تعيد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – بعد انتهاء أول جولة مفاوضات مباشرة بين واشنطن وطهران التي استضافتها باكستان من دون اتفاق، وتهديده بنسف هدنة الأسبوعين وبدء فتح مضيق هرمز بالقوة، وطلبه “خططًا عملية” من دول حلف شمال الأطلسي/ الناتو- السؤال المحوري نفسه منذ بدء الحرب على إيران: هل ستنخرط بريطانيا وفرنسا ودول الحلف في الصراع؟ وإلى مدى؟
ستكون الإجابة وفق المعطيات المتاحة، وما تزال رهن حدوث متغير رئيس في جملة كوابح داخلية وإقليمية ودولية، محكومة بجملة مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية، لكل من بريطانيا وفرنسا، أحدثت تحولات لافتة في السياسة الخارجية لكليهما تجاه طهران وواشنطن و” تل أبيب” ودول الخليج والمنطقة العربية، وتحكمت وما تزال في تشكيل حذرهما الاستراتيجي ودورهما المركب في الصراع.
تتتبع هذه الورقة تحولات علاقات بريطانيا وفرنسا مع إيران وواشنطن، وتسعى إلى استكشاف أدوات نفوذ لندن وباريس في المنطقة، والعوامل المؤثرة في صنع قرارهما، وطبيعة دورهما خلال الأربعين يومًا من الحرب، وتشخيص ماهية الكوابح والمصالح المتحكمة فيه، وترشيح سيناريوهاته في ضوء التطورات المحتملة ما بعد الهدنة، وفشل أولى جولات المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
أولًا: تحولات السياسية الخارجية لبريطانيا وفرنسا:
اتسمت العلاقات البريطانية الإيرانية التي بدأت مع الشاه طهماسب الأول (1524م)، بتوتر غلب عليه طرد سفراء، واقتحام سفارات، وقطع واستئناف العلاقات، وحروب جراء أطماع إمبريالية لبريطانيا، واحتلال وسلب إيران أراضي تعادل مساحتها الراهنة لصالح إمبراطورية روسيا (1828م)، واستحداث دولة أفغانستان (1871م)، ثم تدخلات في شؤون إيران، وتنفيذ انقلابات وأنشطة تجسسية متكررة1.
على العكس كانت العلاقات الفرنسية الإيرانية منذ بدايتها في القرن السابع عشر؛ إذ اتسمت بأنها ظلت ودية، وشهدت تعاونًا اقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا وتقنيًا وصناعيًا مشتركًا، جعلت إيران ثالث سوق لفرنسا في الشرق الأوسط، وفرنسا سادس أكبر مورد لإيران في العام 2005م، لكن توتر العلاقات بدأ في العام 2018م على خلفية ملف إيران النووي وعدائها للكيان الإسرائيلي ودعمها مقاومته2.
ومع أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا رعت ضمن (إطار E3) منذ 2003م، مفاوضات ملف إيران النووي، إلا أنها دعمت قرارات مجلس الأمن بفرض عقوبات على إيران منذ 2009م، وشاركت في الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، ثم توسع الإطار إلى E3/EU+3 (مع الولايات المتحدة، روسيا، الصين)؛ لتؤدي دورًا تفاوضيًا أساسيًا، ضمن إطار استراتيجي تقوده واشنطن، أفضى إلى اتفاق 2015م3.
لكن دور الوسيط البريطاني الفرنسي في الملف الإيراني أخذ في التحول بعد انسحاب واشنطن منه عام 2018م، فانضمتا إلى الحصار الاقتصادي الأمريكي لطهران بالتزامها العقوبات الأمريكية، وقطع التبادل التجاري معها، على رغم محاولاتها الحفاظ على الاتفاق عن طريق آليات مثل INSTEX لتسهيل التجارة الإنسانية مع إيران، لكن تأثيرها كان محدودًا؛ خوفًا من العقوبات الثانوية4.
أظهر هذا التغير في موقف بريطانيا وفرنسا من إيران، فشل أوروبا في تجسيد استقلاليتهما وتعويض الخروج الأمريكي من الاتفاق وفي حماية الشركات الأوروبية من العقوبات، ما أضعف مصداقية لندن وباريس بوصفهما وسطاء مستقلين، حتى مع استمرارهما -نظريًا- في التمسك دبلوماسيًا بخيار “اتفاق نووي مُحسن”، وتشددهما لاحقًا في العقوبات الأوروبية على إيران.
ومع بداية العام 2022م أخذ تصعيد بريطانيا وفرنسا ضد إيران وتيرة أكبر عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فنظرتا إلى طهران جزءًا من “محور مناوئ”، وفي أكتوبر من العام نفسه فرضت بريطانيا عقوبات على ثلاث شخصيات عسكرية إيرانية وشركة لتصنيع المواد الدفاعية بزعم أنها تزود روسيا بطائرات مسيرة تستخدمها لضرب أهداف في أوكرانيا.
بدا لافتًا تبني بريطانيا وفرنسا سردية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والكيان الإسرائيلي في تبرير حرب يونيو 2025م على إيران، واكتفائهما بدعوات إلى التزام القانون الدولي وتجنب الأهداف المدنية، وحماية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، الذي غدا أمنُه أكثر حساسية مع تسبب الحرب في أوكرانيا في زيادة اعتماد أوروبا على الخليج والشرق الأوسط مصادر بديلة للطاقة.
ومع اندلاع الاحتجاجات في إيران، وعلى الرغم من إعلان طهران ارتباط القتل والتخريب بخلايا تابعة للمخابرات الأمريكية والإسرائيلية، إلا أن لندن وباريس تمسكتا بالرواية الأمريكية وإدانة قمع المحتجين الإيرانيين، وتبعتا القرار الأمريكي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية؛ فأصدر الاتحاد الأوروبي قرارًا مماثلًا في فبراير 2026م، وردت إيران بالمثل.
مع ذلك، أظهرت بريطانيا وفرنسا تبنيهما للمسار الدبلوماسي خلال التحشيد العسكري الأمريكي إلى المنطقة وتصاعد التوتر سياسيا وإعلاميا بين واشنطن وطهران طوال شهري يناير وفبراير 2026م، فدعمتا سلطنة عمان في وساطة العودة إلى طاولات المفاوضات، وتجنب الانزلاق إلى تصعيد عسكري في الخليج ومضيق هرمز؛ لتجنب الانهيار الكامل لأي إطار تفاوضي نووي.
ثانيًا: خريطة القرار البريطاني-الفرنسي خلال الحرب وما بعد الهدنة:
يمكن فهم سلوك لندن وباريس في الحرب على إيران خلال الأربعين يومًا السابقة للهدنة واتجاهاته ما بعد الهدنة، وما قد يطرأ من تطورات، بينها احتمال انهيار الهدنة واستئناف الحرب، عن طريق مسارين متكاملين، الأول: خريطة القرار التي تحدد مراحل التفاعل خلال الحرب والهدنة، والثاني: النموذج المقارن الذي يبرز الفوارق البنيوية بين الدولتين في إدارة الأزمات.
المرحلة الأولى: اندلاع الحرب (الأيام 1-10):
في المرحلة الأولى من الحرب على إيران، اتسم القرار البريطاني-الفرنسي بالحذر الاستراتيجي؛ إذ انطلقت الحكومتان في لندن وباريس من تقدير مفاده أن أي تورط عسكري مباشر قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع، ويعيد إلى الواجهة إرث التدخلات السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا ومالي، وتداعياتها العكسية، الأمنية والاقتصادية، على كليهما، إقليميًا ودوليًا.
وقد أدت عوامل داخلية دورًا حاسمًا في هذه المرحلة؛ فاتجاهات الرأي العام تناهض الانخراط في أي حرب اختيارية غير دفاعية، وتركز على تعزيز الأمن الداخلي واستقرار الاقتصاد، والاستقلالية5. بينما الحكومات تواجه ضغوطًا اقتصادية بفعل تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية؛ ما جعل الأولوية لإبقاء معدلات التضخم وتكلفة المعيشة والطاقة عند حدود آمنة، والأمن الأوروبي، وردع روسيا6.
كما برز دور للتوازنات الحزبية، خصوصًا بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وإحياء جرائم حربه، وتخاذل موقفي لندن وباريس وتأثير ونفوذ أحزاب اليسار، وتوغل ترامب والكيان الإسرائيلي في دعم أحزاب اليمين، وتزامن موسمي انتخابات؛ ما دفع حكومتي بريطانيا وفرنسا إلى الموازنة بين اليسار واليمين، بموقف يحاول امساك العصا من المنتصف، ويتبنى دعم إيجاد تسوية سياسية سريعة للحرب7.
وأسهم في تمسك لندن وباريس بالحذر والتحفظ، وعدم استهدف سفن أوروبية، وإدراك كليهما افتقاد الحرب على إيران “تصورًا واضحًا وخطة مدروسة” وفق رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر8، واستشعارهما صعوبة إسقاط إيران؛ لارتكاز نظامها على أيديولوجيا (عقيدة) تتجاوز الأشخاص، وتنامي قدراتها في الاعتماد الذاتي اقتصاديًا وتصنيعًا عسكريًا، ونفوذها في المنطقة، وتحالفاتها.
أما العوامل الخارجية المتحكمة بقرار بريطانيا وفرنسا فجاء أبرزها: التزامات النفوذ التاريخي في المنطقة والمصالح والتحالفات مع دول الخليج، وضغوطهما للمشاركة في الحماية والضغط الدبلوماسي، وبالمثل الالتزامات تجاه الكيان الإسرائيلي وضغوطه العلنية للمشاركة المباشرة في الحرب بوصفها “صراع وجود”، لكن المتغير اللافت موازنة لندن وباريس بين هذه الالتزامات ومصالحهما الوطنية.
أيضًا، عززت هذا الموقف تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب بضم إقليم جرينلاند بالقوة، وتراخيه مع روسيا في إنهاء الحرب بأوكرانيا، وتركيز استراتيجيته الدفاعية على “أمريكا أولًا” وغرب العالم، ورسومه الجمركية على أوروبا، فقد انعكست على الثقة بواشنطن وتقليص الاعتماد عليها، وشحذ التوجهات الأوروبية عمومًا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا نحو تطوير القدرات العسكرية الذاتية والدفاعية الأوروبية9.
وبرزت –أيضًا- ضمن أهم العوامل الخارجية لقرار بريطانيا وفرنسا، حسابات الردع مع روسيا والصين، وتجنب أي تصعيد مباشر مع إيران؛ لأنه قد يتقاطع مع مصالح موسكو وبكين، وأن موقع إيران ونفوذها الإقليمي بدعمها حركات مقاومة الكيان الإسرائيلي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، يجعل الحرب إقليمية لا ثنائية، ويهدد مصالح لندن وباريس وشركائهما بالمنطقة ومضيق باب المندب أيضًا.
لذلك، اتجهت لندن وباريس إلى تبني عدم المشاركة في الحرب بأي شكل، والدعوة إلى إيقاف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات، مدفوعتان بإدراك تداعيات طول أمد الحرب على إمدادات وأسعار الطاقة وتكلفة المعيشة، وأمام ضغوط واشنطن العلنية منحتا القوات الأمريكية تفويضًا باستخدام قواعدهما في المنطقة، ثم تبنتا مشاركة “منخفضة المخاطر” تركز على “مهام دفاعية”10.
انحصرت مشاركة بريطانيا وفرنسا في الإسهام بأنظمة دفاع جوي ورادارات ومروحيات متخصصة باعتراض صواريخ ومُسيَّرات موجات الرد الإيراني، التي استهدفت قواعد عسكرية ومصالح أمريكية في دول الخليج والمنطقة والكيان الإسرائيلي، وتقديم الدعم الاستخباراتي والبحري، وأنشطة حماية الملاحة بمرافقة السفن في مضيقي هرمز وباب المندب من دون الانخراط في عمليات هجومية.
المرحلة الثانية: اتساع الحرب وارتفاع كلفة الطاقة (الأيام 10–30):
مع اتساع نطاق العمليات خلال الأيام العشرة إلى الثلاثين يومًا من الحرب، بدأت كلفة الصراع تظهر بوضوح على أسواق الطاقة الأوروبية، ما دفع صانعي القرار في لندن وباريس إلى إعادة تقييم خياراتهم؛ إذ برزت مخاوف من أن استمرار الحرب من دون تدخل أوروبي أكثر فاعلية قد يهدد أمن الملاحة، ويزيد من تقلبات أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي، واستنفاد مخزونات النفط.
في المقابل، كانت واشنطن تضغط علنا باتجاه مشاركة أوروبية أوسع في الحرب، لا سيما العمليات البحرية، بينما كانت دول الخليج تطالب بضمانات أمنية إضافية؛ ما دفع بريطانيا إلى الاقتراب أكثر من الموقف الأمريكي بحكم طبيعة العلاقة الاستراتيجية بينهما ودول الخليج، في حين حاولت فرنسا الحفاظ على هامش مناورة يسمح لها بالجمع بين دعم الحلفاء والدفع نحو مسار سياسي يكبح توسع الحرب.
لهذا سارعت لندن وباريس – لا سيما بعد دخول الحرب يومها الثلاثين- إلى دعم وجود قنوات للوساطة، تمثلت أولًا في سلطنة عمان وإلى حد ما تركيا، ثم باكستان وانخراطها في الوساطة بدفع من الرئيس ترامب؛ لتصبح منصات حوار غير مباشر بين طهران والعواصم الغربية، ويظهر أن لندن وباريس استفادتا من هذه القنوات الدبلوماسية لمحاولة ضبط التصعيد، ثم لاحقًا الإسهام في صياغة شروط الهدنة.
المرحلة الثالثة: الضغط المباشر قبيل الهدنة (الأيام 30–40):
قبيل الهدنة، ومع دخول الحرب أسبوعها الخامس، أصبحت الأولوية لدى لندن وباريس هي منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تشمل العراق وسوريا ولبنان، وتؤدي إلى تعطيل طويل الأمد لمضيق هرمز. مع التمسك بحماية الملاحة واستعداد للانخراط في ترتيبات أمنية لإعادة فتح المضيق والمشاركة بكاسحات ألغام وغيرها من المعدات العسكرية، لكن بعد انتهاء الحرب وتوقف القتال وبموافقة إيران11.
هنا برزت أمام بريطانيا وفرنسا، في سياق طرحهما على واشنطن سؤال “استراتيجية الخروج”، مفاضلة دقيقة بين خيارين، الأول: هدنة سريعة تركز على وقف إطلاق النار وفتح الممرات البحرية، والعودة إلى المسار السياسي لإنهاء الصراع، والثاني: هدنة مشروطة تربط وقف العمليات العسكرية بتفاهمات أولية حول البرنامج النووي الإيراني والأنشطة الصاروخية، وغيرها من الملفات المغذية للصراع.
وقد فضلت بريطانيا الخيار الأول انسجامًا مع مقاربتها البراغماتية وغاية الاستقرار الفوري للملاحة، بينما رأت فرنسا الخيار الثاني يتسق ورؤيتها التقليدية للأمن الإقليمي وارتباطه بمعالجة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. مع تبنيهما السردية الأمريكية الإسرائيلية لمبررات الحرب وأهدافها بشأن إيران: البرنامج النووي، الأنشطة الإقليمية (دعم المقاومة)، الهيمنة على هرمز، البرنامج الصاروخي، وتغيير النظام12.
على أن بريطانيا وفرنسا حرصتا – وبالمثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، طوال الأيام الأربعين للحرب- على التمسك بمبرر رئيس لرفض المشاركة الكاملة في الحرب، تمثل في أن الحرب غير قانونية “تفتقد تفويضًا أمميًا”، وفي الوقت نفسه التمسك بضرورة إعادة فتح مضيق هرمز وتدفق إمدادات الطاقة، ولو بالقوة، تجلى هذا في موافقتهما على مشروع قرار لمجلس الأمن يفوض باستخدام القوة لفتح المضيق.
أظهر تزامن جلسة مجلس الأمن الدولي الثلاثاء (7 أبريل)، مع التوقيت المُعلن من الرئيس ترامب لتنفيذ تهديداته بمحو إيران وحضارتها (الثامنة مساء) محاولة توفير غطاء الشرعية الدولية للتصعيد الأمريكي واستعداد بريطانيا وفرنسا و8 دول بينها البحرين نيابة عن دول الخليج والأردن، صوتت على مشروع القرار للمشاركة المباشرة بإعادة فتح مضيق هرمز، لولا “الفيتو” الروسي الصيني الذي أحبط القرار13.
وبقدر ما يعكس “الفيتو” الروسي الصيني – على قرار استخدام القوة لفتح مضيق هرمز- صراعًا أوسع على النظام الدولي واستشعار موسكو وبكين أخطارًا مباشرة على مصالحهما، بقدر ما صرح مشروع القرار بترتيبات واسعة أعدت لمنح الحرب على إيران شرعية دولية بأثر رجعي، ومنح خططها التصعيدية طابعًا إقليميًا ودوليًا، بتوسيع أطرافها؛ لتشمل المصوتين على مشروع قرار استخدام القوة.
لكن ومع أن مشروع القرار وضع بريطانيا وفرنسا في مواجهة مع موقفهما المعلن ودوافعه المتداخلة والمعقدة، إلا أن تصويتهما عليه أراد تقديم صورتهما في النظام الدولي “قوة مسؤولة” لا “قوة متهورة”، وأنهما “تحترمان القانون الدولي وتتمسكان بما تبقى من شرعية دولية، وتفضّلان الحلول الدبلوماسية، لكنهما لا تترددان في استخدام القوة لحماية الملاحة أو منع انتشار نووي خطير”14.
ثالثا: سيناريوهات القرار البريطاني والفرنسي ما بعد الهدنة:
جاء إعلان الاتفاق على الهدنة مدة أسبوعين، تجري خلالها مفاوضات على تفاصيل 10 نقاط جرى التوافق عليها إطارًا عامًا لاتفاق سلام دائم؛ نتيجة لأربعة عوامل: فشل مجلس الأمن في منح التصعيد شرعية دولية، إخفاق الحرب في تحقيق أهدافها المعلنة وصمود إيران، تفاقم تداعيات الحرب على إمدادات وأسعار النفط والغاز والأسمدة، وعلى شرعية الرئيس ترامب نفسه ببدء التحضير لتصويت الكونجرس على عزله15.
وبالنسبة لبريطانيا وفرنسا، رحبتا بإعلان اتفاق الهدنة وضرورة اشتمالها لبنان، وأكدتا دعمهما المفاوضات16. وفي حين نفذ رئيس وزراء بريطانيا جولة لدول الخليج بعنوان دعم تثبيت الهدنة وسير المفاوضات نحو اتفاق سلام17، أجرى الرئيس الفرنسي اتصالات مكثفة بينها اتصالان بنظيره الإيراني، أكد خلالهما ضرورة اشتمال الاتفاق معالجة جميع القضايا المثيرة لهواجس دول المنطقة18.
مع ذلك، فإن حسابات لندن وباريس قد تتباين خلال مرحلة ما بعد الهدنة، وفقًا لتقديرهما مدى متانة الهدنة وإيقاف إطلاق النار ومسار المفاوضات، يمكن استشراف مساحة التباين وملامحه في ثلاثة سيناريوهات رئيسة هي الآتي:
السيناريو الأول: هدنة مستقرة واتفاق سياسي:
في الأيام الأولى للهدنة وظهورها مستقرة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي وإيران، وعلى الرغم من عدم اشتمالها لبنان، ستواصل العاصمتان اتجاههما إلى تعزيز المسار الدبلوماسي باتجاه اشتمال الهدنة إيقاف إطلاق النار في لبنان، والسعي نحو تفعيل دور مجموعة E3 وإعادة إحياء قنوات التفاوض ملف إيران النووي؛ ما يجعل مسار التقدم، دافعًا لبدئهما في تقليص وجودهما العسكري في المنطقة تدريجيا.
السيناريو الثاني: هدنة هشة وتمديدات متكررة:
لكن الموقف قد يشهد تغيرًا في حال هشاشة الهدنة وتعثر المفاوضات، فقد تؤدي لندن وباريس دورًا في الدفع باتجاه تمديد الهدنة وتسريع التوافق بشأن ترتيبات إعادة فتح مضيق هرمز وتأمينه، مع الحفاظ على وجود عسكري بحري-جوي قوي لكليهما في الخليج، واستمرار العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية على طهران باتجاه تقديم تنازلات توافق الحد الأدنى أو المتوسط لمطالب واشنطن و” تل أبيب”.
السيناريو الثالث: فشل الهدنة وعودة الحرب:
أما في سيناريو انهيار الهدنة وتجدد الحرب، فستبرز مجددًا أمام بريطانيا وفرنسا معضلة “التوازن بين التضامن الأطلسي وتجنب التورط في الحرب”؛ إذ ستميل بريطانيا إلى توسيع المشاركة غير المباشرة دعما للولايات المتحدة، بينما تحرص فرنسا على إبقاء مشاركتها ضمن حدود “حماية الملاحة” من دون الانخراط في عمليات هجومية واسعة، وفقًا لمقارنة الاختلافات البنيوية بين لندن وباريس.
تبرز اختلافات بنيوية بين بريطانيا وفرنسا تؤثر في سلوكهما خلال الأزمات؛ فبريطانيا – بحكم علاقتها الخاصة بالولايات المتحدة وإرثها السياسي والاقتصادي والعسكري في دول الخليج- تميل إلى الاصطفاف السريع مع الموقف الأمريكي، مع تركيز على الأدوات البحرية والاستخباراتية، وتجنب أي تورط عسكري مباشر قد يثير جدلًا داخليًا، تبعًا لطبيعة النظام البرلماني البريطاني الأكثر حساسية للرأي العام.
في المقابل، يبرز لدى فرنسا هامش استقلالية أكبر في السياسة الخارجية، بفضل النظام شبه الرئاسي الذي يمنح الرئيس سلطة واسعة في إدارة الأزمات، مع إضافة غطاء برلماني وأوروبي وأممي، بجانب رؤيتها التقليدية لدورها قوة أوروبية مستقلة نسبيا، كما أنها تركز نفوذها الإقليمي أكثر في شرق المتوسط وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي وباب المندب، يجعلها أكثر حساسية لأي توسع للحرب إلى هذه الساحات.
في السياق نفسه، تشير المقارنة البنيوية للنظامين في بريطانيا وفرنسا أيضًا، إلى اختلاف في العقيدة الاستراتيجية، فبينما تعتمد بريطانيا على “الأطلسية البحرية” وتُعد أمن الخليج امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، تتبنى فرنسا مقاربة “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، التي تسعى إلى موازنة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية مع الحفاظ على قدرة أوروبا على التحرك فاعلًا مستقلًا.
هذا الاختلاف ينعكس بوضوح في مقاربة الهدنة؛ إذ تميل لندن إلى حلول سريعة تركز على الاستقرار البحري، بينما تسعى باريس إلى صياغة ترتيبات سياسية أوسع تشمل البرنامج النووي والصاروخي والأنشطة الإقليمية لإيران والحرب على لبنان، مع اتفاق لندن وباريس على ضرورة الإسراع في إعادة فتح مضيق هرمز، وتأمين حركة الملاحة وضمان تدفق إمدادات النفط والغاز والأسمدة.
الخلاصة:
في المحصلة، تُظهر الأربعون يومًا من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تلاها من أيام هدنة -حتى الآن- أن صنع القرار البريطاني-الفرنسي تحكمه شبكة معقدة من العوامل المتداخلة؛ إذ يتفاعل الداخل مع الإقليم والعالم في صياغة خيارات محدودة بين المشاركة الحذرة والدبلوماسية النشطة في ظل استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية والتبعية لها في الأزمات الكبرى.
كما تكشف التجربة أن قدرة لندن وباريس على التأثير في مسار الأزمات الشرق أوسطية لا تزال قائمة، لكنها مشروطة بمدى انسجام مواقفهما مع الولايات المتحدة، وبقدرتهما على توظيف أدوات قوتهما الدبلوماسية والعسكرية ضمن حدود لا تهدد استقرار الداخل، ولا توسع نطاق الحرب إلى حرب إقليمية واسعة: تهدد المصالح البريطانية والفرنسية داخليًا وإقليميًا ودوليًا، وتحدث أزمة حادة في الطاقة والاقتصاد والأمن جراء انفلات عقال الحرب وموجات النزوح واللاجئين.
بهذا المعنى، يظهر أن مستقبل دور بريطانيا وفرنسا في هذا الصراع الأخطر في المنطقة، يظل مرهونًا بمدى صمود الهدنة، وبالتحولات الأوسع في النظام الدولي الذي يشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى، ما بين متغيرات تتجه نحو تعدد أقطاب النظام العالمي ومحاولات إبقاء القطب الأوحد الأمريكي؛ ما يجعل أي أزمة إقليمية ساحة اختبار لقدرة أوروبا على الحفاظ على نفوذها في بيئة استراتيجية مضطربة.
المصادر:
- العلاقات البريطانية الإيرانية، موسوعة “ويكبيديا”، شوهد (8 أبريل 2026م)، متاح على:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9 ↩︎ - العلاقات الفرنسية الإيرانية، موسوعة “ويكبيديا” للمعلومات، شوهد (8 أبريل 2026م)، متاح على:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_%D8%A7 %D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9 ↩︎ - “شرح إطار E3″، مركز أبحاث المملكة المتحدة وأوروبا، معهد السياسات بكلية كينغز لندن، (30 أكتوبر 2023م)، متاح على: https://ukandeu.ac.uk/explainers/the-e3 / ↩︎
- “بريكست وإطار E3، ومستقبل نهج أوروبا تجاه إيران”، المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية (17 أبريل 2018م)، متاح على:
https://www.iris-france.org/en/111210-brexit-the-e3-and-the-future-of-europes-approach-towards-iran/ ↩︎ - “الأوروبيون قلقون من الحروب ويرغبون بأن يغدو الاتحاد الأوروبي أكثر استقلالية”، المفوضية الأوروبية، (24 مارس 2026م)، متاح على:
https://arabic.euronews.com/my-europe/2026/03/25/eu-geopolitics-defense-energy-crisis-ukraine-war-middle-east ↩︎ - رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، منصة (substack)، (18 مارس 2026م)، متاح على:
https://keirstarmer.substack.com/p/in-the-best-interests-of-the-british ↩︎ - رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، منصة X، (25 مارس 2026م)، متاح على:
https://x.com/Keir_Starmer/status/2036798010118553915?s=20 ↩︎ - رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، منصة (substack)، (18 مارس 2026م)، متاح على:
https://keirstarmer.substack.com/p/in-the-best-interests-of-the-british ↩︎ - “الاتحاد الأوروبي يدرس اتخاذ خطوات عملية لتفعيل بند الدفاع المشترك”، الإمارات اليوم، (1 أبريل 2026م)، متاح على:
https://www.emaratalyoum.com/politics/news/2026-04-01-1.2030849?itm_source=parsely-api ↩︎ - “أصبحت أوروبا متفرجًا استراتيجيًا في حرب إيران”، السياسة الأوروبية في كلية لندن للاقتصاد (30 مارس 2026م)، متاح على:
https://blogs.lse.ac.uk/europpblog/2026/03/30/europe-iran-conflict-gulf-security-strategic-impact . ↩︎ - “مشروع قرار مدعوم من دول الخليج العربي والولايات المتحدة… نص فرنسا لا يذكر إيران ويشجع على بذل جهود دفاعية”، وكالة رويترز، (24 مارس 2026م)، متاح على:
https://www.reuters.com/world/china/bahrain-proposes-un-security-council-approve-use-force-protect-hormuz-shipping-2026-03-23 ↩︎ - بيان بريطانيا وفرنسا وألمانيا بشأن الحرب على إيران، الحكومة البريطانية، (28 فبراير 2026م)، متاح على:
https://www.gov.uk/government/news/joint-e3-leaders-statement-on-iran-28-february-2026 ↩︎ - “مجلس الأمن يفشل في اعتماد مشروع قرار بحريني بشأن مضيق هرمز”، موقع أخبار الأمم المتحدة، نشر بتاريخ: 7 أبريل 2026م، متاح على:
https://news.un.org/ar/story/2026/04/1144472?fbclid=IwY2xjawRCKZBleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFkUURlQllIVU8wQUI1TkJrc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHvoxN9mu26pPTwmUDZl2ZLKQwrb2Ka5ZIAPTXHSIuY9wngcgZd5wTAYAYjSG_aem_0Uj5P_wF4T51N7HuyLt1pQ ↩︎ - “دور المملكة المتحدة في العالم: تداعيات على السياسة الخارجية”، مكتبة مجلس اللوردات، (27 أبريل 2023م)، متاح على:
https://lordslibrary.parliament.uk/uks-role-in-the-world-implications-for-foreign-policy / ↩︎ - “اندلاع حديث عن إزالة ترامب بين الديمقراطيين حول منشور إيران”، أكسيوس (7 أبريل 2026م)، متاح على:
https://www.axios.com/2026/04/07/trump-iran-impeachment-25th-amendment-war-crimes ↩︎ - “بيان مشترك حول الصراع في الشرق الأوسط”، الحكومة البريطانية، (8 أبريل 2026م)، متاح على:
https://www.gov.uk/government/news/joint-statement-on-the-conflict-in-the-middle-east-8-april-2026 ↩︎ - “رئيس الوزراء يسافر إلى الشرق الأوسط للقاء الحلفاء ودعم وقف إطلاق النار”، الحكومة البريطانية، (8 أبريل 2026م)، متاح على:
https://www.gov.uk/government/news/prime-minister-travels-to-middle-east-to-meet-allies-and-support-ceasefire-8-april-2026 ↩︎ - الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منصة X، (8 أبريل 2026م) متاح على:
https://x.com/EmmanuelMacron/status/2041981628868915307 ↩︎