مقدمة
بعيدًا عن التدقيق في الطلقة الأولى والاتهامات المتبادلة بين الحكومة الفدرالية في أديس أبابا الإثيوبية وقيادة إقليم تيغراي؛ فالطلقة الأولى تحدد الأسباب المباشرة والموضعية، ولا تستطيع أن تشرح لماذا عادت الحرب؟ ولماذا يمكن أن تتوسع؟ وحتى لماذا قد تتوقف؟ تعافت تيغراي من الحرب السابقة إلى حد ما، لكنها انزلقت إلى انقسامات تعمل الحكومة الفدرالية في أديس أبابا على توسيعها، وبالقدر نفسه تستفيد تيغراي من فشل حكومة آبي أحمد من طي “تمردات” الفانو في أمهرة، وما يحدث مع الطرفين في الإقليم والمركز، التي تمثل تطورات متفاعلة ومؤثرة في جولة الحرب الحالية.
الوضع الحالي
مع وجود اشتباكات متقطعة غرب تيغراي، وتعبئات لدى الطرفين ونزوح، تبدو الحرب في نطاق “التسخين”؛ ففي جغرافية الاشتباكات – على رغم حساسيتها – تجري المواجهة عند الحدود الإرتيرية الإثيوبية في منطقة شيرارو غرب تيغراي، ومن حيث المدة الزمنية التي استمرت الحرب “محبوسة” فيها، فعلى مدى الأسبوعين الماضيين لم تتسع المواجهات جغرافيا في مدة زمنية قصيرة مقارنة بالحرب السابقة 2020- 2021، ولكن في المقابل لا مؤشرات على الوصول إلى اتفاق، وهذا معطىً يدعم توسع الحرب مع بقاء إمكانية توقفها.
لماذا عادت الحرب؟
إن استكشاف أسباب عودة الحرب في حالة الحروب الداخلية الإثيوبية، أو الصومالية، أو السودانية، يقود إلى سلسلة متوالية تأخذ المتتبع إلى حلقات في التاريخ، ترسخ في نهاية المطاق قناعة بأنه صراع لا يمكن أن ينتهي، ولهذا تترك الأسباب الرئيسة خلفية لتفسير الصراع، بينما نعرف أسباب الحرب الحالية بـ 3 حيثيات:
الأولى: معرفة كيف توقفت جولة الحرب السابقة.
الثانية: قوة استقرار الحكومة المركزية في أديس أبابا أو هشاشتها.
الثالثة: تأثيرات وأوضاع المحيط.
إن الحيثيات الثلاث ترجح منذ سنوات عدم قدرة إثيوبيا على تخطي الحرب الداخلية مع التمردات وأبرزها تيغراي، أضيف إليها التوتر المستمر بين أديس أبابا وأسمرة، وأديس أبابا والخرطوم، وأديس أبابا ومقديشو، علاوة إلى الحدود المفتوحة للسلاح بسبب الحرب السودانية.
وبالعودة إلى كيف توقفت الحرب السابقة، واتفاقية بريتوريا 2022 بين الحكومة الفدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي التي تحكم الإقليم قامت على التعامل مع منتصر في الحرب وخاسر، فحكومة آبي أحمد تتعامل مع الإقليم بوصفه طرفًا خاسرًا في الحرب، وتفرض عليه الكثير من الشروط، ومن بينها سحب السلاح.
هذه الشروط والاتفاقية أوقفت نزيف الدم، ولكنها في المقابل عززت الصراع والاحتقان، وهو ما أدركه رئيس الحكومة الإثيوبي، آبي أحمد، ولذلك لم يطبق الشروط بصورة مباشرة؛ ليتجنب استنزاف طويل وصعوبة السيطرة على الإقليم لصالح خطط لتقسيم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وتعزيز الصراع الداخلي في الإقليم الذي نشأ على الفور بين زعيم الجبهة ديبرتسيون جبريمايكل، وقائد الإدارة المؤقتة بعد الحرب غيتاتيشو ريدا، تطور الخلاف لاحقًا إلى طرد حاكم الإقليم وانحياز القيادات العسكرية والأمنية لزعيم الجبهة، بينما تمتنع أديس أبابا عن منح سلطات إقليم تيغراي المبالغ المالية التقليدية، وتدفعه إلى أزمة اقتصادية حادة.
لقد عاد الإقليم إلى قوته السابقة، وعادت الحكومة الفدرالية في أديس أبابا إلى تطبيع الحصار والتضييق واحتضان المعارضين لحكومة الإقليم، وعلى الرغم من أن ذاكرة الحرب السابقة دموية وتحتفظ بنحو أكثر من نصف مليون قتيل، إلا أن الطرفين يتمسكان بطموح مشترك، حكومة آبي أحمد وحزبه “الازدهار”، الذي يفوز في الانتخابات بنسب كبيرة منذ 2018، يعمل على البقاء والتغيير في البلاد بما في ذلك تدمير النظام الفدرالي، وفي المقابل تحمل جبهة تحرير شعب تيغراي التي حكمت إثيوبيا ثلاثة عقود، ما تعدها أدلة كبيرة على أن حزب “الازدهار” يعمل على إقصائها وتفكيكها.
حرب أمهرة المستمرة
منذ 2023 لم تتمكن الحكومة الفدرالية من إنهاء “التمرد ” الذي تقوم به مجموعة فانو القومية المسلحة “جبهة تحرير أمهرة”، التي تسيطر على أرياف الإقليم، بينما تسيطر الحكومة على عواصم المدن، وعلى الرغم أن الصراع بين تيغراي وأمهرة لا يمكنه أن ينتهي إلا أن كل طرف يستفيد من تزامن جر الحكومة الفدرالية إلى القتال على جبهات متعددة، وهو ما يجعل الاستقرار هشًا.
المحيط غير المساعد لأديس أبابا
استمرت حكومة آبي أحمد في توتير العلاقة مع الرئيس الإرتيري أسياسي أفورقي، ونشر قوات على الحدود بين البلدين، والتلويح بضرورة حصول إثيوبيا على امتداد في البحر الأحمر، كما استمر في اتهام أسمرة بدعم التمرد في أمهرة، هذا الصراع يلتقي مع رغبة قيادة إقليم تيغراي تحييد إرتيريا عن التدخل كما فعلت في الجولة السابقة، وبالتزامن فإن الحدود المفتوحة والمضطربة على الحدود الإثيوبية السودانية وانتشار قوات تيغراي على الحدود، يضاعف من توتير العلاقات بين أيس أبابا والخرطوم، وتحصل على مساحات واسعة للانتشار والحصول على سلاح.
تتشكل من الوضع الحالي نقاط قوة ونقاط ضعف إضافية لكل طرف:
- ظروف خارجية وداخلية مواتية لحكومة إقليم تيغراي – نقطة قوة للإقليم والعكس بالنسبة للحكومة الفدرالية.
- انقسام الإقليم والوضع الاقتصادي لشعب تيغراي وإمكانية أديس أبابا تقديم تنازلات للتمرد في أمهرة؛ يجعل قيادة تيغراي غير متيقنة من الاستفادة، وهي نقطة قوة للحكومة المركزية والعكس لقيادة تيغراي.
- تدعم أسمرة بقاء التوتر والنزاع الداخلي في إثيوبيا، ومن ثَمَّ فهي بعيدة عن دعم أي انتصار لطرف ضد الطرف المقابل، وسيطرة الحكومة الفدرالية مجددًا على إقليم تيغراي سيقربها خطوات من تهديد إرتيريا، ومنح قيادة الإقليم انتصارًا بعد هزيمة مذلة، يعيده إلى موقع التهديد.
السيناريو المرجح
تفضيل عدم الذهاب إلى حرب واسعة يتغلب بنسب متفاوتة بين قيادة تيغراي والحكومة الفدرالية، مقابل أن يسعى كل طرف على إحراز إنجاز معين ضمن الحرب الموضعية القائمة، مع ذلك فإن بين التحكم بها داخل هذا النطاق وبين الانزلاق نحو الاتساع خيط رفيع ومرهون بالتطورات المقبلة.