بما يجعل التحكم في قنوات التمويل والتجارة والعلاقات الاقتصادية الخارجية أحد أهم مجالات الصراع خلال المرحلة الراهنة.
غير أن هذه الاستراتيجية تعمل داخل بيئة اقتصادية واجتماعية فرضت عليها حدودًا موضوعية؛ إذ تفاعلت معها مؤسسات السلطة الوطنية والقطاع الخاص بآليات مختلفة، حافظت على استمرار الحد الأدنى من وظائف الاقتصاد، في الوقت الذي بقيت فيه آثار الحصار والعقوبات والانقسام المؤسسي والقيود المفروضة على التجارة والتمويل تشكل ضغوطًا مستمرة على النشاط الاقتصادي والمجتمع، ومن ثم، لم يعد مسار الحرب الاقتصادية يقاس بقدرته على إحداث انهيار اقتصادي شامل، وإنما بقدرته على إعادة تشكيل شروط عمل الاقتصاد، والتأثير في خياراته، وتوزيع مراكز القوة داخله، وهو التحول الذي يفسر الطبيعة الجديدة للصراع الاقتصادي في اليمن خلال مرحلة خفض التصعيد 2002م-2026م.
- “تشير البيانات الرسمية إلى أن الغارات استهدفت نطاقًا واسعًا من البنية الاقتصادية، شمل أكثر من 15 ألف منشأة غذائية، ونحو 19.4 ألف منشأة زراعية وحيوانية، وأكثر من 5600 منشأة وشبكة كهربائية، و4700 قارب صيد ومركز إنزال سمكي، وتسعة مطارات، و14 ميناءً، وأكثر من 930 محطة وناقلة وقود، ونحو 8500 وسيلة نقل، وثمانية آلاف طريق وجسر، إضافة إلى أكثر من 12.4 ألف منشأة مائية، فضلًا عن آلاف المنشآت الحكومية والخدمية”. 26 سبتمبر، ” تقرير يكشف إحصائية مفصلة لـ11 عامًا من العدوان على اليمن”، (26 مارس 2026م) متوافر على الموقع:
https://26sep.net/ ↩︎ - “تشير البيانات الرسمية إلى توقف 13 قطاعًا إنتاجيًا و32 قطاعًا استكشافيًا في النفط والغاز، وفقدان عائدات ما يقارب 90 مليون برميل من النفط سنويًا، إضافة إلى تدمير نحو 930 محطة وقود وأكثر من 163 ألف أسطوانة غاز، وهو ما أدى إلى تراجع أحد أهم مصادر الإيرادات العامة والنقد الأجنبي في الاقتصاد اليمني”. مجلة المؤشر الاقتصادي، “الأضرار والخسائر التي لحقت بالقطاعات الاقتصادية بسبب العدوان والحصار على اليمن”، وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار، العدد (2)، أبريل 2026م، ص58 ↩︎
- “نشَرَ موقعُ إنترسبت الأمريكي تقريرًا مطولًا، أمس الأول، تحدث فيه عن الدور والنشاط المريب للسفير الأمريكي لدى اليمن، ماثيو تولر، خلال جولات الحوار بين الوفد الوطني المفاوض وبين مرتزقة الرياض، والعمل على إفشال ثلاث جولات حوار…، كما ينقل التقرير ما جاء في كلمة الناطق الرسمي لأنصار الله محمد عبدالسلام في لقاء حكماء وعقلاء اليمن عندما قال إنه في اللقاء الأخير خلال المفاوضات قال السفير الأمريكي “أمامك اتّفاق يمكنك إما التوقيع عليه أَوْ أنك سوف تواجه الحصارَ الاقتصادي وسنقوم بنقل البنك، ونمنع الواردات، ونغلق مطار صنعاء”. “صحيفة المسيرة، “موقع إنترسبت الأمريكي يفضح دور سفير واشنطن في عرقلة الحل في اليمن ونقل البنك المركزي وشن حرب اقتصادية”، (16 ديسمبر 2017م) متوافر على الموقع:
https://www.almasirahnews.com ↩︎ - ” توصل صندوق النقد الدولي والسلطات اليمنية إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن السياسات والإصلاحات الاقتصادية التي يمكن أن يقوم عليها برنامج جديد يراقبه الصندوق مدة 18 شهرًا، على أن يخضع الاتفاق لموافقة إدارة الصندوق. وقال الصندوق في بيان اليوم الخميس: إن البرنامج المقترح يستهدف ترسيخ مكاسب الاستقرار الأخيرة، وتعزيز تنفيذ السياسات، وبناء سجل موثوق للإصلاحات، مع تقوية أطر السياستين المالية والنقدية ودعم نمو أكثر قوة وشمولًا. يستهدف البرنامج تقوية المالية العامة وخفض عجز الموازنة بصورة كبيرة خلال عامي 2026 و2027، مع التركيز على زيادة الإيرادات المحلية، بعدما خُفض الإنفاق الحكومي بدرجة كبيرة منذ توقف صادرات النفط في عام 2022.” الجزيرة نت، ” صندوق النقد الدولي يتفق مع اليمن على برنامج إصلاح اقتصادي”، (16 يوليو تموز 2026م) متوافر على الموقع:
https://www.aljazeera.net/ ↩︎ - بران برس، “”الصناعة والتجارة” تلغي أكثر من 8 آلاف وكالة وعلامة تجارية منها “وكالات” اكتفت بالتجديد لدى الحوثيين” (24 أغسطس 2025م) متوافر على الموقع:
https://barran.press/ ↩︎ - إدبندنت عربي، “شركة صينية تعتذر للشرعية وتلغي اتفاقا نفطيا مع الحوثي”، (22 مايو 2023م) متوافر على الموقع:
https://www.independentarabia.com/ ↩︎ - ” الضغظ بنقل البنوك من صنعاء خطوة جنونية وغبية، ولا أحد في العالم يفكر بهذه الطريقة.. والأمريكي يعرف أثر نقل البنوك السيء على واقع الشعب اليمني المعيشي وعملته والأسعار في البلد.. لن نقف مكبلين مكتوفي الأيدي أمام خطواتهم الجنونية أو نتفرج على شعبنا يتضور جوعا وينهار وضعه الاقتصادي.. على السعودي أن يدرك أنه لا يمكن السكوت على خطواته الرعناء الغبية وأن يكف عن مساره الخاطئ، وسنقابل كل شيء بمثله البنوك بالبنوك ومطار الرياض بمطار صنعاء والموانئ بالموانئ”. موقع أنصار الله، “السيد القائد للنظام السعودي: ” سنقابل كل شيء بمثله البنوك بالبنوك ومطار الرياض بمطار صنعاء والموانئ بالميناء”، (7 يوليو 2024م) متوافر على الموقع:
https://www.ansarollah.com ↩︎ - السفارة الأمريكية لدى اليمن، “وزارة الخزانة تستهدف مخططات الحوثيين المتعلقة بعمليات الشراء والتمويل”، (19 ديسمبر 2024م) متوافر على الموقع:
https://ye.usembassy.gov ↩︎
