رابحون وخاسرون من الحرب

رابحون وخاسرون من الحرب

رابحون وخاسرون من الحرب

رابحون وخاسرون من الحرب
Picture of أحمد يوسف

أحمد يوسف

كاتب ومحلل سياسي

بصرف النظر عن التفاصيل اليومية للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، واتفاق وقف إطلاق النار المؤقت مدة أسبوعين، وإمكانية استمراره وتمديده أو فشله، فإن حصيلة أكثر من أربعين يومًا من العدوان أفرزت رابحين وخاسرين على المستوى الإقليمي والدولي.

أبرز نتائج هذه الحرب أن الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي لم يحققا أي هدف من الأهداف الاستراتيجية، التي وضعاها للحرب، فلا النظام الإيراني سقط، ولم يتوقف البرنامج النووي الإيراني، ولم يُنقل اليورانيوم المخصب، ولم يتوقف البرنامج الصاروخي.

نعم حدث تدمير كبير، وتلقت إيران ضربات قوية، وأصيبت منشآت استراتيجية لها، لكنها صمدت بشكل لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين في الدول المعتدية، كما أنها وجَّهت ضربات موجعة للأمريكيين والإسرائيليين، وفي كل الأحوال فالحروب لا تقاس بالخسائر المادية والعسكرية فقط، وإنما بالأهداف الجيوسياسية، التي توضع للحرب، وهل تحققت أم لم تتحقق؟ وهذه النتائج يكون الحكم عليها وفق القوانين الثابتة للجغرافيا والتاريخ؛ إذ يبرز سؤال مع كل صراع: من هو الرابح؟ ومن سيدفع الثمن؟

في الإجابة عن هذا السؤال، تبدو الصين أول المعنيين به؛ إذ ترتبط مع إيران بجملة من الروابط والعلاقات الاستراتيجية، التي تضمنتها اتفاقية التعاون الاستراتيجي، التي جرى توقيعها عام 2021 مدة 25 عامًا، وتشمل استثمارات صينية ضخمة، في البنية التحتية الإيرانية، مقابل إمدادات نفطية مضمونة، وبشروط ميسرة، وهو ما يجعل إيران أحد الموردين الأساسيين للنفط إلى الصين، إلى جانب روسيا وفنزويلا؛ ما جعل السيطرة على النفط الإيراني أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية؛ لتبقى روسيا هدفًا للمستقبل، ولتصبح شرايين النفط- التي تغذي الاقتصاد الصيني- كلها بيد أمريكا.

كما تعد إيران بوابة رئيسة للصين نحو الشرق الأوسط، ومحطة أساسية في مشروعها الاستراتيجي (الحزام والطريق)، وهو ما يجعل من صمود إيران نصرًا استراتيجيًا للصين، يقارب ربحها الحرب دون أن تطلق طلقة واحدة، كما أنه يطرح سؤالًا استراتيجيًا يقول: إذا كانت واشنطن عاجزة عن ربح معركة مع قوة إقليمية مثل إيران، فكيف ستربح حربًا مع قوة عظمى مثل الصين؟ لا سيما أن هذه النتيجة قد توفر لبكين فرصة لضم تايوان.

روسيا في هذه الحرب تبدو رابحة وخاسرة بنفس الوقت، فهي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إيران، وتوفر لها بوابة مهمة في غرب آسيا، بموقعها المطل على الخليج العربي، وعلى حدود تركيا وباكستان وأفغانستان، التي تشكل العمق الحيوي لروسيا، وهذه العلاقة توفر لها قوة إقليمية، تساندها في وجه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عمومًا، كما تمثل إشغالًا لأمريكا والاتحاد الأوروبي عن الجبهة الأوكرانية، وفي هذا الجانب يبدو الصمود الإيراني ربحًا استراتيجيًا لروسيا.

وفي جانب آخر، فالعدوان على إيران وإغلاق مضيق هرمز رفع أسعار النفط والغاز، التي تشكل أحد الموارد الرئيسة لروسيا، التي تعاني بدورها من عقوبات أمريكية وأوروبية في هذين القطاعين، وقد تدفع هذه الأزمة الدول الأوروبية إلى تخفيف العقوبات، وحتى احتمال العودة لاستيراد النفط والغاز من روسيا، مع ما يعني ذلك من موارد هائلة للاقتصاد الروسي، والانهيار الكامل للعقوبات الأوربية عليها، وتأثير ذلك في حربها في أوكرانيا، وهو ما يجعل من وقف العدوان على إيران وعودة أسعار النفط إلى حدودها الطبيعية خسارة لروسيا.

ومع هذا التناقض في الحسابات الروسية، يبدو صمود إيران وعدم سقوطها مصلحة استراتيجية لروسيا أكبر من حسابات الربح، الذي تجنيه من النفط والغاز. 

الاتحاد الأوروبي يبدو الأكثر تضررًا من الحرب، وهو الذي لم يستفق بعد من صدمة الحرب الأوكرانية ليدخل في صدمة الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط والغاز؛ ما يجعله يكاد يفقد كل أوراق التأثير في مسار الأحداث، وفي غرف القرار الكبرى، على رغم وجود بريطانيا وفرنسا أعضاء دائمين في مجلس الأمن، ودور لندن كدماغ للمنظومة الغربية، وبوصفها مركزًا رئيسًا للدولة العالمية العميقة، التي تتحكم بمسار السياسات والاقتصاديات العالمية.

كما أن الحرب على إيران ستجعل من الصعب على أمريكا وأوروبا الاستمرار في تزويد أوكرانيا بأسباب الصمود في وجه روسيا، وهو ما سيوفر لموسكو الفرصة لتحقيق انتصار بأكثر مما كانت تحلم به عند بدء عمليتها في أوكرانيا، وهو ما قد يجعل أوروبا كلها مهددة بالوقوع تحت النفوذ الروسي، لا سيما في حال اضطرت لرفع العقوبات عنها، والعودة لاستيراد النفط والغاز منها، وهذه النتيجة الصعبة على أوروبا تؤكد التراجع الكبير لدورها الجيوسياسي، ويهدد بفرط عقد الاتحاد، وحتى انهيار حلف الناتو. 

في الدول الإقليمية: تبدو تركيا خاسرة كيفما كانت نتيجة الحرب، ففي حال خسرت إيران تعرف أن الدور القادم عليها، وهو ما يجهر به المسؤولون الإسرائيليون، وفي حال ربحت إيران فسيكون على حساب تركيا؛ إذ الحيز الجيوسياسي الموجود لا يتسع لإيران قوية وتركيا قوية، ولم يسجل التاريخ هذه الحالة سابقًا، فإما إيران قوية وتركيا ضعيفة، وإما العكس، لا سيما أن كل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة لها حسابات مفتوحة مع تركيا؛ بسبب الأخطاء الاستراتيجية، التي وقعت بها أنقرة، وتنتظر الفرصة المناسبة لتصفية هذه الحسابات معها.

السعودية، على رغم أنها تبدو على نقيض مع إيران؛ لأسباب جيوسياسية ودينية، لكنها تدرك أن خسارة إيران سيجعلها مثل تركيا، في دائرة الاستهداف الإسرائيلي المباشر، أما صمود إيران واحتمال سحب القواعد الأمريكية من المنطقة فقد يحرر الموقف السعودي، ويعطيها الفرصة للتوافق مع إيران، على بناء نظام أمن إقليمي في المنطقة من دون الضغط الأمريكي والإسرائيلي، واستكمال التوجه شرقًا نحو الصين، ولهذه الأسباب نرى أن السعودية لم تدخل الحرب بشكل رسمي، واكتفت بالتصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية، التي تحاول ضرب القواعد والمواقع الأمريكية في الخليج.

مصر تبدو من أكثر الدول المستفيدة من صمود إيران؛ لأنه يحررها من الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ومن قيود كامب ديفيد، وسيمكنها من استعادة دورها القيادي في المنطقة العربية والإفريقية، ولذلك نرى تبدلًا غير عادي في المزاج الشعبي، وعند النخب المصرية المؤيدة لإيران.

أما الدور الذي تؤديه باكستان لوقف الحرب فيعطيها قوة كبيرة في وجه الهند، ويشكل ضربة كبيرة لمحاولة الكيان الصهيوني بناء تحالف مع الهند؛ يستهدف باكستان بالدرجة الأولى.

هذا الترقب لنتيجة العدوان يؤكد أن إيران في حال تمكنت من الاستمرار في الصمود – كما هو متوقع – سيوفر لها -مع المنظومة التي تتموضع فيها- الدور الأكبر في رسم معالم الخريطة الجيوسياسية، التي ترتسم للعالم الجديد، الذي يتشكل على الساخن، وفي لحظة التأكد من ذلك فإن الكثيرين في المنطقة والعالم سيبدؤون بتحسس رؤوسهم، والسؤال عن مصير الوجود، وفي مقدمتهم نتنياهو وكيانه العدواني، وهو ما يفسر جنونه في العدوان على لبنان فور الإعلان عن وقف القتال.