يمكن قراءة انهيار قوات الدعم السريع في السودان من منظور عسكري والوصول إلى نتائج تفسر ذلك، ويمكن قراءة الحالة نفسها (لا تزال مستمرة) وتفسيرها سياسيًا والوصول إلى نتائج أيضًا، في وقت يمكن تفسيرها باستحضار التأثيرات الشعبية والاجتماعية والقبلية بوصفها عوامل وأدوات رئيسة ثابتة أضيفت إليها الأسلحة العسكرية والسياسية والمتغيرات الإقليمية والدولية. لقد فشلت قوات الدعم السريع في الخروج من الصورة المرسومة لها شعبيًا واجتماعيًا بوصفها مجموعة مسلحة غير رسمية، على رغم تنقلها من التحالف مع الرئيس الأسبق عمر البشير إلى المشاركة في الإطاحة به في أبريل 2019، مرورًا بالتظاهر بالثورية قبل أن تنتقل إلى تنفيذ الصدام مع الجيش في 15 أبريل 2023 والانزلاق إلى حربٍ لا تزال مستمرة، لكنها تبدو في مأزق بوصفها تجربة متعثرة.
مقدمة
في منتصف العام 2023 بدا الجيش السوداني الذي يقوده البرهان أكثر تشددًا خلال مفاوضات “جدة” التي نظمتها السعودية والولايات المتحدة الأمريكية “لمحاولة وقف الحرب” بين الجيش وقوات الدعم السريع.
حدث ذلك بينما كان الجيش السوداني بقائده عبد الفتاح البرهان محاصرًا في القيادة العامة للقوات المسلحة من خصمه وحليفه السابق محمد حمدان دقلو ” حميدتي “، في وقتٍ يسيطر فيه الأخير على مناطق رئيسة وسيادية، بينها مطار الخرطوم والقصر.
وفي المحاولة التالية لجمع الطرفين مرة أخرى في السعودية بمدينة جدة منتصف مايو/آيار 2024 فشلت الجهود للمحددات ذاتها، إذ ظهر البرهان والجيش أكثر تشددًا من قوات الدعم السريع، ومنذ ذلك الوقت المبكر من هذه الحرب الطويلة يمكننا تفسير انهيار قوات الدعم السريع وتفككها الآن في يونيو 2026.
حيث تحول هذا الصمود والتشدد العسكري للجيش إلى استراتيجية استنزاف اصطدمت بالتعقيدات والمطبات أمام مخطط الدعم السريع الذي رُسم قبل 15 أبريل 2023، لتبدأ التأثيرات الشعبية والاجتماعية الداخلية بفعل فعلها في تسريع هذا الانهيار.
وتسعى هذه الدراسة لتقديم التعريف الذي يتوافق مع معطياتها ويدعم فرضيتها القائلة: “إن انهيار الدعم السريع في السودان وتفككه يتجاوز العوامل العسكرية والعمليات القتالية، إلى عوامل اجتماعية وقبلية وفكرية وسياسية داخلية، يمكن أن تتكرر في دول أخرى من دول القرن الأفريقي”.
فالدعم السريع في التعريف الشعبي والاجتماعي والقبلي في السودان، ما هو إلا مليشيات دعمها النظام السابق ورئيسه عمر حسن البشير لقمع تمردات ومجموعات مسلحة في إقليم دارفور، قبل أن يقرّبها منه منذ العام 2013. وعلى الرغم من أن الرئيس السوداني السابق عمر البشير رسمنها ودمجها بالجيش عام 2017، فقد بقي تعريفها المجتمعي الثابت هو “مجموعة الجنجويد”، مثلما بقي تعريف قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي” – الذي ينحدر من دارفور – كقائد مليشيا مسلحة ارتبطت تاريخياً بعنف دارفور.
عندما قرر الجيش السوداني أن يطيح بقائده الرئيس البشير في أبريل 2019 بعد احتجاجات شعبية، كان لا بد أن ينسق مع الدعم السريع لتجنب الصدام، على أن روايات كثيرة في الأسابيع الأخيرة للبشير جرت جميعها في المطبخ العسكري بينها “صفقة الإطاحة” 11أبريل /نيسان 2019.
لقد ظهرت قوات الدعم السريع ومحمد حمدان دقلو “حميدتي” في الأيام الأولى عقب عزل البشير واحتجازه ومجموعة من عناصر نظامه شريكًا للجيش، لكنها في المنظور والميزان الشعبي أكثر سوءًا، وقد توزع تصنيفها -بالإضافة إلى كونها مليشيات عنيفة عقب الثورة – إلى:
- صنيعة النظام السابق.
- تملك ثورات ومؤسسات اقتصادية هائلة.
- عدو محتمل للقوى المدنية التي تطلعت لاستلام السلطة.
إنها أمام خصوم متعددين على المستوى السياسي والقبلي والاجتماعي والشعبي، يدخل في ذلك: أحزاب المعارضة – قادة التمردات والجماعات المسلحة شرق السودان وشماله، وهي كذلك أمام القوى المدنية الشابية النقابية التي قادت الاحتجاجات الشعبية، ومع إدراك “حميدتي” الكثير من الواقع المعقد في طريقه الجديد وسودان ما بعد الانقلاب، أظهر خطابًا ثوريًا وقبليًا وأحيانًا مدنيًا، في وقت كان يعرف عن قرب تمسك الجيش بالسلطة، والمناورة التي قادها الطرفان بدعم خارجي عربي وأمريكي لمنع تسليم السلطة للقوى المدنية.
وخلال السنوات الـ4 التي مضت قبل انقلابه على الانقلاب العسكري في أبريل 2023، أي: ما بين 2019 – 2023 كانت مجموعته العسكرية القابضة بقوة في العاصمة السودانية الخرطوم وولايات أخرى، قد اتسعت من 70 ألفًا إلى أكثر من 100 ألف مقاتل، حدث ذلك وعزز معه احتكاكات العسكر. الشكوك المتبادلة بين الجيش وقوات الدعم السريع بدأت سريعًا بالظهور على رغم استمرار اتفاق البرهان وحميدتي في معركة موحدة لإقصاء القوى المدنية.
لم يكن ذلك وحده الذي يتشكل في السودان خلال ثلاثة عقود من حكم البشير.
لقد كانت المدة “الانتقالية” التي تمددت بفعل تمرد العسكر وانقلاب ما يعرف بـ 25 أغسطس 2021 وعزل القوى المدنية انعكاسًا للصراع، كان ذلك قادمًا مختلفًا. من المكان نفسه من أعلى، ولكن هذه المرة منفردين، نظر كل من البرهان وحميدتي إلى العوامل والظروف المحلية والإقليمية والدولية القابلة لتعمل لصالح انقلاب جديد.
تقديرات الدعم السريع قبل التمرد
تستند حسابات وتقديرات الدعم السريع قبل الإقدام على خطوة التمرد إلى عددٍ من المحددات الجيوسياسية والميدانية:
- حاجة ملحة لتكوين قاعدة شعبية متعددة لكيانٍ غير مقبولٍ مجتمعيًا.
- استغلال حالة الانقسام والتنافس والتباينات الحادة في صفوف القوى المدنية.
- وجود أقطاب وقيادات تمرد سابقة قابلة للاستمالة والتوظيف السياسي..
- المراهنة على أطراف خارجية (إقليمية ودولية) لا ترى مستقبل السودان في وجود قوى مدنية، وتُحركها أطماع اقتصادية واضحة.
- امتلاك قوات وسلاح ومصالح ونفوذ يُمثل طفرة مؤقتة وضرورات لا يمكن الحفاظ عليها في وقت لاحق.
هذه الخارطة كانت منظورة ومكشوفة من قِبل الطرفين، وقد تحولت فيما بعد لتصبح المحور الرئيس في النزاع والحرب والصراع، وأُضيفت إليها التدخلات الخارجية لتغدو عاملاً رئيساً في استمرار هذه الحرب. ونحن إذ نقوم بعزل سلوك الجيش هنا ومساره، فليس من باب تبرئته أو إغفال حقبته، بل بغرض توحيد سياق الورقة وتركيزها باتجاه المسار التحليلي الذي يعزز دقة النتائج المطلوبة.
عندما قرر الدعم السريع الانقلاب، كان قد ضمن دعماً خارجياً نسّق معه الترتيبات، وتحالفٍ داخليٍّ — لا يُعرف — لكنه بالضرورة سيكون مع جناحٍ عسكريٍّ وسط الخلافات والتباينات التي أشرنا إليها سابقاً. لقد كانت المسألة مجرد مسألة توقيت و’ضوء أخضر’ إقليمي اتضحت معالمه لاحقاً، ليحدث الانفجار في 15 أبريل/نيسان 2023؛ بيد أن الاصطفاف الإقليمي والدولي لم يكن منقسماً مثلما كان الداخل.
هذا المشهد المعقد هو تماماً ما أدركه البرهان — ومعه الجيش — عندما كانا وسط الأزمة ومع بداية المواجهة، مع استثناء مصر التي سارعت إلى التواصل مع البرهان. وهنا يمكن العودة إلى نقطة الارتكاز في بداية الورقة؛ إذ كان رفض البرهان وتشدده في لقاء ‘جدة’ — على الرغم من وضعه العسكري — نابعاً من رفضه أية محاولة للتسوية بالطريقة التي هندستها واشنطن والرياض، والتي تقوم على ميزان متساوٍ “بين دولة ومليشيا”، وهو ما يعني الآتي:
- عدم إدانة قوات الدعم السريع.
- عدم الاعتراف بحدث 15 أبريل بوصفه انقلابًا.
- تصنيف الجيش وقوات الدعم السريع كطرفين متساويين.
- دعم تسوية تعتمد الذهاب نحو طرف ثالث (عسكري ومدني) يُدمج بدعم إقليمي ودولي.
وعلى الرغم من أن الدعم السريع هو الآخر لم يكن متحمساً للتسوية على قاعدة ‘لقاء جدة’، فإنه أدرك أيضاً أن هناك صعوبات قادمة وأن الانقلاب الكامل لم ينجح، بينما كانت بواعث رفض الجيش لـ ‘لقاء جدة’ والدعوات اللاحقة تستند إلى حسابات لم تكن عسكرية بحتة، بل كانت أشمل، وتأخذ في الحسبان العوامل الآتية:
- الرفض الشعبي الواسع لقوات الدعم السريع.
- هشاشة التحالف الذي يمكنه أن يتشكل مع الدعم السريع أو يتخذ موقف الحياد.
- الإدراك المبكر لعلاقة الإمارات (وشكوك قوية حول علاقة كيان العدو الإسرائيلي بالدعم السريع).
جميع هذه الحسابات انعكست في الإعلام كدعمٍ للجيش، مستفيداً كذلك من استمرار التعاطي الأفريقي والأممي مع البرهان والجيش بوصفه طرفاً يمثل الشرعية. وقد أثبتت الوقائع اللاحقة دقة تقدير الجيش السوداني، أي: أن الخلفيات الداخلية تُمثل قوة رئيسة في المعركة؛ فالتعريف الشعبي والاجتماعي لقوات الدعم السريع، والاصطفاف السياسي والقبلي التقليدي، تفاعلت جميعها لمنح الجيش زخماً في القتال ابتداءً من العاصمة الخرطوم، وصولاً إلى سيطرة الجيش على أغلب ولايات البلاد.
الدور الخارجي… السلاح يعمق الفجوة مع الداخل
في الحروب الأهلية الداخلية يؤدي تقدير السكان وتوصيفهم للنزاع دورًا حاسمًا لصالح طرف يجد اصطفافًا طوعيًا أوسع، وتسقط الكثير من الخصومات المحلية لصالح طرف يكون تقديره رأس حربة في مواجهة أطرف يكون النظر إليها -شعبيًا- تهديدًا، لقد انطبق ذلك بدرجة عالية مع الجيش السوداني، وهي حالة تتشابه مع الكثير من النماذج في الصراعات الداخلية.
إن أغلبية واسعة من الشعب السوداني لم يكن ولا يزال ينظر إلى الحرب بوصفها انقسامًا عسكريًا، واستفاد البرهان من أن الشائع والمتداول – رسميًا وسياسًا وشعبيًا – أن أحد أسباب الحرب مع الدعم السريع رفض البرهان دمج عشرات الآلاف من العناصر التي أضيفت لقوات الدعم السريع، ومع ذلك يمكن الإقرار بأن خارطة التحالفات بدت خلال 2024-2025 كما لو أنها تشرح انقسامًا ساحقًا، عسكريًا وسياسيًا وفصائليًا ومدنيًا.
وعلى أنها مكنت الدعم السريع من الظهور طرفًا يملك قدرة على مماثلة الجيش، عن طريق تشكيل حكومة مدنية تدير المدن والمناطق التي سيطر عليها، وهي خطوة نجحت وقتيًا وظاهريًا، لكنها –أيضًا- تعرضت لضربة كبيرة مع ظهور التدخل الخارجي الإماراتي، ويلحق به في التداول الشعبي تدخل إسرائيلي.
لا يمكن إنكار التدخلات الخارجية على مدى عقود في تمويل وتسليح ودعم الجماعات المسلحة والتمردات المتعددة في السودان بدءًا بدعم انفصال جنوب السودان منذ ستينيات القرن الماضي، وصولًا إلى الانفصال 2011، بالإضافة إلى دعم الجماعات المسلحة خلال حرب دارفور الأليمة منذ 2003، مع ذلك كان المتدخلون الإقليميون المباشرون يحاولون تبني مواقف محايدة، أو يقللون من السلاح العابر إلى الجماعات، وزاوية أخرى أن الهدف دفعُ السودان نحو التقسيم، وقد فشلت الفصائل المسلحة ورضخت في مدد معينة لحوارات ومصالحات.
كانت علاقة التدخل الإماراتي بقوات الدعم السريع – بما في ذلك مده بأسلحة حديثة على غرار الطائرات المسيرة – تهدف إلى تغيير النظام في السودان، وهو تحول تفاجأ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان به على رغم أنه سعى لإقامة علاقة جيدة مع الإمارات، وأبعد من ذلك الانخراط في التطبيع مع كيان العدو الإسرائيلي.
ولأن الورقة تبحث تأثير التدخل الإماراتي، فإن القاعدة الافتراضية السابقة – التأثيرات الشعبية والاجتماعية الداخلية في انهيار الدعم السريع – تعمل بدرجة عالية لأسباب كثيرة:
- الانطباع الشعبي العربي تجاه دعم الإمارات لجماعات وتمردات انفصالية في المنطقة بوصفه تدخلًا سلبيًا يهدد الاستقرار ووحدة الدول.
- علاقة الإمارات وتنسيقها مع كيان العدو الإسرائيلي وتبني مخططاته في المنطقة، وقد ظهر ذلك في القرن الأفريقي واليمن عن طريق دعم مجموعات تعلن إمكانية تقاربها مع العدو الإسرائيلي: الانتقالي الجنوبي – مجموعة طارق صالح – حكومة هرجيسا في الجيب الصومالي على البحر الأحمر – أرض الصومال.
- العداء الإماراتي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية لكل حركات التحرر في الوطن العربي: فصائل المقاومة الفلسطينية – المقاومة اللبنانية حزب الله – الحكومة اليمنية في صنعاء – أحزاب ومقاومات إسلامية في ليبيا والسودان، وجميعها تُصنفها ” جماعات إرهابية “.
صحيح أن الدعم الإماراتي العسكري لقوات الدعم السريع قد ساعد في المواجهات الميدانية، لكنه في المقابل قد ساعد في جعل قوات الدعم السريع في المنظور الشعبي العام فصيلًا متمردًا يعمل لصالح دول أجنبية، وأسهم في ذلك ارتكاب الدعم السريع إعدامات وتصفيات وأعمال قتل للمدنيين، حاول لاحقًا الإقرار بأنها أخطاء، أشهرها مذابح مدينة الفاشر عاصمة دار فور في الأشهر الأخيرة من العام الماضي 2025.
التشكيلات الداخلية
تفاعلت الأحداث كما توقعتها الأطراف المتصارعة حول تشكّل القوى الداخلية الفاعلة مع الطرفين، وعملية التركيب في الدعم السريع حددت مسبقاً كيف ستنتهي؛ وهو حساب دقيق خاضع للكثير من الاعتبارات، والتقدم أو التراجع العسكري الميداني جزء مهم، ولكنه ليس كل شيء. وإن التفكك للتحالفات العسكرية كان متوقعاً من اللحظة التي كان فيها إدراك أن المصالح والنفوذ والمكاسب المالية لا تصمد طويلاً في الحرب مع وجود ثوابت جامعة على المستوى الوطني، وتختنق النزعات الانفصالية عندما تواجه إجماعاً شعبياً أكبر يدعم الوحدة؛ إذ إن أبرز التعقيدات التي تظهر لمواجهة حركات التمرد — التي تتبنى برامج انفصالية — تكمن في أن الدولة تتسلح بالشعب الوحدوي. وعلى الرغم من أن الدعم السريع حاول تجنب النظر إليه كطرفٍ انفصالي، فإن المقابل أن الشعب السوداني مال إلى الجيش بوصفه ضماناً لمنع تفتيت السودان. ولم يكن هذا الميل الشعبي مجرد دعم معنوي، بل كان شبه استفتاء مؤثر في صراع قدرة كل طرف على “التمظهر بالدولة”؛ وهو أمر كان الدعم السريع قد خطط له ربما قبل الانقلاب، ولكنه فشل في إقناع الشعب السوداني به حتى بمساعدة أطراف وُصفت بـ “المحايدة”.
صنعت تجربة تحالف “صمود” بوصفه جناحاً مدنياً مع الدعم السريع، وتحالف “الإطار” مع الجيش — ومن دون العودة إلى ميزان مَن الأكثر شعبية من الأجنحة المدنية — ما يشبه المعادلة المعيارية للتحالفات الناجحة أو الفاشلة بين قوى مدنية وأخرى عسكرية. وسأعود لترتيب المقاربة بعد عرض خارطة التحالفات.
تحالف تأسيس
هو تحالف سياسي وعسكري يقوده محمد حمدان دقلو “حميدتي” وعبد العزيز الحلو ورئيس الحكومة السابق عبد الله حمدوك، ويضم:
- قوات الدعم السريع.
- الحركة الشعبية “لتحرير السودان ” جناح الحلو.
تتمركز في كردفان وجبال النوبة ومناطق في ولاية النيل الأزرق شمال السودان، وللحركة وزعيمها عبد العزيز الحلو تاريخ طويل من التحالفات، كانت جزءًا مما عُرف بجيش تحرير السودان، قبل انفصال جنوب السودان 2011، وخلال السنوات الماضية 2019- 2026 تموضعت الحركة جناح الحلو في ثلاثة مواقع:
- الحياد والانتشار في أجزاء من ولاية كردفان وجبال النوبة.
- التحالف مع الجيش لمهاجمة قوات الدعم السريع في كردفان.
- التحالف مع قوات الدعم السريع منذ يونيو 2025.
- تحالفات مسلحة وقبلية.
من بين الفصائل المسلحة، قوات درع السودان التي يقودها أبو عاقلة الملقب بـ “كيكل” (انشق مؤخرًا وانضم للجيش).
- التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) برئاسة عبد الله حمدوك، ويُعرّف التحالف نفسه بأنه “قوى مدنية ديمقراطية وثورية مستقلة”.
تحالفات الجيش
في مناسبات متعددة حمَّل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان القوى والفصائل المدنية التي وقعت اتفاقًا إطاريًا بوصفه غطاء لتمرد قوات الدعم السريع، في المقابل يحرص الجيش أن تكون تحالفاته مع القوى المدنية والأحزاب السياسية، بالإضافة إلى فصائل وقوات مسلحة شمال السودان؛ لتبدو التشكيلة على النحو الآتي:
- تحالف قوى الثورة للوفاق الوطني (وطن)
التجمع الاتحادي وتيار الوسط للتغيير والتيار الوطني وحزب البعث العربي الاشتراكي وقيادة قطر السودان وحركة الحقوق الشبابية وحزب الإرادة الوطنية.
- حركة العدل والمساواة – إبراهيم خليل
حركة سياسية معارضة، تحولت إلى قوات مسلحة ضمن ما يعرف بالجبهة الثورية السودانية في دارفور شمال السودان، وقادت عمليات عسكرية أبرزها الهجوم على العاصمة الخرطوم عام 2008، وخلال الأحداث الأخيرة وبعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر حسن البشير وقعت الحركة على اتفاقية 2020 مع الحكومة الانتقالية، وفي الحرب الأخيرة 2023 أعلنت البقاء على الحياد قبل أن تعلن بعد ذلك الاصطفاف مع الجيش لقتال الدعم السريع.
- حركة تحرير السودان – مني أركوي
حركة سياسة وعسكرية في دارفور، قاتلت مع العدل والمساواة وفصائل أخرى ضد الجيش السوداني خلال حرب دار فور الطويلة، كانت كذلك جزءًا من مجموعة أوسع، وقد تعرضت الحركة لانشقاقات متعددة، مثل كل الحركات والفصائل المسلحة في الشمال، أعلنت القتال مع الجيش السوداني لمواجهة الدعم السريع في ولايات دارفور.
- مجموعات مسلحة شعبية تقاتل ضمن ما يسمى معركة الكرامة لدعم الجيش السوداني، من بينها الحركة الإسلامية وكتيبة البراء بن مالك التي انخرطت في القتال مع الجيش، وتدور حولها الكثير من الشائعات بهدف شيطنتها.
المبادرات محاولة للحل… مناورة للإنقاذ
من الطلقة الأولى للحرب في 15 أبريل 2023 حتى المدة الحالية يونيو 2026 طرحت الكثير من المبادرات ودعوات الحوار لوقف الحرب، من مبادرة جدة في مايو 2023 إلى اجتماع أديس أبابا بشأن ما يسمى الآلية الخماسية، لم يتغير موقف الجيش السوداني، بل عززه بموقف مشابه للتحالف المدني والفصائلي. يضع البرهان شروطًا للمضي قدمًا في التفاوضات والحل، يمكن عند إجمالها التأكد أنه لن يكون هناك حالة تسمى الدعم السريع، بل طرف آخر من غير الممكن أن يكون له وجود:
- القضاء على التمرُّد أو استسلامه.
- تحرير جميع الأراضي السودانية.
- عدم العودة إلى ما قبل 15 أبريل.
- تصنيف الدعم السريع “إرهابي”.
تُعد هذه الشروط أحد أبرز أسباب الخلاف الأمريكي والسعودي مع الجيش السوداني، تركت واشنطن تطورات الحرب تجري من دون تدخل، وكذلك فعلت السعودية (تغير موقفها قليلًا بعد خلافاتها مع الإمارات)، وفرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على الجيش بالتوازي مع عقوبات مشابهة على الدعم السريع، ورفض طرفا الرياض وواشنطن التعامل مع الجيش وقوات الدعم السريع بوصفهما طرفين عسكريين متساويين، وقد أدى ذلك إلى رفض الجيش السوداني مرة أخرى للخطة التي اقترحتها اللجنة الرباعية التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر 2025، ووصف البرهان المقترح الأمريكي بالأسوأ، وهو ما دفع ممثل ترامب إلى أفريقيا مسعود بولس إلى اتهام الجيش السوداني بتحمل المسؤولية، ولم يكن ذلك جديدًا على الخرطوم التي عملت على التنسيق لعلاقات خارجية داعمة، وأصلحت علاقاتها مع طهران بعد قطيعة.
المروحة الأوسع من الخلافات بين الأطراف السودانية خلال اجتماع أديس أبابا 3-5 يونيو حول ما يسمى الآلية الخماسية التي تضم كلًا من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة “إيغاد” جوهر الخلافات؛ إذ رفضت الكتلة الديمقراطية الحليفة للجيش الجلوس مع “تأسيس ” والجلوس مع ممثليه أو التعامل معه بوصفه طرفًا سياسيًا طبيعيًا في العملية السياسية، وأعلن القيادي في الكتلة مبارك أردول ( أن التحالف يمثل الامتداد السياسي لقوات “الدعم السريع الذي لا يقتصر على أن الخلاف معه على الجانب السياسي فقط، وإنما يرتبط أيضًا باتهامات تتعلق بالانتهاكات التي شهدتها عدة مناطق سودانية خلال الحرب)، وأضاف أن مشروع الحكومة الموازية الذي ارتبط بتحالف “تأسيس” يثير مخاوف حقيقية بشأن وحدة السودان وسلامة أراضيه، وهو ما يجعل التعامل معه أمرًا مرفوضًا بالنسبة للكتلة الديمقراطية.
يتطابق ذلك مع شروط الجيش، وحين يجري الوقوف على الخلفيات الجوهرية لرسم هذا الجدار سنجد اتكالًا قويًا على ثوابت سابقة مرتبطة بالدعم الشعبي والاجتماعي والقبلي بوصفها روافع لم تتغير على رغم طول أمد الحرب، بالإضافة إلى تقديرات الخرطوم المتغيرات الإقليمية والدولية بما في ذلك تأثير التعثر الأمريكي في إيران وانخراط الإمارات في صدام مع إيران تسبب في تراجعها، والخلافات السعودية الإماراتية، وكل ذلك أسهم في تقدم الجيش مؤخرًا في كردفان والانشقاقات المستمرة في صفوف الدعم السريع.
تعثر التجربة
لا تزال التعقيدات قائمة أمام الجزم بأن الحرب السودانية قد حسمت، لكن الجزم ممكن بأن التجربة قد فشلت، وهي حالة سودانية قابلة للمقاربة، ولا يمكن تجاهل تأثيرها إيجابًا في دول في القرن الأفريقي، إنها تجربة ستستحضرها أطراف محلية وإقليمية في المستقبل القريب قد تمر بالظروف نفسها مع وجود اختلاف واسع أو محدود.