ورقة تحليلية│12 فبراير 2026
يعيش العالم منذ 5 فبراير الماضي تحت وطأة مخاوف عودة الكابوس النووي بعد إعلان روسيا انتهاء العمل بمعاهدة “نيو ستارت” الموقعة مع الولايات المتحدة الأميركية للحد من انتشار الأسلحة النووية الاستراتيجية، وعدم استجابة واشنطن لتجديد المعاهدة، في حدث هو الأول منذ نحو 50 عامًا من القيود القانونية التي فرضتها هذه المعاهدة على الترسانة الاستراتيجية النووية لدى أكبر دولتين نوويتين في العالم.
المشهد الكارثي عبَّر عنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي وصف انتهاء سريان معاهدة “نيو ستارت” بأنها “لحظة قاتمة على السلام والأمن الدوليين مع ارتفاع خطر استخدام الأسلحة النووية إلى أعلى مستوى منذ عقود، في غياب القيود الملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية لكل من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية، وهما الدولتان اللتان تمتلكان الغالبية العظمى من المخزون النووي العالمي”.
عدم تجديد الولايات المتحدة وروسيا معاهدة “نيو ستارت” أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، في ظل مخاوف من أن يؤدي غياب هذه المعاهدة إلى انطلاق صفارة سباق نووي بين أميركا وروسيا اللتين تستحوذان على نحو 80% من الترسانة النووية؛ بما يقود إلى انتشار منفلت للأسلحة النووية دون سقوف قانونية، كما هو الحال مع الهند وباكستان وبريطانيا وفرنسا، وكذلك الصين التي تؤكد التقارير الدولية أنها تمتلك حاليًا الترسانة النووية الأسرع نموًا في العالم بعد أن ظلت لعقود ملتزمة باستراتيجية الردع النووي المحدود1.
وفي ظل تصاعد حدة المنافسة الاستراتيجية بين أميركا وروسيا واتجاههما نحو زيادة هذا النوع من الأسلحة وتطويرها، بدت الدعوة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش –مؤخرًا للولايات المتحدة وروسيا بالعودة لطاولة المفاوضات والتوقيع على إطار بديل للحد من انتشار الأسلحة النووية- بمقام إنذار أممي من مخاطر ولوج العالم مرحلة جديدة تختفي فيها القيود القانونية الملزمة للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية2.
وتحذير غوتيريش عبَّر عن مخاوف دولية من مخاطر حقيقية تهدد أمن العالم ليس من انتهاء معاهدة “نيو ستارت” وعدم تجديدها أو توقيع معاهدة جديدة، بل من شروع البلدين في إجراءات لتطوير برامجهما النووية، خصوصًا بعد إعلان الولايات المتحدة في العام 2019 الانسحاب من معاهدة رئيسة أبرمت عام 1987 مع روسيا بشأن الصواريخ النووية متوسطة المدى.
ولا خلاف أن معاهدة “نيو ستارت” أسهمت في تعزيز الأمن العالمي، وعززت الاستقرار الاستراتيجي خلال العقود الماضية بعدما أدت إلى خفض الترسانة النووية العالمية بأكثر من 80% منذ ذروة الحرب الباردة، وتخفيض الرؤوس النووية المنتشرة في كل من روسيا وأميركا إلى حدود قريبة من 1550 رأسًا لكل دولة، بخفض بلغت نسبته 30% عما كانت تملكه الدولتان في السابق3.
كما خفضت المعاهدة عدد الصواريخ والقاذفات النووية المُنتشرة في أميركا وروسيا إلى سقف إجمالي يبلغ 800 صاروخ للناقلات والقاذفات المُنتشرة وغير المُنتشرة معًا لكل دولة على حدة، ناهيك عن توفيرها آلية للتفتيش الميداني وتبادل البيانات؛ ما أسهم في بناء الثقة والحد من سوء التقدير.
وانتهاء سريان المعاهدة أدى إلى غياب أي قيود قانونية على الترسانات النووية الأمريكية والروسية للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عامًا، كما فتح الباب أمام الدولتين لتحديث الترسانات النووية والدخول في سباق تسلح نووي لا يعلم أحد مآلاته ومخاطره.
وأكثر من ذلك أنه منح الأطراف الأخرى -غير المشاركة في هذه المعاهدة وغير الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية- الذريعة للمضي بتطوير برامجها النووية دون قيود، كما منح الدول التي لم تتملك هذا النوع من الأسلحة إلى البحث عن طرق للحصول عليها وتطوير برامجها الخاصة.
معاهدة “نيو ستارت” خلفية تاريخية
كانت معاهدة “نيو ستارت” الموقعة بين موسكو وواشنطن في العام 2010، آخر اتفاق للحد من التسلح النووي بين البلدين؛ إذ حددت لكل طرف سقفا يبلغ 800 منصة إطلاق وقاذفة ثقيلة و1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منتشرًا مع آليات خاصة للتحقق والتشارك في البيانات والتفتيش المتبادل.
والمعاهدة كانت في الواقع امتدادًا لمعاهدات سابقة وقعتها كل من واشنطن وروسيا، أولها معاهدة “ستارت 1 ” الموقعة في ديسمبر عام 1991 من الرئيس الأميركي جورج بوش الأب ورئيس الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، واستهدفت منع نشر أكثر من 6000 رأس نووي استراتيجي على مجموع 1600 من حوامل الترسانة النووية.
تلاها معاهدة “ستارت 2” التي وقعها الرئيس الأميركي جورج بوش الأب ونظيره الروسي بوريس يلتسن في يناير 1993، ولم تدخل حير التنفيذ، ثم معاهدة “ستارت 3” الخاصة بتخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية الموقعة في مايو 2002، ونصت على تقليل الترسانة النووية لتصبح ما بين 1700 و2200 رأس حربي منتشر لكل منهما4.
وجرى توقيع معاهدة “نيو ستارت” في أبريل 2010 بالعاصمة التشيكية براغ، من الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف مع نظيره الأمريكي باراك أوباما، ونصت على تحديد سقف أقصاه 1550 رأسًا حربيًا أو قنبلة على 800 حامل فقط، ودخلت حيز التنفيذ في 5 فبراير 2011 مدة 10 سنوات5.
وفي فبراير العام 2021 جرى تمديد هذه المعاهدة بين الطرفين لمدة 5 سنوات على أن تنتهي بتاريخ 5 فبراير 2026؛ إذ صارت منتهية بعد إعلان موسكو عدم التزامها بالمعاهد نتيجة رفض واشنطن مقترحات موسكو لتجديدها.
تفاعلات متسارعة… إعلان ازمة وتجارب ميدانية
طوال سنوات سريان معاهدة “نيو ستارت” كان التزام واشنطن وموسكو بها محدودًا؛ إذ تكشف التقارير الدولية حتى 2025 امتلاك الولايات المتحدة الأميركية نحو 5177 رأسًا نوويًا، المنتشر منها والجاهز للإطلاق يصل إلى 1670 رأسًا، بمخزون احتياطي يبلغ 1930 رأسًا، في حين تؤكد امتلاك روسيا 5459 رأسًا نوويًا بما يعادل 44% من إجمالي الرؤوس النووية في العالم، المنتشر منها والجاهز للإطلاق يصل إلى 1718 رأسًا نوويًا، بمخزون احتياطي يصل إلى 1114 رأسًا نوويًا، وهي أرقام تتجاوز بكثير السقوف المحددة في المعاهدة6.
مع ذلك اعتبرت الأمم المتحدة ومعها عدد من عواصم العالم معاهدة “نيو ستارت” قانونًا ملزمًا للحد من انتشار الأسلحة النووية الاستراتيجية ومظلة لمنع محاولات أي دول أخرى امتلاك هذا السلاح، وهو الحال الذي استمر بصورة نسبية حتى يوم الخميس 5 فبراير الماضي، عندما فاجأت موسكو العالم بإعلانها أنها لم تعد ملتزمة بالمعاهدة التي قالت: إنها “أصبحت أحادية الجانب” ناهيك عن كشفها أن الولايات المتحدة وجدت طرقًا للتحايل على القيود الأساسية للمعاهدة، واتخاذ إجراءات غير قانونية لإعادة تصنيف بعض الأسلحة بغرض تجاوز الحدود المسموح بها في المعاهدة المنتهية.
والموقف الأميركي عبَّر عنه بوضوح الرئيس دونالد ترامب الذي أكد أن معاهدة “نيو ستارت” كانت اتفاقًا جرى التفاوض عليه بشكل سيء من قبل الولايات المتحدة، ويجري انتهاكه بشكل فاضح”؛ لأنه لم يشمل الصين، ولم يشمل الأسلحة النووية التكتيكية الروسية، ودعا إلى معاهدة جديدة محسنة ومحدثة تشمل الصين، ويمكن أن تستمر مدة طويلة، في حين أعلن نائبه جاي دي فانس أن واشنطن مستعدة للعمل مع روسيا والصين ودول أخرى من أجل تقليص عدد الأسلحة النووية في العالم، باعتبار ذلك أهم ما يمكن القيام به من أجل السلام والاستقرار.
وبعيدًا عن المبررات والتعهدات المعلنة من جانب موسكو وواشنطن وإعلان الجانبين عن تفاهمات غير رسمية بالحفاظ على الحدود المنصوص عليها في المعاهدة لمدة عام، إلا أن عدم تجديد المعاهدة أفضى في الواقع إلى عدم وجود سقف قانوني لعدد الرؤوس النووية أو منصات الإطلاق التي يمكن للبلدين نشرها، كما أدى إلى توقف كامل لعمليات التفتيش الميدانية، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين وارتفاع مستوى المخاطر الاستراتيجية ومخاطر سوء الفهم والتقديرات الخاطئة.
7وعلى رغم توجيه موسكو رسائل تطمين بالتزامها التصرف بحكمة ومسؤولية بعد انتهاء سريان المعاهدة، بدت مفاعيل الأزمة النووية في طريقها للتصاعد، بعد اشتراط واشنطن إشراك الصين في هذه المعاهدة وإعلان الصين رسميا رفضها المشاركة.
سباق تسلح نووي … تجابر استراتيجية ورسائل متبادلة
خلافًا للتقديرات التي تحدثت عن تحريك واشنطن وموسكو مسارًا دبلوماسيًا لاحتواء تداعيات انتهاء معاهدة “نيو ستارت” انخرط الجانبان في حرب كلامية ورسائل تهديد متبادلة بسباق تسلح نووي غير معلن على مستوى تحديث الأنظمة والتكنولوجيا، التي بلغت ذروتها في 21 أكتوبر 2025 بإطلاق روسيا صاروخ “بيورفيستنيك” النووي بمدى يصل إلى 14,000 كم8.
تلا ذلك إجراء موسكو تمرينًا نوويًا كبيرًا شمل إطلاق صواريخ من الأرض والبحر والجو، بمشاركة جميع أرجل الثالوث النووي الروسي (الصواريخ الباليستية، الغواصات، والطائرات)، ثم إعلان الرئيس بوتين في 28 أكتوبر 2025 نجاح اختبار الطوربيد النووي الروبوتي “بوسيدون”9.
هذه التجارب دعت الرئيس ترامب إلى إصدار أمر للبنتاغون في 29 أكتوبر البدء فورًا باختبارات أسلحة نووية على قدم المساواة مع روسيا والصين، بعد 33 عامًا من التوقف، تلاها إطلاق واشنطن مناورة تدريبية شملت محاكاة لتوجيه ضربة صاروخية نووية استباقية ضد روسيا، باستخدام قاذفة القنابل الاستراتيجية الأمريكية B-52 فضلًا عن اتجاه واشنطن لنشر صواريخ فائقة السرعة في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ10.
زاد من ذلك إعلان وزير الحرب الأمريكي البدء باستئناف التجارب النووية، في ظل التحديات المتزايدة من قبل الخصوم مثل روسيا والصين، والمحافظة على التفوق النووي للحفاظ على السلام العالمي، معتبرًا العودة إلى التجارب النووية ” قرارًا مسؤولًا لضمان موثوقية وفاعلية ردعنا النووي”.
والتحركات الأميركية هذه قوبلت بتحركات روسية بإعلان موسكو إمكانية إجراء اختبارات نووية في أرخبيل نوفايا زيمليا الذي فككته الدولة السوفيتية قبل نحو 35 عامًا، ردًا على تطبيق واشنطن قوانين جديدة للسياسة الدفاعية لسنة 2025، وجرى في ضوئها إعادة تجهيز قاذفات القنابل الاستراتيجية B-52 حاملات للأسلحة النووية بعد أن كانت واشنطن عدلت هذه الطائرة لحمل وإطلاق الذخائر التقليدية في إطار الالتزامات بمعاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية11.
تداعيات هذا الملف شملت –أيضًا- إجراء روسيا تمرينًا نوويًا كبيرًا شمل إطلاق صواريخ من الأرض والبحر والجو، بمشاركة أرجل الثالوث النووي الروسي وإعلان موسكو دخول الطوربيد النووي المسير “بوسيدون” الخدمة، وبدء الإنتاج التسلسلي لمنظومة صاروخ “أوريشنيك” الفرط الصوتي الذي يعمل بالطاقة النووية، ناهيك عن وضعها صواريخ “سارمات” في الخدمة التجريبية وإعلان دخولها الخدمة القتالية خلال العام الجاري.
رؤية أميركية لاتفاق شامل تواجهه عقبات كبرى
التحركات الأميركية والروسية التي أشارت إلى انخراط العالم مجددًا في سباق تسلح نووي غير خاضع للرقابة، لم تخل من مبادرات للتهدئة؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة أن نهاية معاهدة “نيو ستارت” مثلت فرصة لصياغة نظام جديد للحد من التسلح، يكون أكثر شمولًا وفاعلية في مواجهة التنافس الاستراتيجي المتعدد الأطراف الحالي، حتى لو أدى ذلك إلى الدخول في مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر وبدون قيود قانونية.
وذهبت واشنطن إلى الدعوة لمعاهدة جديدة شاملة ومحسّنة بأنظمة رقابة وتحقق قوية تعالج غياب الشفافية في الترسانة الصينية مع إشراك الصين في أي اتفاقية مستقبلية بسبب التوسع السريع في ترسانتها النووية، باعتبار أنه من المستحيل تحقيق رقابة حقيقية على الأسلحة في القرن الحادي والعشرين دون إشراك الصين12.
لكن هذه الرؤية سرعان ما واجهت عقبات بالرفض الصيني للمشاركة في مفاوضات ثلاثية للحد من التسلح النووي، باعتبار أن حجم ترسانتها النووية أقل بكثير من نظيرتها الأمريكية والروسية، وأن مطالبتها بالانضمام إلى المعاهدة في هذه المرحلة “ليس من العدل ولا من المعقول” في موقف يمكن اعتباره العقبة الرئيسة أمام رؤية الولايات المتحدة لمعاهدة جديدة.
واشترطت الصين للانضمام لمفاوضات ثلاثة تشمل أميركا وروسيا، قيام الولايات المتحدة وروسيا أولًا بتخفيض ترساناتهما النووية بشكل كبير على رغم أن ترسانتها النووية تضاعفت خلال السنوات الخمس الأخيرة من 300 إلى 600 رأس نووي، ويُتوقع أن يصل إلى 1000 رأس بحلول عام 203013.
وعلى أن موسكو أبدت انفتاحًا تجاه المباحثات متعددة الأطراف التي تدعو إليها واشنطن، إلا أنها اشترطت بالمقابل انضمام القوى النووية الأوروبية (فرنسا وبريطانيا) وليس الصين فقط، خصوصًا مع امتلاك بريطانيا وفرنسا أسلحة نووية وشروعهما بتجارب لتطوير ترسانتهما النووية.
وتقول فرنسا وبريطانيا -اللتان اختبرتا سلاحًا نوويًا عام 1967، وهما عضوان في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية: إن معاهدة “نيو ستارت” ثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا، ومن ثَمَّ لا تنطبق على فرنسا أو بريطانيا أو غيرهما من الدول النووية الأخرى.
أما الهند التي اختبرت سلاحًا نوويًا عام 1998، فهي لم تنظم إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية؛ لأن المعاهدة في نظرها تعتبر الدول التي اختبرت أسلحة قبل 1967 دولًا نووية “شرعية”، وتحرم ذلك على الآخرين ما تعده تمييزًا مرفوضًا.
والحال مع باكستان -وهي دولة نووية غير موقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية- تقول: إن برنامجها النووي تطور بشكل أساسي كرد فعل على البرنامج النووي الهندي لتحقيق توازن إقليمي.
ويمكن الإشارة إلى عقبات أخرى قد تعرقل التوصل إلى معاهدة جديدة تتصدرها المتطلبات المتعارضة لكل طرف، والإجراءات الإدارية التي تحتاج للكثير من الوقت؛ من أجل إجراء مفاوضات ووضع السقوف المناسبة وآليات التحقق الخاصة، وهي أمور يصعب إنجازها بسرعة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، لاسيما في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
وعدم وجود إطار قانوني للحد من التسلح النووي بين اميركا وروسيا، سيقود بلا شك أكثر دول العالم التي لديها برامج نووية إلى زيادة المخزون وتحديث برامجها النووية، كما سيقود الدول التي لم تمتلك هذه البرامج بعد إلى بناء برامج نووية خاصة خارج نطاق الرقابة الدولية بدعوى تعزيز أمنها القومي.
نجاح نسبي في معادلة الاستقرار لم يعد قائمًا
المعروف أن معاهدة “نيو ستارت” على رغم التوقيع عليها وسريانها مدة 15 عامًا، إلا أنها لم تنفذ بشكل كامل ؛ إذ شهد العالم حادثًا نوويًا في روسيا عام 2019 بدا أنه تجارب نووية سرية، في حين لم توقف المعاهدة توجهات موسكو وواشنطن لتطوير صواريخ عابرة للقارات تحمل رؤوسًا نووية، مثل صاروخ “سارمات” الروسي وصاروخ “مينيت مان 3” الأميركي المطور.
بالمقال نجحت هذه المعاهدة في دفع الدولتين إلى تحديد عدد الرؤوس الحربية الاستراتيجية المدمرة المنشورة في مواضع قتالية سواء المحمولة على القاذفات، أو المحملة على الصواريخ العابرة للقارات، بحيث جعلت من أعدادها غير كافية لشن هجوم استباقي مفاجئ يدمر ترسانة الخصم النووية وقواعده العسكرية البرية والبحرية والجوية بين ليلة وضحاها، أو يدمر معظمها مما يتيح له النجاة من الرد النووي الذي سيكون ضعيفًا مع فقدان جميع القواعد العسكرية ومراكز التحكم.
وانتهاء هذه الاتفاقية سيجعل الغموض حول الترسانة النووية المنشورة وغير المنشورة هو سيد الموقف، وهو أمر يمثل تهديدًا أكبر من التصريحات باستخدام السلاح النووي، كما سيسمح اليوم لأي طرف بنشر ما يشاء من رؤوس حربية نووية في المكان والزمان الذي يريد، ما قد يرفع مخاطر سوء التقدير إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل التوجسات المتبادلة من “الضربة الاستباقية النووية”.
وقلق الدول من مخاطر توسع إنتاج ونشر السلاح النووي سيدفع كل الأطراف إلى زيادة تدريجية في عدد الرؤوس المنشورة، ما سيقود إلى زياد الضغوط على الدول الأوروبية أو الآسيوية لبناء برامج نووية أو تطوير برامجها الخاصة، خصوصًا إن شعرت بضعف الردع الأمريكي.
مع ذلك فإن انتهاء معاهدة “نيو ستارت” لن تضع نهاية للعالم كما يتوقع بعضهم، ولكنها تشكل بداية لخطر طويل الأمد في سباق تسلح غير محدود يستنزف الموارد ويزيد مخاطر الكارثة النووية، ما يجعل الذهاب إلى مفاوضات عاجلة لوضع إطار جديد يعكس واقع النظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب خيارًا مثاليًا قبل حلول الكارثة.
المصادر:
- موقع قناة الشرق، “هل تصبح الصين القوة النووية الأولى في العالم؟”، 13 أغسطس 2025، متاح على الرابط: https://asharq.co/yc2yn ↩︎
- المصدر نفسه. ↩︎
- Euro news, “The end of the START: US and Russia no longer have limits on their nuclear arsenals”, February 2026, available at: https://www.euronews.com/embed/2867753 ↩︎
- ويكيبديا الموسوعة الحرة، “معاهدة ستارت الجديدة”، نوفمبر 2025. متاح على الرابط: https://2u.pw/FobPi6 ↩︎
- المصدر نفسه. ↩︎
- الجزيرة نت، “السلاح النووي الأميركي.. ترسانة للردع والدفاع عن المصالح والشركاء. القوة النووية الروسية الترسانة الأولى في العالم.”، 3 نوفمبر 2025. متاح على الرابط: https://aja.ws/pkk44l ↩︎
- DW ،”سباق نفوذ ينطلق بين القوى النووية بعد انقضاء مدة “نيو ستارت”، محمد فرحان، 7 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://p.dw.com/p/58HEB ↩︎
- RT Arabic، “مفاعل نووي في السماء… روسيا تطلق صاروخًا لا يقهر”، 23 سبتمبر 2024. https://2u.pw/LzCQb ↩︎
- الجزيرة نت. روسيا تعلن اختبار طوربيد نووي من طراز “بوسيدون”. 29 أكتوبر 2025.
https://aja.ws/uq71li ↩︎ - الجزيرة نت. ترامب يأمر البنتاغون باستئناف تجارب الأسلحة النووية فورا. 30 أكتوبر 2025.
https://aja.ws/sk8zqa ↩︎ - RT Arabic ، “موسكو تذكر الغرب: البنية التحتية لميدان التجارب النووية في نوفايا زيمليا في جاهزية تامة.”، 23 سبتمبر 2024. متاح على الرابط: https://2u.pw/BKugG ↩︎
- مونت كارلو الدولية، “واشنطن تلمح لمعاهدة نووية جديدة مع روسيا تضم الصين…، بكين ترفض، وروسيا تشترط.”، 6 فبراير 2026. متاح على الرابط: https://mc-d.co/2EJl ↩︎
- STOCKHOLM INTERNATIONAL PEACE RESEARCH INSTITUTE, “After New START expires, Europe needs to step up on arms control”, 4 February 2026. Avalible at: https://www.sipri.org/commentary/essay/2026/after-new-start-expires-europe-needs-step-arms-control ↩︎