من يقود الآخر؟ قراءة تحليلية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

من يقود الآخر؟ قراءة تحليلية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

من يقود الآخر؟ قراءة تحليلية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية

من يقود الآخر؟ قراءة تحليلية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
Picture of عبدالله مصلح

عبدالله مصلح

كاتب وباحث سياسي

إن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي ليست مجرد علاقة ثنائية بين طرفين، ولا تحالفًا سياسيًا عابرًا، بل هي علاقة معقدة ومتداخلة، تجمع بين الأهداف الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية والروابط الدينية، والتحولات الجيوسياسية.

لقد مرت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمراحل متعددة، بدءًا من الاعتراف السياسي، ومرورًا بالتحالف ثم الشراكة، وانتهاء بالتبعية الكاملة.

مرحلة الاعتراف السياسي:

منذ العام 1948م حين زرعت بريطانيا هذا الكيان اللقيط داخل الجسم العربي، سارع الرئيس الأمريكي هاري ترومان للاعتراف بهذا الكيان الإسرائيلي خطوة سياسية وصفت حينها بأنها مجرد دعاية انتخابية تستهدف كسب أصوات اليهود في الداخل الأمريكي.

ولم تتجاوز العلاقة بين أمريكا وإسرائيل مرحلة الاعتراف السياسي، دون الإعلان عن تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لإسرائيل، حتى لا ينعكس ذلك سلبًا على علاقاتها مع الدول العربية، وتحديدًا الدول المصدرة للنفط، الذي يذهب معظمه للولايات المتحدة الأمريكية.

وظل الكيان الإسرائيلي قرابة العقدين من الزمن وهو يدعي اعتماده على الدعم العسكري والاقتصادي الأوروبي – لا سيما من فرنسا وبريطانيا – دون أن يفصح الكيان عن حجم الدعم العسكري الذي يتلقاه من أمريكا “قائدة النظام العالمي الجديد”.

 وفي يونيو 1967م، اندلعت الحرب بين الكيان الإسرائيلي وكل من مصر والعراق وسوريا والأردن، واستمرت ستة أيام، التي انتصرت فيها إسرائيل، واحتلت خلالها سيناء (مصر) وقطاع غزة والضفة الغربية (فلسطين) والجولان (سوريا).

مرحلة التحالف الوظيفي:

بعد انتصاره في حرب 1967م قدم الكيان الصهيوني ذاته للأمريكيين بوصفه اليد الطولى لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، وقاعدة نفوذ أمريكية متقدمة لمواجهة تمدد النفوذ السوفيتي في المنطقة خلال مدة الحرب الباردة.

وتعاملت الولايات المتحدة الأمريكية مع الكيان الإسرائيلي بوصفه حليفًا وظيفيًا يؤدي دورًا في خدمة المصالح الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط.

وقدمت أمريكا المزيد من الدعم العسكري والاقتصادي لإسرائيل؛ بهدف تحويلها إلى قوة ردع إقليمية؛ إذ زودتها بمختلف أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية الأمريكية، إلى حد وصف إسرائيل حينها بأنها أشبه بـ”حاملة طائرات أمريكية غير قابلة للغرق”.

لكنها أوشكت على الغرق في حرب أكتوبر عام 1973م، فاضطرت أمريكا وقتئذ إلى تشكيل جسر جوي ضخم لإنقاذ إسرائيل.

مرحلة التحالف البنيوي:

بعد هزيمة إسرائيل في حرب 1973م، عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقديم ذاتها وسيطًا بين إسرائيل والعرب، وحرصت على عقد اتفاق سلام بين إسرائيل ومصر، التي تمثل رأس الحربة العربية والخط الأمامي الأول في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

وفي عام 1978م أُعلن عن توقيع اتفاقية “كامب ديفيد للسلام “بين مصر والكيان الإسرائيلي برعاية أمريكية.

وعقب هذه الاتفاقية تحولت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من “تحالف وظيفي” إلى “تحالف بنيوي” بشكل ثابت ودائم، ولم يقتصر الدعم الأمريكي لإسرائيل على تقديم الأسلحة العسكرية فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى إنشاء صناعات دفاعية مشتركة بين الطرفين، وبناء شراكة مؤسسية مفتوحة ومسنودة بتشريعات وقوانين رسمية.

وتطورت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لتغدو علاقة مستدامة وعصية على المتغيرات السياسية أو الاقتصادية، فلا تتأثر بتغيير الرؤساء ولا تخضع حتى لرغبة ومزاج الرئيس الأمريكي؛ إذ أُصدرت عدد من القوانين الأمريكية لدعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا، وهي قوانين ملزمة للسلطات الأمريكية الفيدرالية والمحلية.

ففي العام 1987م صدر قانون لتصنيف إسرائيل حليفًا رئيسًا للولايات المتحدة خارج حلف الناتو.

وفي عام 1995م صدر قانون ينص على اعتبار القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهو ما حدث في العام 2018 في عهد الرئيس ترامب.

وفي عام 2008م صدر قانون أمريكي ينص على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على جميع دول منطقة الشرق الأوسط.

إضافة إلى عدد من قوانين التعاون الدفاعي والصاروخي، التي تنص على منح إسرائيل امتيازات عسكرية وتقنية واستخباراتية خاصة، وهذا ما تتضمنه جميع قوانين الدفاع السنوية الأمريكية.

يضاف إلى ذلك قوانين تتعلق بدعم التطبيع العربي الإسرائيلي، وآخرها قانون لدعم ما تسمى بـ “اتفاقات أبراهام”.

ولم تكتف الولايات المتحدة بقوننة علاقتها مع إسرائيل، بل أقرت أكثر من 32 ولاية أمريكية قوانين تعاقب الشركات والأفراد الذين يقاطعون إسرائيل أو يرفضون التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين المحتلة.

كما يناقش الكونغرس الأمريكي بشكل متكرر مشاريع قوانين لإدانة المقاطعة ومعاقبة كل من يدعو إليها أو يدعمها.

مرحلة الانحياز الكامل:

بعد أحداث 11 سبتمبر2001م ذات البصمة الصهيونية الواضحة، نجحت تل أبيب في إقناع إدارة البيت الأبيض بربط الأمن الإسرائيلي بالأمن القومي الأمريكي، بل والأمن العالمي، من خلال تصوير التهديد الذي تواجهه إسرائيل بأنه نفس التهديد الذي تواجهه أمريكا، المتمثل فيما يسمى بـ”الإرهاب” الذي هو صناعة صهيونية أمريكية؛ لتوفير الغطاء القانوني للتدخل والتحكم بمنطقة الشرق الأوسط، وتمكين الصهاينة من تحقيق حلمهم بإقامة “إسرائيل الكبرى”.

وخلال العقد الأخير، أزاحت الولايات المتحدة الأمريكية ما تبقى من قناع الحياد الذي كانت تتدثر به أمام حلفائها العرب، وكشفت عن وجهها الصهيوني القبيح، مؤكدة أن العلاقات الأمريكية الصهيونية لم تعد مجرد علاقات مصالح مشتركة أو تحالف ثنائي، بل هو تحالف أيديولوجيا عميق وراسخ.

واتضح ذلك جليًا خلال المدة الأولى من ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (2017 – 2020)؛ إذ جرى الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الشريف.

كما أُطلق ما تسمى بـ”اتفاقيات أبراهام” لفرض التطبيع العربي مع الاحتلال الصهيوني.

وتكلل هذا الانحياز الأمريكي بإطلاق العنان ليد الكيان الصهيوني بقتل أكثر من 73 ألف مواطن فلسطيني خلال حرب الإبادة التي بدأها الكيان في أكتوبر 2023م، وما زالت مستمرة حتى اليوم، وبأسلحة أمريكية تقدر بـ115,600 طن خلال عامين.

منظمة “أيباك”:

في العام 1951م -أي بعد ثلاث سنوات من الاحتلال الصهيوني لفلسطين- تأسست ما تسمى “اللجنة الصهيونية الأمريكية للشؤون العامة” في العاصمة الأمريكية واشنطن، بوصفها جماعة ضغط “لوبي” وحلقة وصل بين تل أبيب وواشنطن؛ لضمان استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل ماليًا وعسكريًا وسياسيًا.

وفي العام 1959م أُعيد تشكيل هذه المنظمة تحت اسم “اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية”، ويطلق عليه اختصارًا اسم “أيباك AIPAC”.

وتضم في عضويتها منظمات صهيونية مثل “بناي بريث” وغيرها، إضافة إلى شخصيات سياسية ودينية سواء من اليهود الأمريكيين أم المسيحيين ممن يعرفون بـ”الصهاينة المسيحيين أو الصهاينة الإنجيليين”.

وتعقد اللجنة مؤتمرات دورية منتظمة يشارك فيها مسؤولون أمريكيون وأعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب وغيرهم.

إسرائيل الأمريكية:

كثيرًا ما يثار الحديث حول جدلية العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، ومن يتحكم بالآخر؟ هل تقود الولايات المتحدة إسرائيل أم أن إسرائيل تشكل أسطورة “الذيل الذي يهز الكلب” وأنها صاحبة التأثير الأقوى في الإدارة الأمريكية؟

صحيح أن إسرائيل تتقن نفث سموم التأثير في صانعي القرار في البيت الأبيض من خلال صناعة واستغلال بعض الأحداث، واستثمار تغلغل اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي، وهو ما أكده نائب الرئيس الأمريكي “جيه دي فانس” في مقابلة له مع بودكاست “جو روجان إكسبيرينس” الشهير، منتصف يوليو الجاري.

 وعلى الرغم من ذلك تبقى الكلمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الولاية الكبرى على إسرائيل.

ذلك لأنها ببساطة هي من تقدم الدعم المالي والعسكري والسياسي لإسرائيل، إضافة إلى الحماية الدبلوماسية “الفيتو”، وتوفير “شبكة أمان” وجودية لإسرائيل، والتحكم في مسارات السلام والتطبيع، وتحديد السقف العام للصراع، ورسم السياسات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، ومواجهة خصوم إسرائيل في المنطقة “إيران وحزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية وحركة أنصار الله اليمنية.

ولهذا فإن الانحياز الأمريكي الكبير إلى جانب الكيان الإسرائيلي ليس بسبب قوة تأثير اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية – كما يظن بعضهم – وإنما هو قرار أمريكي محض، بل عقيدة أمريكية ثابتة ومقدسة، وإن كان بعض المسؤولين الأمريكيين يبررون لحلفائهم العرب ويرمون بالمسؤولية تلقاء اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي، وإبراز أدواره بشكل مبالغ فيه، وتصوير أمريكا بأنها مجرد راعية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

كما يحرص الكيان الإسرائيلي على تضخيم نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية؛ بهدف تخويف الدول العربية، وبث روح الاستسلام وإشاعة الثقافة الانهزامية لديها.

وثمة الكثير من الوقائع والحقائق التاريخية الدالة على أن أمريكا هي من تتحكم بإسرائيل وليس العكس، وأهمها:

  • في عام 1957م وجه الرئيس الأمريكي الأسبق (دوايت أيزنهاور) إنذارًا شديدًا لإسرائيل بضرورة الانسحاب من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة عقب العدوان الثلاثي على مصر.
  • في عام 1974م أجبر الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون على تنفيذ اتفاقية فض الاشتباك مع مصر.
  • في عام 1982م أمر الرئيس الأمريكي رونالدو ريغان إسرائيل بوقف هجماتها على لبنان ورفع حصارها عن بيروت.
  • في عام 1991م وجه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بوقف بناء المستوطنات الصهيونية في فلسطين، كما منع إسرائيل من الرد على عشرات الصواريخ العراقية التي استهدفت الأراضي الفلسطينية المحتلة بقرار من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
  • في عام 2015م وقع الرئيس الأمريكي أوباما “الاتفاق النووي” مع إيران على الرغم من المحاولات الإسرائيلية المتعددة لمنع هذا الاتفاق.
  • في يونيو 2006م شن الكيان الإسرائيلي حربًا على لبنان بقرار أمريكي ضمن ما يسمى “الحرب على الإرهاب”، وكانت أمريكا أكثر تشددًا في تلك الحرب من إسرائيل التي كانت تؤدي دورًا وظيفيًا لخدمة الاستراتيجية الأمريكية.
  • في عام 2024م قام أضعف رئيس أمريكي، وهو “جوبايدن” بتوبيخ أقوى رئيس حكومة للاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو؛ بسبب مقتل 7 من موظفي الإغاثة بغارة إسرائيلية في غزة، وأقر نتنياهو بالمسؤولية عن الغارة، ووصفها بـ”الخطأ الجسيم”، وقام على إثرها بإقالة قائدين عسكريين بارزين من منصبيهما، فيما لاذ الرئيس الأمريكي بالصمت حيال مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين معظمهم من النساء والأطفال.
  • في حرب الـ12 يومًا على إيران، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف الغارات الإسرائيلية على إيران، وعادت فورًا الطائرات الحربية الإسرائيلية من الجو إلى مرابضها بعد وقت قصير من إقلاعها.

خلاصة القول:

أن إسرائيل مجرد أداة وظيفية جيوسياسية للولايات المتحدة الأمريكية، التي تتولى رسم الخطوط الحمراء للسياسات الخارجية الإسرائيلية، وتحدد هوامش المناورات السياسية والإعلامية، وتضبط إيقاع الخلافات العلنية الصورية بين الجانبين.

وفي منعطفات الصراع الكبرى تتجلى سيطرة واشنطن على تل أبيب، ويرفع المايسترو الأمريكي عصاه في وجه إسرائيل حين تخرج عن الهامش المسموح لها به، وتتجاوز الخطوط الاستراتيجية العريضة.

ومع ذلك تظل العلاقة بين أمريكا وإسرائيل علاقة مصيرية، بل تحالفًا وجوديًا، وتشابكًا عقائديًا، وتداخلًا هيكليًا، يؤكد – بما لا يدع مجالًا للشك – واحدية المشروع الأمريكي الصهيوني، وأن إسرائيل هي “أمريكا الصغرى”، وأن أمريكا هي “إسرائيل الكبرى”.