وجهة نظر│14 فبراير 2026
فضائح بالجملة، كشفت عنها وثائق وملفات الملياردير الأمريكي جيفري إبستين، التي تظهر حجم الانحطاط الأخلاقي والقيمي في النظام الرأسمالي عمومًا، والأمريكي بشكل خاص.
دعارة وفضائح جنسية، واختطاف، واغتصاب أطفال، ووصل حد الانحطاط إلى الحديث عن أكل لحوم البشر، وتعذيب الأطفال لرفع مستوى الأدرينالين عندهم، ثم قتلهم؛ للحصول على مادة تعطي الحيوية والشباب عند من يتناولها.
ربما كانت الوثائق المتعلقة بسورية قليلة، قياسًا بدول أخرى، لكنها تحمل أهمية خاصة إذا تجاوزت الملف الأخلاقي؛ لتتصل بالملف السياسي ودورها في الأزمة السورية، ويبرز بشكل خاص تزامن مدة نشاط إبستين مع هذه الأزمة، التي بدأت عام 2011، لكنها بدأت عمليًا منذ أحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية؛ بسبب الموقع الجيوسياسي المهم لسورية، الذي يضعها في قلب كل الأحداث في المنطقة والعالم، حتى البعيدة عنها.
الأخطر في ملفات إبستين المتعلقة بسورية أنها ترتبط -بشكل خاص- بتجارة الأطفال وعلاقتها المباشرة بالفضائح الجنسية، التي حدثت في الجزيرة الشيطانية؛ إذ تكشف الوثائق عمليات خطف الأطفال، وتجارة الأعضاء، التي كانت تجري في مخيمات اللجوء السوري، لاسيما في تركيا وشمال سورية، التي كان يجري الحديث عنها، حتى قبل ظهور فضائح إبستين، لكنها كانت تفتقر إلى الدليل المباشر، وهو ما وفرته وثائق إبستين.
وكشفت الوثائق تورط منظمة الخوذ البيضاء، بأنشطة إبستين، وهذه المنظمة كانت تقوم بمهمة الدفاع المدني، والأعمال التي تقوم بها -عادة- منظمات الهلال والصليب الأحمر، وكانت تمارس نشاطاتها في مناطق المعارضة السورية السابقة، وفي مخيمات اللجوء بشكل خاص.
واللافت أن هذه المنظمة شكَّلها جهاز الاستخبارات البريطاني، ورعى نشاطاتها وترويجها الإعلامي، وحصلت على جوائز وميداليات في نشاطات سياسية واجتماعية وفنية، نظمتها مؤسسات غربية، وأصبحت اليوم جزءًا من النظام السوري الحالي، وأصبح مسؤولها السابق رائد صالح، وزير الطوارئ في الحكومة السورية الحالية.
واتهم العضو السابق في مجلس الشعب السوري عن محافظة القنيطرة المحتلة، من العدو الإسرائيلي، النائب وليد درويش، منظمة الخوذ البيضاء بأنها هي من كانت تخطف الأطفال، لاسيما من مخيمات اللاجئين السوريين، وترسلهم عن طريق تركيا إلى جزيرة إبستين، وأن العمليات التي جرت كانت بالمئات.
وأعاد النائب درويش التذكير بعملية التفجير التي حصل في منطقة الراشدين في حلب، التي استهدف باصات الأهالي من بلدتي كفريا والفوعة، الذين خرجوا بموجب تسوية بين الدولة السورية والتنظيمات المسلحة حينئذ، التي أصبحت في الحكم حاليًا، وقتل خلالها المئات من الأهالي، لكنه جرى الحديث حينها عن خطف 60 طفلًا، من أبناء البلدتين، ولم يعرف عنهم شيئًا حتى الآن.
كما كشفت وثائق أخرى مشاركة تركيا الرسمية بهذه العمليات، سواء بشكل مباشر أم عن طريق شركات وأشخاص مرتبطين بالنظام التركي؛ إذ كشفت الوثائق أن تركيا باعت أطفالًا لشبكة إبستين بمبالغ وصلت إلى مئتي مليون دولار.
إضافة إلى ذلك كان مستغربًا حجم تورط شبكة إبستين بالنشاطات السياسية، ودورها في التدخلات الخارجية في سورية، والمخططات الموضوعة للسيطرة على المنطقة، من البوابة السورية، التي تعد مفتاح المنطقة.
من الوثائق التي جرى الكشف عنها رسائل بين إبستين وبين رئيس حكومة الكيان الصهيوني السابق إيهود باراك، عام 2013، ناقشت كيفية تحويل أموال الحروب في سورية وليبيا والصومال، واقتراحات لتسريع إسقاط نظام الأسد.
وفي أربعة ملفات تحمل اسم سورية تلقى إبستين في إحداها بريدًا يحوي مقالًا من مركز (أتلانتي كاونتر) حول سياسة أوباما في سورية، وآخر حول سياسة بوتين وأوباما في سورية، وفي ملف آخر تحليل يتناول الحجج المعارضة، للتدخل العسكري الأمريكي في الحرب السورية، ويناقش تشتت المعارضة والجماعات المتطرفة، وعدم الاستقرار الإقليمي، والدروس المستفادة من العراق وليبيا.
أما الملف الذي حمل رقم 030881، الذي يعود تاريخه إلى العام 2013، ففيه نقد شديد للسياسات الفرنسية في سورية؛ إذ كانت فرنسا تحاول استعادة شيء من دورها ومجدها الضائع.
كما جرى الكشف عن مراسلات بين إبيستين، والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، بتاريخ 28 أيلول/سبتمبر 2015، يتحدث فيها تشومسكي عن الفشل الذريع للسياسات الأمريكية والغربية حول سورية؛ إذ أنفق الناتو مليارات الدولارات على تدريب (المعارضة السورية) لكن العناصر التي تلقت التدريب انضمت سريعًا إلى جبهة النصرة.
كما يجيب تشومسكي عن استفسارات إبستين حول شرعية التدخل الأمريكي والروسي في سورية قائلًا: من الناحية القانونية لدى بوتين حجة قوية، أما من الناحية الأخلاقية فدعم الحكومة السورية الشرعية يعد جريمة، مذكرًا أن دعم (المتمردين) يعد قصة معقدة، وأن حلفاء الولايات المتحدة- من بينهم السعودية، ودول خليجية أخرى وتركيا- كانوا يدعمون ما وصفهم بأسوأ الفصائل، بما في ذلك تنظيم داعش والنصرة، على رغم نفيهم لهذا الدعم.
وفي رسالتين منفصلتين- حُجبت أسماء مرسليها- تحدثت الأولى عن تنسيق اجتماعات تتعلق بسورية، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على السرية، وفي الثانية سؤال إلى إبستين، تناول إمكانية دعم الولايات المتحدة الأمريكية فصائل في سورية، كما اتهمت المراسلات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بدعم التيار المتشدد على حساب الحلفاء الغربيين.
وفي رسالة أخرى وجه الملياردير الأمريكي بيل غيتس، رسالة إلى إبستين، اقترح فيها عليه كتابة مقالة عن السلام في العالم، مع طرح شلل الأطفال في سورية موضوعا لها.
كما ظهر اسم رجل الأعمال والملياردير السوري السعودي وفيق رضا سعيد، المعروف بدوره في الوساطة بصفقات أسلحة قديمة أبرمتها السعودية، ويبدو أن نشاطات إبستين، شملت حتى التجارة والآثار؛ إذ عرض للبيع أثاثًا مرصعًا باللؤلؤ من سورية.
أما الملف الغامض فيتعلق بالناشط السوري من أصل فلسطيني باسل خرطبيل، الذي كان يعمل باحثًا في معهد إم آي تي (MIT) للتكنولوجيا، الذي كان يديره رجل الأعمال الياباني جوي أيتو، وجرى اعتقال خرطبيل من قبل نظام الرئيس بشار الأسد، في العام 2012، وتحدثت تقارير عن إعدامه في العام 2017، وسجلت الوثائق أن أيتو، أرسل في العام 2015، إلى صديقه إبستين، طالبًا منه التدخل لدى نظام الأسد، للإفراج عن خرطبيل، وتحدثت تقارير بأنه كان متورطًا بنشاطات الخوذ البيضاء.
ثمة ملاحظة لافتة، وهي أن معظم الوثائق المتعلقة بسورية حُجبت أسماء مرسليها بدون معرفة أسباب هذا الحجب.
ما جرى الكشف عنه من وثائق إبستين، وبحسب تقارير أمريكية، تجاوز ثلاثة ملايين وثيقة، لكن هناك الكثير مما لم يُكشف حتى الآن، وبالتأكيد أمر الكشف عنها أو عدمه متعلق بتشابكات المصالح، بين من يقف وراء إنشاء هذه الشبكة وغيرها من الشبكات، التي تحكم العالم السري، للقوى التي تحاول التحكم بمصير البشرية، وقادة وزعماء العالم المتورطين مع هذه الشبكات.
أما النتيجة التي يجري تأكيدها مع كل حدث عالمي أو فضيحة أو حرب أو عمليات إجرامية، فهي أن الابتعاد عن أمريكا قد يكون مكلفًا، لكن الاقتراب منها قد يكون مكلفًا أكثر.