حين يتحول الصمود إلى سردية منتصرة … كيف صاغت إيران رواية القوة والثبات؟

حين يتحول الصمود إلى سردية منتصرة ... كيف صاغت إيران رواية القوة والثبات؟

حين يتحول الصمود إلى سردية منتصرة … كيف صاغت إيران رواية القوة والثبات؟

حين يتحول الصمود إلى سردية منتصرة ... كيف صاغت إيران رواية القوة والثبات؟
Picture of عبدالحافظ معجب

عبدالحافظ معجب

كاتب وباحث سياسي

مقدمة:

تتجاوز عملية “الوعد الصادق 4” حدود الاشتباك العسكري التقليدي؛ لتستقر في جوهرها معركة على امتلاك الحقيقة وفرض المنطق السيادي وسط ضجيج عالمي من التضليل الإعلامي الممنهج، والقيمة الحقيقية لهذا النموذج تكمن في القدرة المؤسسية للجمهورية الإسلامية في إيران على تحويل الإنجاز الميداني إلى سردية إعلامية متماسكة، استطاعت الصمود والانتشار على رغم التعقيدات الأمنية والسياسية التي أحاطت بالمشهد، ومن هنا لا يمكن فهم أبعاد التفوق الإعلامي الإيراني بمعزل عن دراسة التلاحم البنيوي بين الفعل العسكري والتغطية الاتصالية؛ إذ نجحت طهران في توظيف الأزمات الوجودية وتحويلها إلى منصات لتعزيز الحضور الأخلاقي والسياسي، مقدمةً للعالم نموذجًا في القوة الذكية التي تُحوِّل الدفاع عن النفس إلى هجوم استراتيجي في فضاء الوعي.

أولًا: مرحلة امتصاص الصدمة وتحويل الأزمة إلى فرصة:

لقد شكلت جريمة اغتيال قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي لحظة فارقة، أراد بها العدوان الأمريكي الإسرائيلي إحداث حالة من الصدمة والذهول؛ لشل مراكز القرار وإرباك الحاضنة الشعبية، وكان الرهان الغربي حينها يتمحور حول فكرة تحييد الهرم، بافتراض أن غياب القيادة العليا سيؤدي حتمًا إلى تشرذم الأجنحة العسكرية والدبلوماسية، ويمهد الطريق لنشر الفوضى الأمنية وتفكيك الجبهة الداخلية، وصولًا إلى إسقاط الدولة من الداخل.

إلا أن الواقع الاتصالي الإيراني قدم ردًا مغايرًا؛ إذ انتقلت الدولة بسرعة فائقة من مرحلة الصدمة والذهول إلى مرحلة العمل الجماعي المؤسسي وفق آلية الاحتواء المنظم، ويمكن تلخيص التكتيكات الاحترافية في هذه المرحلة كالآتي:

1 سياسة الصمت والاستنزاف: بدلًا من الانزلاق خلف ردود الفعل العاطفية السريعة والانفعالية، اعتمدت طهران سياسة الصمت الإعلامي المطبق المترافق بتسريبات مدروسة حول تحركات عسكرية مجهولة، هذا الغموض المتعمد حول شكل الرد وتوقيته وضع الإدارة الأمريكية وحلفاءها في حالة استنزاف عصبي، وحول ترقب الرد إلى سلاح ضاغط أربك الأسواق العالمية وعطل مسارات الملاحة؛ ما جعل ساعات انتظار الموت أصعب من الموت نفسه في الوعي الصهيوني والأمريكي.

2 هيبة الدولة والخطاب المؤسسي: أثبت الأداء الإيراني في هذه العملية أن قوة الدولة تتجاوز حضور الأفراد، فبينما كان العالم يترقب التفكك والانهيار المؤسسي ظهرت الماكينة الدبلوماسية والعسكرية كتلة واحدة صلبة، لقد كان الهدوء الرصين الذي اتسمت به البيانات الرسمية يبعث برسالة مفادها أن المؤسسة هي التي تدير المعركة وأن قرار الرد ينبع من رؤية استراتيجية ثابتة لا تتأثر بفقدان القادة مهما كان حجمهم.

3 الغضب الشعبي والتفويض السياسي: استطاع الإعلام الإيراني بذكاء احترافي تحويل حالة الحزن العارم نتيجة الاغتيال إلى زخم وتلاحم شعبي داعم ومؤيد للقرار السياسي والعسكري، فالمسيرات المليونية التي امتدت من ساحة فلسطين في طهران إلى عواصم محور المقاومة لم تكن مجرد فعاليات حزن وعزاء وتضامن فقط، بل كانت أمام الرأي العام العالمي بمقام استفتاء شعبي وتفويض صريح للحرس الثوري بضرب الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة، هذا التلاحم بين الشارع والقيادة سحب البساط من تحت محاولات التضليل الغربية التي كانت تدعي وجود فجوة بين الشعب والدولة، ووضع الرد العسكري في إطار المطلب القومي والأخلاقي.

بهذا الأداء نجحت طهران في تثبيت ركائز الردع النفسي منذ اللحظات الأولى لانطلاق هجمات الوعد الصادق، ممهدةً الطريق للانتقال إلى مرحلة الفعل الميداني الذي رافقه تفوق اتصالي غير مسبوق في تفكيك الرواية الأمريكية المضللة.

ثانيًا: تحطيم البروباجندا الترامبية وتحصين الشارع:

تجاوزت إدارة طهران للمعركة جميع الأنماط التقليدية في التعامل مع الأزمات، وبرزت عمليات الاتصال المتوازي قوة ضاربة واجهت مباشرة أشرس أدوات البروباجندا الأمريكية في تاريخ البيت الأبيض، التي كان يديرها الرئيس ترامب شخصيًا، وبينما كانت الإدارة الأمريكية تراهن على سياسة “التسفيه والتقليل” من شأن القدرات الإيرانية، شيدت طهران خطابها على ركائز الحقائق الميدانية المرتبطة بالزمان والمكان؛ ما جعل الرواية الأمريكية تبدو كأنها جزء من العروض السينمائية المفتقرة للقرائن أمام سردية إيرانية شديدة التماسك والواقعية.

1تفكيك الشخصنة وتطويع الخطاب القانوني: واجهت الجمهورية الإسلامية محاولات “ترامب” تحويل المعركة إلى مواجهة شخصية، عن طريق تبني لغة قانونية دولية رصينة ومحسوبة بدقة، فبينما كانت التصريحات والتغريدات الصادرة من واشنطن تتسم بالاندفاع والانفعال، بادرت الخارجية الإيرانية إلى تأطير الرد العسكري ضمن حق الدفاع عن النفس المكفول في ميثاق الأمم المتحدة، في تناغم يجمع بين الصاروخ والحق القانوني؛ لتجد الإدارة الأمريكية نفسها في مأزق أخلاقي أمام حلفائها والمجتمع الدولي؛ إذ تحول الفعل العسكري من مجرد “انتقام” إلى ممارسة سيادية مشروعة تهدف إلى ترميم منظومة الردع ومنع الانزلاق نحو فوضى شاملة يغذيها التهور الأمريكي.

2سلاح الشفافية في مواجهة التضليل: في اللحظات التي ادعى فيها البنتاغون اعتراض الصواريخ أو فشلها في إصابة أهدافها، انتقل الحرس الثوري من وضعية الدفاع التقليدية إلى منهجية التفنيد بالوثيقة البصرية، وجرى ضخ سيل من المشاهد عالية الدقة التي توثق لحظات الإطلاق، وصولًا إلى دقة الارتطام بالأهداف العسكرية المحددة داخل القواعد الأمريكية، عملية كشف ممنهج لزيف التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض، وأجبرت البنتاغون لاحقًا على الاعتراف ببعض الخسائر البشرية والمادية تحت ضغط التسريبات الموجهة التي أدارتها الأجهزة الإعلامية للحرس الثوري بذكاء.

3حدود العملية وتحييد الجوار: نجحت طهران في تنفيذ ما يمكن وصفه بالجراحة السياسية الدقيقة لفصل العدو الأصيل عن المحيط الجغرافي، في الوقت الذي كانت تسعى فيه واشنطن إلى تخويف دول المنطقة عن طريق إلصاق تهم استهداف المنشآت المدنية بطهران، كانت الماكينة الإعلامية الإيرانية (إرنا، تسنيم، العالم) تبادر بسرعة فائقة للنفي القاطع وتأكيد أن بنك الأهداف يقتصر حصرًا على القواعد الأمريكية التي انطلق منها العدوان، هذا الوضوح الأخلاقي القائم على مبدأ الإعلان عن ما يجري فعله علانية ونفي ما لم تفعله، عزز من مصداقية الرواية الإيرانية إقليميًا ودوليًا، فالدولة التي تمتلك الجرأة لضرب أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة لا تجد دافعًا لإنكار عمليات ثانوية؛ ما أفشل جميع محاولات تأليب الرأي العام ضدها.

4الكوميديا السوداء تسقط القوة العظمى: أدركت طهران أن جزءًا كبيرًا من الهيمنة الأمريكية يقوم على الصورة النمطية للقوة؛ لذا عمدت إلى استخدام سلاح السخرية والتهكم لتجريد التهديدات الأمريكية من مفعولها الترهيبي، جرى تداول محتوى مرئي يسخر من التناقضات المتكررة في تصريحات ترامب، التي تراوحت بين التوعد بالجحيم والرغبة الملحة في التفاوض، الكوميديا السوداء في عملية الوعد الصادق بنسختها الرابعة لم تكن للترفيه بقدر ما كانت فعلًا سياسيًا مدروسًا عمل على التقزيم والتحطيم لصورة العدو في الوعي الشعبي، محولًا الصورة الهوليودية عن الجندي الذي لا يقهر إلى واقع إنسان مهزوم يبحث عن ملجأ؛ هربًا من صواريخ الوعد الصادق، أو يختبئ بين الجبال ووسط الغابات بحثًا عن الإنقاذ بعدم تحطم طائرته تحت نيران القوة الجو فضائية، لقد أثبت هذا النهج أن القوة الحقيقية لا تكتمل إلا بالقدرة على جعل التهديدات الاستكبارية “أضحوكة” أمام الشعوب، التي تقبلت الرد العسكري خطوة عادلة لكسر الغطرسة.

ثالثًا: مواجهة العزلة بالفضاء الإلكتروني:

لم تأت القوة الإعلامية الإيرانية خلال هذه العملية من الفراغ أو الصدفة، بل كانت ثمرة وحصادًا لتعبئة رقمية شاملة، استطاعت كسر طوق العزلة الذي حاولت واشنطن فرضه على مدى عقود من الحصار، لقد أدركت طهران أن الميدان الرقمي هو المجال الجوي الجديد الذي يجب السيطرة عليه؛ لضمان هبوط الرواية السياسية بسلام في وعي الشعوب، فاعتمدت على التعدد في المنابر والوحدة في المضمون التي سمحت بمخاطبة كل جمهور باللغة التي يتحدث بها والقيم الثقافية والسياسية التي يؤمن بها.

1حسابات السفارات والدبلوماسية الرقمية: انفتح الخطاب الإيراني على الفضاء الغربي بفاعلية غير مسبوقة، متجاوزًا لغة التهديد التقليدية نحو التأصيل القانوني والحقوقي، وتحولت حسابات البعثات الدبلوماسية في لندن وباريس وبرلين إلى مراكز إخبارية نشطة؛ إذ جرى ضخ المعلومات التي تفند ادعاءات استهداف المدنيين باللغة الإنجليزية والفرنسية بشكل لحظي، تحرك مهني عاجل أسهم في خلق حالة من الوعي النقدي لدى الجمهور الغربي تجاه رواية البيت الأبيض، وظهرت نتائج ذلك بوضوح في المظاهرات التي شهدتها العواصم الأوروبية، التي بدأت تتبنى منطق الحق الإيراني في الدفاع عن النفس، في تحول جوهري لبنية الرأي العام الذي ظل لعقود أسيرًا للتضليل الممنهج.

2الحرب النفسية على المستوطنين: أظهرت طهران احترافية عالية في إدارة الرسائل الموجهة للداخل الصهيوني باستخدام اللغة العبرية بإتقان، الاختراقات السيبرانية التي أوصلت الرسائل بالعبرية إلى هواتف المستوطنين لم تكن للتخويف، بل هدفت إلى زعزعة الثقة بين المستوطنين ومؤسساتهم العسكرية والأمنية العاجزة عن التصدي لهذا الاختراق الذي وصل إلى متناول يد كل مستوطن وخاطبه باسمه وصفته، إلى جانب ما نُشر باللغة العبرية على حسابات بعض السفارات الإيرانية على المنصات الرقمية من تحذيرات وحقائق ميدانية تتجاوز الرقابة العسكرية الصارمة، لقد أجبرت هذه الاختراقات الرقمية المؤسسة الأمنية الصهيونية على الخروج المتكرر لتفنيد ما وصفته بالإشاعات الإيرانية، وهو في حد ذاته انتصار لسردية المقاومة التي استطاعت أن تفرض جدول أعمالها الإخباري على الرأي العام داخل الكيان.

3الجيوش الإلكترونية والدفاع الاستباقي: شكلت الحشود الرقمية من الناشطين والمؤثرين جدار الصد المعلوماتي الصلب أمام محاولات اختراق الرواية الوطنية، اعتمدت هذه الجيوش تكتيك الدفاع الاستباقي، وبمجرد صدور ادعاء أمريكي حول الفشل في أهداف موجة الرد، كانت خلايا الوعي تباشر تفكيك الادعاء تقنيًا واستخدام البحث العكسي للصور لإثبات زيفها، كما جرى توظيف “الإنفوجرافيك” والمقاطع القصيرة لتبسيط حق الرد القانوني إزاء الجرائم والمجازر الأمريكية والإسرائيلية المرتكبة؛ ما مكَّن السردية من النفاذ إلى أوساط الشباب في الغرب وجنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية عبر وسوم “هاشتاغات” موحدة كسرت جغرافيا الصراع.

4- القوة الذكية للفضائيات الموجهة: فرضت المنصات الإعلامية الإيرانية نفسها مصادر أولية للأخبار، حتى اضطرت وكالات الأنباء العالمية مثل “رويترز” و”أسوشيتد برس” للاقتباس منها؛ لمواكبة تسارع الأحداث، وقدَّمت قناة Press TV دورًا محوريًا في استقطاب النخب الغربية، وقدمت قراءات نقدية للسياسة الأمريكية، بينما ظلت قناة “العالم” المرجع المحوري للجمهور العربي، هذا الانتشار الإعلامي المستقل بنى شبكة عابرة للحدود، خاطبت الشعوب بلغاتها وقيمها؛ لتتحول القضية من مجرد صراع بين دول إلى معركة وجود وكرامة تحظى بالالتفاف العالمي.

5الناشطون والمؤثرون: تجاوزت طهران فكرة حصر الرسالة في نشرة الأخبار والمذيع التقليدي؛ إذ استثمرت في الوعي التطوعي لمؤثري وناشطي السوشال ميديا في دول محور المقاومة، هؤلاء المؤثرون قدموا قراءات سياسية بلهجات قريبة من قلوب الشعوب، مستخدمين تقنيات البث المباشر والتعليق الفوري الذي سبق الكثير من القنوات الإخبارية التقليدية الداعمة للرواية الأمريكية والصهيونية، التي عجزت عن مواكبة السرعة والتدفق المعلوماتي لتطورات الأحداث.

رابعًا: الحصاد السياسي للرواية المنتصرة:

تجاوزت مخرجات اللقاء الدبلوماسي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد حدود النتائج المعلنة للمفاوضات، لتتحول في جوهرها إلى وثيقة إقرار دولي بنجاح استراتيجية “تراكم القوة” التي أدارتها طهران ببراعة، بعد أن كانت واشنطن تطلق التهديدات وتحدد المهل الزمنية النهائية، جاء جلوس الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس للتفاوض مع الوفد الإيراني بمقام اعتراف ضمني بتحطم جدار الترهيب الذي حاول البيت الأبيض تشييده منذ الحظة الأولى للعدوان على طهران، المشهد الدبلوماسي في إسلام آباد مثل تتويجًا لمسار استراتيجي متكامل، بدأ بامتصاص ذكي للصدمة في فقد القيادة، وانتهى بفرض معادلة الندّية المطلقة التي أجبرت القوة العظمى على التراجع عن لغة الإملاءات والقبول بمنطق التفاوض تحت ضغط الصواريخ والسردية المنتصرة.

وعلى الرغم من انتهاء هذه الجولة دون التوقيع على اتفاقات نهائية، إلا أن المكسب الحقيقي تمثل في قدرة المفاوض الإيراني على رفض الشروط الأمريكية المتعسفة بكل ثبات، مستندًا إلى موقف شعبي وعسكري صلب، لقد غادر الوفد الإيراني قاعة الاجتماعات متمسكًا بأوراق قوته السيادية، مما حوّل الجولة من مجرد محاولة لاحتواء الصراع إلى منصة عالمية أثبتت بواسطتها طهران أن دبلوماسية الاقتدار هي الكفيلة وحدها بكسر الغطرسة، مقدمةً بذلك نموذجًا ملهمًا في إدارة التفاوض من موقع القوة وليس من موقع الاستجابة للضغوط.

1  لغة السيادة وثقة الوعد الصادق: عكست مشاهد وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد حالة من الثقة السيادية التي استمدت زخمها من نتائج الميدان، وبعد محاولات متكررة للخطاب الأمريكي في تصوير قبول طهران بالجلوس على طاولة المفاوضات بالتراجع والاستسلام، استطاعت الماكنة الإعلامية في طهران قلب هذه الصورة، وتصوير المفاوضات في إطار الإقرار الأمريكي بالعجز عن الحسم العسكري، بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني فرض شروط التفاوض في البنود العشرة التي تضمنت: إنهاء الحرب ضد جميع مكونات محور المقاومة، وانسحاب القوات القتالية الأميركية من كل قواعدها في المنطقة، مع تثبيت ترتيبات أمنية تضمن عدم استهداف إيران عسكريًا مستقبلًا، ودفع كامل التعويضات لما لحق بها جراء هذا العدوان، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية المفروضة عليها، مع إلغاء قرارات العقوبات الصادرة عن مجلس الأمن والوكالة الدولية، والإفراج عن جميع أصولها المجمدة في الخارج، وتنسيق العبور المنظم من مضيق هرمز مع قواتها المسلحة بما يعزز مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية.

لغة السيادة هذه لم تكن لتجد طريقها للقبول لولا التفوق العسكري والإعلامي الذي أحرج واشنطن أمام حلفائها، وكشف زيف قدرتها على حماية حلفائها في المنطقة.

2دبلوماسية القوة عقب جولة إسلام آباد: جاءت التصريحات التي أدلى بها رئيس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف فور عودة الوفد من العاصمة الباكستانية؛ لتثبت أن جدار انعدام الثقة مع واشنطن- الذي شُيّد على مدار عقود- لا يمكن تجاوزه إلا بامتثال الطرف الأمريكي لشروط الشعب الإيراني، وإثبات حسن نواياه عمليًا، هذا الموقف عكس بوضوح أن طهران لم تذهب للتفاوض بحثًا عن مخرج تحت وطأة التهديدات الأمريكية بالجحيم، بل ذهبت لفرض رؤية شاملة وتشاركية استندت إلى خبرات وتجارب ومبادرات سيادية وضعت واشنطن في موقف المختبَر أمام الرأي العام الدولي.

تصريحات قاليباف ربطت بين دعم رسالة القيادة وبين الحضور الجماهيري الفاعل في الشوارع، هذا التلاحم هو الوقود الحقيقي الذي منح الوفد المفاوض قدرة المناورة والثبات أمام التحديات الأمريكية، الرسالة الواضحة هنا أن الإرادة الإيرانية غير قابلة للاختبار مرة أخرى، والتهديدات الأمريكية لم تعد تتجاوز كونها شعارات جوفاء أمام حقيقة الإنجاز الميداني، وبذلك تحول الحصاد السياسي من جولة تفاوض فاشلة إلى درس جديد في التجربة الإيرانية، يؤكد أن المخرج الوحيد لأمريكا يكمن في كسب ثقة الشعب الذي استطاع تحويل الصدمة إلى فعل وردع، فارضًا منطق الندية والحوار المتكافئ بدلًا من الخضوع لسياسة الإملاءات.

خامسًا: النموذج واستراتيجية البقاء:

تمثل التجربة الإيرانية في النسخة الرابعة من عملية الوعد الصادق نموذجًا مرجعيًا للدول والحركات التي قد تجد نفسها في مواجهة عدوان مباشر من قوى عظمى، إن النجاح في تثبيت السردية الوطنية أمام الحرب الإعلامية والنفسية التي خاضتها منظومات الإعلام الغربية برئاسة ترامب، يقدم دروسًا عملية في كيفية إدارة الصراع الوجودي بذكاء واحترافية:

1بناء المنظومة الإعلامية قبل المنظومة الصاروخية: أثبتت التجربة أن امتلاك التكنولوجيا العسكرية لا يكفي إذا لم ترافقه منظومات إعلامية واتصالية سيادية، فالنموذج الإيراني يركز على ضرورة إعداد “بنك أهداف إعلامي” موازٍ للأهداف العسكرية، يستهدف نقاط الضعف في الرواية المعادية، ويفكك تناقضاتها الأخلاقية والتقنية.

2الاستقلال عن المنصات المعادية: يكمن سر النجاح الإيراني في عدم الارتهان للمنصات الرقمية الغربية التي تخضع لسياسات الحجب والتعتيم والحظر والإغلاق للمنصات والحسابات، إن بناء شبكات إعلامية قادرة على التأثير خارج الحدود الجغرافية للدولة، ومخاطبة الشعوب الأخرى بلغاتها الأم وتجاوز الوسطاء الإعلاميين الغربيين، هو الطريق الوحيد لضمان وصول الرواية الوطنية إلى الرأي العام العالمي دون تشويه.

3المواطن الصحفي في الإعلام الرقمي: نجحت طهران في تحويل القاعدة الجماهيرية من موقع المتلقي السلبي إلى دور المؤثر وصانع المحتوى الذي يفكك الخطاب المعادي ويدافع عن السردية الوطنية، استثمارًا في الوعي الشعبي، الذي يوفر الحماية للجبهة الداخلية، ويمنع اختراقها من خلال قصف الأدمغة والحرب النفسية أو الفوضى المعلوماتية بالإغراق والتشتيت، التي غالبًا ما تسبق أو ترافق العدوان العسكري.

خلاصة التجربة

تؤكد هذه الورقة أن معايير النصر في الحروب الحديثة قد تغيرت جذريًا، والحسم الذي كان مرتبطًا بحجم الدمار المادي، أصبح يقاس بمدى القدرة على ترسيخ الحقيقة الوطنية في ذاكرة الصديق والعدو على حد سواء، والتجربة الإيرانية لم تقتصر على مبدأ “رد الصاع بصاعين”، بل كانت إعلانًا عن ميلاد القوة الإقليمية الذكية التي تتقن لغة الصواريخ ولغة الشاشات والخوارزميات بذات القدر من الاحترافية.

لقد انتصرت السردية الإيرانية؛ لأنها ارتكزت على ثنائية الحق والتوثيق في مواجهة الغطرسة والتزييف، وهذا هو الدرس الأهم للدول التي تسعى للحفاظ على سيادتها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء الذين يمتلكون القدرة على كتابة تاريخهم بأيديهم وفرض روايتهم في أصعب لحظات التصعيد والخنق والمواجهة.