لبنان … تصعيد الكيان والخيارات المتاحة

لبنان ... تصعيد الكيان والخيارات المتاحة

وجهة نظر│14 فبراير 2026

ليست الهزات الأرضية وحدها ما يهدد مئات المنازل ومئات الآلاف من اللبنانيين، فهناك زلازل أخرى لا تقل خطرًا تتهدد لبنان، يتصدرها الكيان الصهيوني واستعداداته الجارية لتوسيع عدوانه المستمر على لبنان وجنوبه منذ قرابة 15 شهرًا، في أكثر من جبهة، تستهدف لبنان دولة وسيادة واستقلالًا، وتستهدف اللبنانيين حرية ومقاومة ودفاعًا، وحقًا في الحياة بكرامة.

لا يكتفي الكيان الصهيوني في عدوانه على لبنان بغاراته الإجرامية على الأحياء السكنية والمنشآت المدنية في لبنان، بل يعمل على عقر مقومات الاستقلال اللبناني، عن طريق تسميم البيئة والزراعة برش مبيدات سامة، ودس سموم الخلافات بين مكونات المجتمع اللبناني ومؤسسات الدولة اللبنانية؛ سعيًا منه إلى إحداث شرخ في بنيان لبنان للانقضاض عليه.

وفقًا لتقارير وسائل إعلام ومراكز دراسات فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي يجري استعدادات واسعة لحرب شاملة على لبنان، بالتوازي مع تحشيدات الولايات المتحدة الأمريكية أساطيلها باتجاه مضيق هرمز لتخيير إيران بين الرضوخ لشروط واشنطن و”تل أبيب” أو الحرب. يترافق هذا، مع تصعيد الكيان حربه التجسسية على لبنان، وإعلان الأمن العام اللبناني عن أنه ” تمكّن من كشف شبكة تجسس نفذها الموقوف محمد. ص . لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي؛ إذ أدت نشاطاته إلى اغتيال قيادات المقاومة اللبنانية على رأسها أمين “حزب الله” السيد حسن نصر الله، والتخطيط لهجمات إرهابية في الأراضي اللبنانية “.

لا تكاد تتوقف غارات طيران جيش الاحتلال الإسرائيلي على جنوب لبنان، غير أن المثير للريبة توسيع جيش الاحتلال الصهيوني عدوانه ليمتد إلى اقتحامات واختطافات، كما حدث فجر الاثنين (9 فبراير) في قضاء حاصبيا، حين توغّلت قوة عسكرية إسرائيلية سيرًا على الأقدام إلى بلدة الهبارية في منطقة العرقوب، وداهمت منزل الرئيس السابق للبلدية، عطوي عطوي، واختطفته بزعم “انتمائه للجماعة الإسلامية”.

بالمقابل، أدان “حزب الله” هجمات العدوان الإسرائيلي بوصفها “أعمالًا إجرامية ووحشية تستهدف اللبنانيين بالقتل والإرهاب واستخفافًا بالسيادة اللبنانية”، وعدَّ هذه الجرائم أنها “تنذر ببدء مرحلة جديدة من التفلت الإسرائيلي، تشمل التوغّل وعمليات الخطف والأسر، ما يعرّض سكان الجنوب لخطر مباشر، ويؤكد غياب أي رادع أو حماية لهم”، مطالبًا “الدولة اللبنانية تحمل مسؤولياتها”.

ومع أن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، استجاب لمطالبة “حزب الله” الدولة اللبنانية بـ “التحرك على كل المستويات السياسية والدبلوماسية والقانونية، والعمل الجدي لحماية المواطنين”، وكلف وزير الخارجية بالتحرك الفوري مع الأمم المتحدة، لإيقاف ما عدَّه “اعتداءً صارخًا على السيادة اللبنانية وخرقًا لاتفاق وقف الأعمال العدائية”، إلا أن ملازمة الحكومة اللبنانية الموقف السياسي، وكذلك الجيش، واكتفاء وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار بإدانة العدوان الإسرائيلي واقتحام جيش الاحتلال بلدة الهبارية واختطاف مواطن، بوصفه “تماديًا مرفوضًا جملة وتفصيلًا، وانتهاكًا صارخًا للسيادة والأمن”، أكد تحذير “حزب الله” من “الاكتفاء بالأقوال التي لا تمنع العدو من التمادي في اعتداءاته”.

لا تنفك وقائع العدوان الإسرائيلي المتصاعدة، تؤكد أنه يستهدف دولة لبنان وسيادتها واستقلالها وشعبها بكل أطيافه ومكوناته؛ إذ تتزامن الهجمات الأخيرة مع تنفيذ الجيش اللبناني عمليات تفتيش جنوب نهر الليطاني بموجب معلومات أميركية عن “مخزن أسلحة في بلدة الحلوسية بقضاء صور” بهدف “ضمان ضبط التهديدات المتصاعدة وحماية المدنيين”.

ليس هذا فحسب، فعلى الرغم من تحركات الحكومة اللبنانية في الجولة الثانية –على رأسها رئيس الحكومة- في المدن والقرى الحدودية، استمر جيش الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ سلسلة اعتداءات خلفت ضحايا وخطف مواطنين، ما يضع سكان جنوب لبنان أمام تهديد مباشر ويضاعف التوتر على الحدود، ويستدعي موقفًا دفاعيًا من الحكومة اللبنانية؛ لحماية المواطنين والسيادة.

لم يكن غريبًا أن تأتي كلمة الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم- عند افتتاح مركز لبنان الطبي في الحدت- شاحذة للموقف الشعبي والرسمي باتجاه اليقين بحجم الخطر الذي يتهدد الدولة اللبنانية واستقلالها، وتأكيده أن “العدو الإسرائيلي يعتمد القوة والاحتلال والإجرام والإبادة؛ لتحقيق مشروعه التوسعي على حساب لبنان ونهوضه وخياراته”.

بدا طبيعيًا أن يجدد خطاب الشيخ نعيم التذكير أن الدول الكبرى- وعلى رأسها الولايات المتحدة- مارست ضغوطًا متنوعة على لبنان وحكومته وجيشه؛ بهدف نزع سلاح المقاومة، وجرّ الحكومة إلى قرار حصرية السلاح، لكنه أكد أن هذه الضغوط لم تنجح لأنها تفتقد إلى الميثاقية وتخالف الدستور في حق الدفاع، ولأن وعي الجيش والمقاومة والشعب قد وأد الفتنة في مهدها.

رسم الخطاب صورة دقيقة للتحديات التي تواجه لبنان، ولخص الاستراتيجية الوطنية للمرحلة في ثلاثة أركان: الدفاع عن السيادة، التضامن والوحدة الوطنية، الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مؤكدا أن محاولات إحداث خلاف بين حزب الله وحركة أمل “باءت بالفشل، والتحالف بين الجانبين متجذر”، وبالمثل محاولات إحداث شرخ بين رئاسة الجمهورية والمقاومة.

لكن الأهم من هذا التوافق الحتمي، هو تأكيد الشيخ نعيم على أن الصمود ينفي الهزيمة، وأن الجهوزية والاستعداد للدفاع يمنعان العدو الإسرائيلي من تحقيق أهدافه، وأن المرحلة الحالية هي التي ترسم مستقبل لبنان، وأن أي تراجع أو انهزام أو استسلام من شأنه إخراج لبنان من خارطة الدول المستقلة، وإبرازه هدفين للمرحلة: ايقاف العدوان وإنهاء الأزمة المالية والاقتصادية.

الخلاصة: يمر لبنان بمرحلة مصيرية، تفرض تعزيز المقاومة الوطنية والصمود السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ شرطًا لضمان الحفاظ على سيادة الدولة اللبنانية واستقلالها في مواجهة الضغوط الخارجية والتحديات الإقليمية المتصاعدة؛ ما يستدعي الحاجة إلى توازن بين القوة العسكرية، والوحدة الوطنية، والاستجابة الفعلية لتحسين الظروف الاقتصادية والخدمية للمواطنين.