شكل موقع إيران الجيوسياسي عاملًا حاسمًا في تحديد أسباب ومجريات العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها، كما أن نتائج هذه الحرب ستكون المؤثر الأهم في رسم حدود وتوازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، والخريطة الجيوسياسية للمنطقة كلها.
برزت أهمية هذا الموقع وتميزه مع الانتقال الجاري لمواقع النفوذ والسيطرة من ضفتي الأطلسي إلى آسيا، ومن مرحلة القطب الأمريكي الواحد إلى العالم المتعدد الأقطاب، وبروز الصين منافسًا رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية؛ للإمساك بالقرار على الزعامة السياسية والاقتصادية للعالم، لعدة أسباب:
- موقعها الجغرافي في أهم منطقة مفتاحية في آسيا، التي تنتقل إليها القوة السياسية والاقتصادية العالمية.
- تواصلها البري والبحري مع منطقة غرب آسيا وشرق المتوسط، التي تعد قلب العالم، والمؤشر على صعود وهبوط الإمبراطوريات والدول العظمى على مدى التاريخ.
- سيطرتها – بموجب قوانين البحار- على عقدة مضيق هرمز، التي تعد أحد أهم طرق توريد النفط والغاز الإيراني والخليجي إلى العالم، لا سيما أوروبا، إضافة إلى عدة مواد أساسية للتنمية البشرية، مثل الأسمدة، وسلىسلة التوريد العالمية.
- عقدة ربط برّية – بحرية غير خاضعة للنفوذ الأمريكي بين الصين وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا.
- نقطة ارتكاز أساسية وحيوية لبرنامج الحزام والطريق الصيني.
- وقوعها محطة رئيسة في الممر الدولي للنقل شمالًا – جنوبًا، الذي يربط روسيا وبحر قزوين وإيران والهند، وصولًا إلى الصين، الذي يقلل المدة الزمنية للنقل، من ٣٠ – ٤٥ يومًا من قناة السويس، إلى ١٥- ٢٠ يومًا من هذا الممر، وهو ما يعني تخفيضًا للزمن والتكاليف، إضافة إلى أنه غير خاضع للسيطرة الأمريكية الغربية.
- ممر نحو المياه الدافئة في الخليج العربي والمحيط الهندي، وهو ما يشكل هدفًا استراتيجيًا للحلم الروسي بالوصول إلى البحار المفتوحة.
- يضاف إلى ذلك الثوابت السياسية التي تنتهجها إيران، التي تكاملت مع موقعها الجغرافي، وأهمها:
- معاداتها الواضحة والمعلنة للمشروع الصهيوني.
- معارضتها للسياسات الأمريكية ولتواجدها في المنطقة، سواء بقواعدها العسكرية أم هيمنتها على الإرادة السياسية والثروات الوطنية لمعظم دول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، وتقديمها رؤية مختلفة، تقوم على الأمن الإقليمي لدول المنطقة.
- تقاطعها بين المشروعين الصيني والروسي، واشتراكها مع القوتين العظميين، في عدد من المواقف السياسية والقضايا المشتركة، مثل التعاون العسكري، والتنسيق بشأن الأسعار، وتوجيه أسواق الطاقة من النفط والغاز، ورفض الهيمنة الأمريكية، ومواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية والأوروبية.
- اعتبارها أحد أكبر ثلاثة موردين للنفط والغاز إلى الصين، إلى جانب روسيا وفنزويلا سابقًا؛ إذ أصبح النفط الفنزويلي تحت السيطرة الأمريكية.
هذا الموقع الجيوسياسي الفريد لإيران منحها في عالم اليوم أهمية وقوة أصبحت تتفوق فيه، على أهمية الموقع الذي كانت تحتله تركيا، عندما كان صراع النفوذ والسيطرة محتدمًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقًا، وروسيا لاحقًا، وعندما كانت أوروبا لا تزال تتمتع بأهميتها الجيوسياسية، وعندما كان حلف الناتو – الذي تشكل فيه تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية بعد الولايات المتحدة الأمريكية – في أوج قوته وترابط أعضائه، لكن التبدلات الكبيرة والمتسارعة لمواقع القوة والنفوذ والسيطرة غيرت أيضًا من أهمية مواقع الدول المؤثرة في هذه التوازنات.
هذه التغيرات أدت إلى تغير موازٍ في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، لا سيما مع التيار الترامبي، الذي يشكل اليوم القوة الأقوى في الدولة العميقة الحاكمة، عندما انسحب ترامب خلال إدارته الأولى من الانفاق النووي مع إيران، ومع إقرار الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، التي جرى وضعها العام الماضي 2025، التي لم تكتف بتحديد التهديدات، وإنما أعادت تعريف مفهوم الأمن القومي ذاته، بانتقال الولايات المتحدة من مبدأ “إدارة الاستقرار” إلى “إدارة الصراع” المفتوح بين القوى الكبرى، وفي مقدمته صراع السيطرة على النفوذ والقوة مع الصين أولًا وروسيا ثانيًا.
تقوم هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على مبدأ يقول: إن العالم لم يعد نظامًا يمكن ضبطه، بل ساحة تنافس دائم، ومن ثَمَّ لم تعد واشنطن ترى الأزمات – مثل الحرب مع إيران وأزمة مضيق هرمز- تهديدًا يجب احتواؤه فقط، بل فرصة لإعادة تشكيل التوازنات، وهو ما يجعل من قضية إغلاق المضيق ومحاصرة الموانئ الإيرانية مشكلة لا تتعلق فقط بالنفط، أو مجرد أزمة إقليمية عابرة، وإنما جزء من صراع أوسع على النفوذ، والطاقة، وسلاسل الإمداد والتوريد العالمية.
لهذه الأسباب كان واضحًا – منذ بداية العدوان – أن المعركة أكبر بكثير من مجرد صدام عسكري، أو حرب تقليدية بين خصمين؛ لتكون حرب إرادات، وصراعًا على من يستطيع الإمساك بخيوط المنطقة، ورسم الحدود والخرائط، للتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في عالم اليوم.
هذا يجعل من تقييم الصراع، وتحديد الرابح والخاسر فيه، أبعد بكثير من مجرد إحصاء الخسائر البشرية، والمادية والعسكرية؛ ليدخل إلى صلب الأهداف التي وضعت للحرب، والأهم هو رؤية ومعرفة الأسباب والغايات، التي وضعت من أجلها هذه الأهداف، التي كانت تقوم على إسقاط النظام الإيراني، وتدمير البرنامجين النووي والصاروخي لإيران، وضرب ما تبقى من محور المقاومة، في لبنان والعراق واليمن.
بنظرة موضوعية إلى نتيجة الصراع حتى اليوم، نلاحظ أن كل هذه الأهداف سقطت، ولم يتحقق أي منها، وبالمقابل أثبتت إيران قدرتها التي فاجأت العدو قبل الصديق بالصمود، وترميم الخسائر التي تلقتها خلال الساعات الأولى للعدوان، لا سيما في القيادات السياسية والعسكرية، وإفشال أهداف العدو، وضرب مواقعه وقواعده العسكرية بقوة، لم يجرؤ حتى الآن على الاعتراف بها، وهذا يعد وفق كل قوانين الصراع والمقاييس العسكرية والسياسية خسارة أمريكية وإسرائيلية استراتيجية للمعركة، والمعضلة الكبرى أمامهما اليوم أن الواقع السياسي والميداني على الأرض يؤكد أن قدرتهما باتت شبه معدومة على تحقيق هذه الأهداف، وربما بات الخيار النووي هو الوحيد القادر على تغيير مجريات الصراع، وهذا الخيار ليس من السهل اللجوء إليه؛ لأنه سينقل الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية إلى قواعد وقوانين أخرى، لن تكون سهلة على الطرفين المعتدين.
هذا يؤكد أن الجغرافيا عندما تكون حاكمة ومحمية بقوة سياسة وعسكرية، تؤمن لها عوامل الصمود والبقاء، وتعطيها قوة وسطوة، تتجاوز فيها بكثير الحدود الجغرافية للدولة، وتحولها إلى لاعب رئيس بين اللاعبين، الذين سيكون لهم دور في الجلوس على الطاولة؛ لرسم حدود توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية، والخرائط الجيوسياسية للمنطقة، التي تعد الأهم في العالم من الناحية الجيوسياسية، وهو ما يتوقع أن تبدأ حساباتها في اليوم التالي لانتهاء العدوان.