شهد الشريط الساحلي الغربي لليمن، الممتد من جنوب محافظة الحديدة مرورًا بمديريتي حيس والخوخة وصولًا إلى المخا وذباب ومضيق باب المندب التابعة لمحافظة تعز، تحولات ميدانية متلاحقة عبر محطات تاريخية متتابعة؛ ففي مرحلة اتفاق ستوكهولم وتجميد العمليات العسكرية خلال 2018-2022، وفي أعقاب عملية “الرمح الذهبي” عام 2017 ووصول قوات تابعة للسعودية والإمارات إلى مشارف ميناء الحديدة، تم التوصل إلى اتفاق ستوكهولم عام 2018 برعاية الأمم المتحدة، والذي نص على وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار لمسافة خمسة كيلومترات، مما تسبب عمليًا في تجميد خطوط المواجهة لسنوات تحت سيطرة “القوات المشتركة التابعة للرياض” مقابل تمركز القوات المسلحة لحكومة صنعاء في الأجزاء الشمالية والوسطى. ورغم الانسحابات غير المنسقة لقوى الساحل لاحقًا، حافظت الحديدة على موقعها كقاعدة انطلاق تكتيكية واستراتيجية للمراحل التالية.
ثم جاءت معركة “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023 لتشكل نقطة تحول جوهرية، حين اتخذت حكومة الإنقاذ الوطني في صنعاء قرارًا باستهداف السفن والملاحة المرتبطة بإسرائيل في مضيق باب المندب مساندةً لغزة، مما أدى إلى إطلاق الولايات المتحدة لعملية “حارس الازدهار” وتنفيذ ضربات جوية وبحرية متكررة. وصولًا إلى المتغير الإقليمي الكبير في عام 2026، حيث أدى اندلاع المواجهة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران في 28 فبراير 2026 إلى قيام الأخيرة بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
ومع فرض البحرية الأمريكية حصار بحريً على إيران في 14 يوليو 2026، وإعلان حكومة البناء والتغيير الحصار البحري على الملاحة السعودية في 20 يوليو 2026 ردًا على استهداف مدرج مطار صنعاء واستمرار الحصار المفروض عليها منذ 2015، أصبحت جبهة الساحل الغربي جزءًا لا يتجزأ من معركة الممرات المائية والملاحة الدولية.
ديناميات العمليات العسكرية وتغير معادلات السيطرة الميدانية:
أسفرت العملية العسكرية التي أطلقت عليها حكومة صنعاء “والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا”، التي دارت رحاها بين 9 أغسطس و11 سبتمبر 2026، عن تغير كامل في خارطة السيطرة الميدانية عبر مسار عملياتي متدرج المراحل. بدأت المرحلة الأولى بتمهيد ناري تكتيكي ركز على استهداف المنشآت العسكرية واللوجستية في ميناء المخا بالتوازي مع قطع خطوط الإمداد القادمة من الوازعية والبرح، تلتها المرحلة الثانية عبر فتح هجمات برية متزامنة في جبهات تعز والجوف والبيضاء لتشتيت القوى والسيطرة النارية على المرتفعات الحاكمة كجبل الكورة ونقيل الكدحة وجبل النعمان. وصولًا إلى المرحلة الختامية يومي 10 و11 سبتمبر 2026، التي شهدت انهيارا ميدانيا لقوى التمركز للقوات المشتركة التابعة للرياض، وتحرير مديريات حيس والخوخة والمخا وذباب، والوصول المباشر إلى جزيرة ميون ومعسكر العمري المشرف ناريًا على المضيق.
أسفرت هذه العملية عن إحكام السيطرة الساحلية الكاملة على شريط يُقدر طوله بـ 400 كيلومتر يمتد من جنوب الحديدة وصولًا إلى باب المندب، وتحرير 6 مديريات بمساحة إجمالية تبلغ 5,400 كيلومتر مربع، وتفكيك 7 ألوية عسكرية تضم 38 كتيبة تابعة للقوات الممولة سعوديًا، وسقوط أكثر من 500 قتيل و1,500 جريح، وهو ما يعود جزء منه إلى الهشاشة البنيوية الناتجة عن ظاهرة “الأسماء الوهمية” التي خفضت الجاهزية الفعلية إلى حوالي 20% فقط من حجم القوات. وشملت السيطرة كذلك الموانئ والمواقع الحاكمة كميناء ومطار المخا، ومعسكر العمري، والجزر الاستراتيجية كجزيرة ميون وجزر حنيش وزقر وكمران، مما اضطر التشكيلات المنسحبة إلى التراجع نحو ذُباب وإعلان إنشاء مركز قيادة بديل رأس العارة، مقابل تنفيذ الطيران السعودي لعشرات الغارات الجوية في يوم واحد لمحاولة التصدّي لهذا التمدد.
الأهمية الجيواستراتيجية والأبعاد الاقتصادية للتجارة العالمية:
يمثل ميناء المخا وجزيرة ميون ركيزتين استراتيجيين تجمعان بين الوزن العسكري والأهمية الاقتصادية التاريخية؛ فميناء المخا يُعد رمزية تاريخية كونه أقدم موانئ البحر الأحمر لتصدير القهوة اليمنية، كما يُشكل في الراهن السياسي عقدة ربط لوجستية حاسمة بين جبهات تعز والحديدة. أما جزيرة ميون (بريم) في منتصف باب المندب، فتقسم المضيق البالغ عرضه نحو 30 كم إلى ممرين رئيسين، ويمنح التمركز العسكري فيها وفي ذُباب قدرة السيطرة والتحكم الناري المباشر بحركة السفن والناقلات عبر المدفعية والصواريخ الساحلية.
تكتسب هذه المواقع أهميتها الاستراتيجية من كون مضيق باب المندب يعبره نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية ونحو 10% من النفط المنقول بحرًا. ومع التعطيل الجزئي لمضيق هرمز، فإن فرض السيطرة على الساحل الغربي وباب المندب يضع بين يدي قوات صنعاء قدرة التأثير على جزء مهم من إمدادات الطاقة العالمية.
يمتد الأثر الاقتصادي لهذه التطورات ليعيد رسم خريطة الشحن البحري، حيث أدى اضطراب الملاحة إلى اضطرار الشركات العالمية لتغيير مسارات سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف ما بين 10 إلى 14 يومًا لإبحار السفن بين آسيا وأوروبا، فضلا عن زيادة استهلاك الوقود وأسعار التأمين ضد مخاطر الحرب بنسب حادة. انعكس هذا الواقع سلبًا على إيرادات قناة السويس في مصر والموانئ المحاذية كالعقبة الأردنية وموانئ السودان، مما ضاعف التضخم العالمي وألقى بأعباء مالية على الاقتصاديات المستوردة.
تحول الردع والتكنولوجيا والبيئة والأطر القانونية:
أفرز الصراع في الساحل الغربي تحولًا عميقًا في مفهوم السيطرة البحرية التقليدية، بفرضه نموذج الحرب غير المتناظرة؛ حيث أثبتت التقنيات منخفضة التكلفة—كالطائرات المسيرة والزوارق غير المأهولة —قدرتها على تحييد التفوق التقليدي للأساطيل والفرقاطات الحديثة باهظة الثمن، مما أعاد تعريف مفهوم السيطرة البحرية وعقيدة الردع الدولي. يمتد هذا التهديد التكنولوجي ليشمل أمن الأعماق والبنية التحتية الرقمية، حيث تحاذي مياه الساحل الغربي مسارات الكابلات البحرية للإنترنت التي تُعد شريانًا رئيسًا للبيانات والتدفقات المالية بين الشرق والغرب، مما يثير مخاوف حول سلامة الاتصالات الاقتصادية العابرة للقارات.
من الناحية القانونية، تثير التطورات الميدانية تكييفًا حرجًا للإطار المنظم للملاحة الدولية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، لا سيما ما يتعلق بحق “المرور العابر” في المضايق الدولية ومطالبة القوى الساحلية بممارسة حقوقها السيادية وتفتيش السفن، مما يضع القانون الدولي أمام اختبار حقيقي في التوفيق بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة التجاريّة.
تنعكس كلفة هذا الصراع مباشرة على البيئة البحرية والنسيج الاجتماعي؛ إذ تشكل عسكرة المياه واستهداف ناقلات النفط خطرًا على الشعاب المرجانية والتنوع البيولوجي. وعلى الصعيد الإنساني، أدى تقييد حركة الصيد وانتشار الألغام البحرية إلى حرمان مئات الآلاف من الصيادين في حيس والخوخة والمخا والحديدة من مصادر عيشهم، وفاقم من الأزمة الغذائية. وتسببت العمليات الميدانية في موجات نزوح واسعة بلغت نحو 85,818 نازحًا حتى منتصف سبتمبر 2026، وفرار آخرين عبر البحر نحو جيبوتي، وهو ما أضر البنية الاجتماعية للسهل التهامي.
مواقف القوى المحّلية والإقليمية والدولية:
تتفاوت مواقف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية تجاه التحولات الجارية في الساحل الغربي بناءً على مصالحها الاستراتيجية، حيث تعكس مواقف القوى المختلفة انقسام النظام الدولي وتعارض الأجندات الجيوستراتيجية.
محليًا، اعتبر “مجلس القيادة الرئاسي” الموالي للرياض أن أمن الساحل الغربي مصلحة يمنية ودولية داعيًا للتدخل الدولي لمواجهة المتغيرات، بينما اعتبرت حكومة البناء والتغيير في صنعاء هذه التطورات استعادة لسيادة الدولة على أراضيها ومياهها الإقليمية، وورقة ضغط استراتيجية لرفع الحصار غير القانوني على اليمن.
إقليميًا، كثفت المملكة العربية السعودية غاراتها الجوية لمنع تثبيت التقدم الميداني، في حين أبدت إيران إشادة رسمية بالتطورات معتبرة إياها جزءًا من استعادة التوازن في المنطقة.
أما دول القرن الأفريقي، فتبنت جيبوتي موقفًا حذرًا برفض استخدام أراضيها لشن ضربات داخل اليمن خشية تأثر مركزها الملاحي، والتزمت إريتريا الحياد الحذر لحماية موانئها، وأكدت أسمرة أن الحلول السياسية هي أنجع الطرق للتعاطي مع الموقف، بينما ركزت الصومال على تأمين مياهها ومنع تهريب السلاح، وتتابعت مخاوف إثيوبيا وكينيا الاقتصادية من ارتفاع تكاليف الشحن وتضرر موانئ المحيط الهندي.
على صعيد مواقف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، تتبنى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة سياسة الردع المباشر عبر التحالفات البحرية والضربات الاستباقية لضمان تدفق التجارة، رغم المأزق الأمريكي المتمثل في الرفض الضمني للانخراط البري المباشر خشية استنزاف المخزونات، لكن من الواضح أن فرص ممارسة الخيارات العسكرية تجاه اليمن لم تتوفر بعد للولايات المتحدة بسبب عجزها عن حسم الحرب ضد إيران.
من جانبها تتخذ فرنسا موقفًا يوازن بين الحضور البحري الدفاعي لمرافقة السفن عبر بعثة “أسبيدس” الأوروبية وقواعدها في جيبوتي، وتجنب المشاركة في ضربات داخل اليمن.
وفي المقابل، تعتمد الصين الحياد البراغماتي والمقاربة الاقتصادية لحماية عبور صادراتها، بينما تستغل روسيا المشهد للانتقاد الدبلوماسي للسياسات الغربية معتمدة الامتناع أو استخدام الفيتو ضد القرارات الصادرة ضد صنعاء تثبيتًا لحضورها.
أما الموقف الإسرائيلي فينطلق من تحول جذري في عقيدة الأمن القومي للكيان؛ إذ لم تعد تنظر تل أبيب إلى اليمن كساحة بعيدة يقتصر خطرها على إطلاق الصواريخ والمسيرات نحو إيلات، بل بات يُصنّف الساحل الممتد على البحر الأحمر ومشارف باب المندب كجبهة مواجهة مباشرة واختناق بحري يهدد شريان الحياة التجاري والاقتصادي. وتدرك تل أبيب أن السيطرة العسكرية لقوات صنعاء على هذا الشريط الساحلي منحها قدرة على فرض “ردع اقتصادي هادئ” وحصار بحري غير مباشر عبر رفع أسعار التأمين البحري، وإجبار السفن على تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مفهوم “منع الوصول وحرمان المنطقة” (A2/AD)؛ الذي أثبت فاعليته من خلال توظيف أسلحة منخفضة التكلفة كالمسيرات والصواريخ المضادة للسفن لإحداث تأثير استراتيجي كبير واستنزاف الدفاعات المتقدمة، معلنةً أن التحكم بالمجال البحري في نقاط الاختناق لم يعد يتطلب امتلاك أساطيل تقليدية. وتُدمج الاستخبارات الإسرائيلية هذه التحركات ضمن المواجهة الشاملة مع إيران، معتبرة أن بناء رأس جسر عسكري ناري في الساحل اليمني يمثل استكمالًا لحلقة “طوق النار” لتلتقي الضغوط البحرية في الجنوب مع جبهات الشمال والشرق. وبناءً على ذلك، يتأرجح السلوك الإسرائيلي بين مسارين متوازيين: الأول يقوم على تكثيف التجسس والرصد الجوي والبحري المتقدم لجمع بنك أهداف وتحديثه وتنفيذ ضربات استباقية أو ردعية ضد المنشآت الشاطئية ومنصات الإطلاق، والثاني يركز على تدويل الأزمة عبر الدفع نحو تحالفات بحرية دولية تقودها واشنطن لتفادي الانخراط الإسرائيلي المفرد في مواجهة استنزاف طويل في جغرافية اليمن المعقدة.
غير أن مسار التدويل صادف حدودًا عملية أثبتت عدم قدرة التحالفات (مثل عملية “حارس الازدهار”) على إنهاء التهديد أو إعادة الملاحة الإسرائيلية لسابق عهدها، مما أبقى حالة عدم اليقين لدى شركات الملاحة والتأمين.
وعلى الصعيد الجيواقتصادي، تجاوز الأثر التعطيل المباشر لميناء إيلات إلى إغلاق المنافذ الجنوبية ونقل الضغط إلى موانئ البحر المتوسط (حيفا وأشدود)، بالإضافة إلى فرض تكاليف إضافية لنقل البضائع عبر المسارات البرية البديلة التي تنعكس مباشرة على الأسواق الإسرائيلية، ليتحول “طوق النار” إلى “طوق حصار بحري”. كما أفرز هذا الواقع معادلات إقليمية ودولية جديدة؛ حيث تسعى الدول المطلة على البحر الأحمر لتجنب الانخراط في ترتيبات عسكرية قد تنقل الصراع إلى أراضيها، بينما برزت ميزة تنافسية للسفن المرتبطة بالصين وروسيا في حركة الملاحة مقارنة بالسفن المرتبطة بإسرائيل أو الدول الغربية.
إن المسار العسكري الإسرائيلي يواجه مفارقة استراتيجية؛ فالضربات المباشرة تظل ذات أثر مؤقت وموضعي أمام اتساع الجغرافيا اليمنية وصعوبة تتبع منصات الإطلاق. بينما تتطلب عمليات الاستهداف الإسرائيلية موارد استخباراتية وعسكرية ضخمة، تستطيع قوات صنعاء إحداث أثر اقتصادي واسع بوسائل أقل تكلفة لمجرد الإبقاء على مستوى التهديد قائم، مما يؤكد أن التفوق العسكري والتحالفات الدولية لا يكفيان بمفردهما لإلغاء قدرة طرف لامتماثل على فرض تكلفة استراتيجية باهظة على التجارة والملاحة.
السيناريوهات المستقبلية:
تقف المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات مستقبليّة محتملة ترسم ملامح المرحلة القادمة في الساحل الغربي:
ينطلق السيناريو الأول (المواجهة المفتوحة والاستنزاف المستدام) من استمرار حالة التوتر العسكري والضربات المتبادلة دون حسم ميداني كلي، مما يبقي البحر الأحمر مسرحًا لمواجهات غير متناظرة دائمة، ويفرض تكاليف باهظة على التجارة العالمية والاقتصاد الإقليمي.
بينما يرجح السيناريوالثاني (التفاهمات الضمنية وقواعد الاشتباك) التوصل إلى تفاهمات غير معلنة بين القوى الإقليمية والدولية والأطراف الميدانية (قوات صنعاء) تضمن حماية الملاحة وتأمين الممر المائي مقابل ترتيبات اقتصادية وفك تدريجي للحصار عن الموانئ والأجواء اليمنية.
في حين يفترض السيناريو الثالث (الشلل الملاحي والتحول الهيكلي) اتساع رقعة الصراع واستمرار استهداف البنى التحتية البحرية والكابلات الدولية، مما يدفع شركات الشحن لتغيير ممر البحر الأحمر بصورة دائمة، ويؤدي إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيواقتصادية للشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
خاتمة
يُظهر التحليل الشامل للأحداث أن الساحل الغربي لليمن تحول كليًا من جبهة قتال محلية إلى مسرح رئيس لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية والعسكرية، وصياغة مفاهيم السيطرة البحرية في جنوب البحر الأحمر. وتثبت المعطيات أن المقاربات الدولية المقتصرة على الحلول الأمنية البحرية ستظل ذات أثر محدود، ما لم تقترن بتسوية سياسية شاملة تضمن سلامة السكان والمجتمعات المحلية، واستعادة الموانئ والمصايد التقليدية، وتأمين البنية التحتية البحرية في باب المندب وفق رؤية استراتيجية تتكامل فيها الأبعاد الوطنية والإقليمية والدولية.