إيران وأمريكا… حسم الحرب والمفاوضات

وجهة نظر│ 7 فبراير 2026

يميل بعضهم إلى اعتبار إيران قد نجت من “حرب مدمرة تسقط نظامها السياسي”، وأنها بالعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية قد تنفست الصعداء. الواقع أن من بدأ التهديد بالحرب والتحشيد العسكري لها هو من تنفس الصعداء، بدليل تراجعه عن الحرب إلى المفاوضات.

تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو الذي يرفع شعار “أمريكا أولًا”، ويسعى علنا إلى فرض “أمريكا العظمى”، فهو معروف بعنجهيته وعجرفته وتهوره، في شن الحرب على إيران، وهو إنجاز فارق على مختلف المستويات يرجع إلى إدراك أمريكي واقعًا صادمًا، وإجهاضًا إيرانيًا مؤلمًا للحرب بمهدها.

أثبتت إيران من جديد تفوقها التكتيكي، سياسيًا وعسكريًا، واستطاعت حسم الجولة الجديدة للحرب الأمريكية والإسرائيلية ضدها قبل ان تبدأ، فعلت طهران هذا بذكاء عزز مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية من شن حرب مباشرة على إيران، وعزز هواجس واشنطن بحجم المخاطر والخسائر.

بدت خطة الحرب الأمريكية الشاملة على إيران، المؤجلة منذ عقود، مُعدة منذ جولتها الأولى في يونيو 2025، ظهر جليًا أن خطة الحرب تحاكي خطة غزو واحتلال العراق في 2003، مع تحديث للوسائل بجانب إنهاك عن طريق الحصار والعقوبات، يواكب تطور تكنيكات الحروب خلال 22 عامًا.

تركز خطة العدوان الأمريكي الجديدة على إيران، على اعتماد ما يسمى “الثورات البرتقالية” مقدمةً وذريعة. عمَدت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية إلى الدفع باحتجاجات شعبية وتمرد مسلح وتدمير داخلي، رافقها على الفور إعلان ترامب تأييدها و”التدخل العسكري لإنقاذ الشعب الإيراني”، حدَّ زعمه.

راهنت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على تجربة حرب الاثني عشر يومًا بين إيران والكيان، لكن طهران كانت قد استفادت من التجربة، واستطاعت في أيام معدودة السيطرة على الوضع داخليًا، واكتشاف خلايا المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وضبطها جماعيًا في الوقت نفسه.

لم تتوقع واشنطن ولا “تل أبيب” العملية الأمنية السيبرانية الإيرانية، وكشفها شبكات تواصل خلايا مخابراتهما داخل إيران، على رغم اعتمادها تقنية اتصال مشفرة ومحمية، ترتبط بالإنترنت الفضائي (ستار لينك) المملوكة للملياردير إيلون ماسك، المستشار الاقتصادي لترامب وحليف الكيان الصهيوني.

أسقط هذا الإنجاز الإيراني المذهل ذريعة “التدخل العسكري”، وسقطت معها خطة الحرب الأمريكية على إيران؛ ليبدأ التراجع التنازلي لترامب من خطاب الحرب و”الدمار الشامل”، إلى ما سماه “سياسة الضغوط القصوى”، لتبقى تحشيداته العسكرية مجرد استعراض ينشد دفع طهران للمفاوضات.

بالتوازي، برزت معطيات عملية لهذا التراجع الأمريكي الدراماتيكي، أولها حسم إيران ساحة الحرب وإعلانها عن أنها ستكون “حربًا اقليمية”، أدرك شركاء واشنطن الإقليميون العواقب الوخيمة، وسارعت دول الخليج العربي والسعودية، مضطرة لإبلاغ واشنطن الرسالة نفسها: “نحن في مرمى النيران”.

أكدت ذلك مواقف وتصريحات قادة ووزراء خارجية هذه الدول، فهذه اللغة الدبلوماسية اتفقت على أنها غير مستعدة لمخاطر المشاركة عن طريق القواعد العسكرية الأمريكية بأراضيها، أو عن طريق تمويل الحرب، هذا الموقف خيب آمال واشنطن و”تل أبيب”، لكنه لم يكن العامل الوحيد للتراجع عن الحرب.

الحال نفسها، مع الكيان الصهيوني، بث تأكيد طهران رفض تحييده من الحرب، الخوف لدى حكومة وجيش الاحتلال؛ لأن الدفاعات الجوية للكيان الصهيوني غير قادرة على العمل بفاعلية طوال أمد الحرب، ومخزونها لا يكفي لمواجهة تعزيز إيران قدراتها بآلاف الصواريخ والطائرات المسيَّرة.

هناك أيضًا عوامل أخرى كبحت عنجهية ترامب “الشمشوني” وشره نتنياهو “النمرودي”، لعل أبرز هذه العوامل “القسرية” أن طهران عقب موافقتها على طلب الكيان الصهيوني من ترامب إيقاف حرب الاثني عشر يومًا، سارعت إلى إجراء مراجعة شاملة أمنية وعسكرية، وتلافي ما سمته “ثغرات أمنية”.

المراجعة الإيرانية أكدها إعلان طهران “الجهوزية الكاملة للدفاع” ومواجهة الحرب الأمريكية العدوانية، هذا الإعلان لم يكن دعائيًا تعبويًا، بقدر ما كان يستند إلى استعدادات عسكرية كبرى أنجزت، أبرزها تطوير أنظمة الدفاعات الجوية الإيرانية بأخرى صينية يصعب اختراقها تقنيًا وتعطيلها.

يُضاف إلى عوامل “التراجع”، وخسارة الخلايا الميدانية المساعدة داخل إيران، إدراك واشنطن حجم تحديث وتطوير القدرات العسكرية الإيرانية، وتعذر شلّ الدفاعات الجوية الإيرانية طيلة مدة الحرب، وتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وقتل كبار القادة الإيرانيين في ساعات الحرب الأولى.

كذلك استشعار واشنطن جدية الإعلان الإيراني بشأن جعل الخسائر الأمريكية موازية للخسائر الإيرانية إن لم تكن أكبر، واستهداف جميع سفن أمريكا والقواعد والمصالح الأمريكية في دول المنطقة، بجانب افتقاد واشنطن أي ضمانات لعدم إقفال مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ومشاركة اليمن.

الخسائر الاقتصادية أيضًا، برزت أحد عوامل التراجع عن شن الحرب على إيران، ليس لأن الاقتصاد الأمريكي مثقل بديون تتجاوز 40 ترليون دولار، بل أيضًا لاعتذار حلفاء واشنطن في المنطقة عن تمويل الحرب أو تعويضات الخسائر الأمريكية الكبيرة، على رغم السيطرة على نفط فنزويلا.

هذه العوامل مجتمعة وغيرها تفصح عن خلفيات إقرار وزير الخارجية الأمريكية، ماركو روبيو- أمام لجان الكونجرس- بأن “الأفضل هو عدم وقوع المواجهة العسكرية؛ لأنها مليئة بالمخاطر أمام ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يصعب تعطيلها والقضاء على التهديد الذي تمثله”.

وبمعرفة المعطيات الواقعية سالفة الذكر، يمكننا توقع مسار جولة المفاوضات غير المباشرة، التي أعلنت طهران وواشنطن عن القبول بخوضها الجمعة (6 فبراير)، في العاصمة العمانية مسقط، كما أرادت طهران وليس تركيا كما أرادت واشنطن، ومن دون ضغط “شبح الحرب” المستبعد فعليًا.

الخلاصة: ستخوض إيران جولة المفاوضات الجديدة وفق أجندة مصالحها وحقوقها المشروعة، وحول “البرنامج النووي الإيراني” فقط من دون أي إضافات أمريكية أو إسرائيلية تشمل “القدرات الصاروخية”، ولهدف الاتفاق على الحلول المطمئنة ببقاء النووي الإيراني للأغراض السلمية، وليس إلغاءه.