ماذا يخيف الإسرائيليين؟

ماذا يخيف الإسرائيليين؟

ماذا يخيف الإسرائيليين؟

ماذا يخيف الإسرائيليين؟
Picture of أحمد يوسف

أحمد يوسف

كاتب ومحلل سياسي

تظهر تطورات الأحداث الحالية، إلى أن التهديد الإيراني، يشكل الخطر الأول على الكيان الصهيوني، لكن نظرة أعمق إلى الصورة، تشير إلى أن الكيان، بات يواجه تحديدات داخلية وخارجية كبيرة، لم تكن موجودة إلى ما قبل سنوات قليلة خلت.

هذه التحولات، باتت تثير مخاوف حقيقية عند المسؤولين الإسرائيليين، باعتبارها تشكل شرخاً في بنية وأركان الكيان، وتؤشر إلى أزمات وجودية، باتت تهدده بشكل جدي.

في التهديدات الداخلية، تبرز عدة مشاكل أهمها:

انهيار مفهوم الأمن والعقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي، حيث كانت عقيدة الجيش تقوم على ثلاث أسس، وهي خوض الحرب في أرض العدو، وخوض حرب سريعة، والتحكم بقرار وشروط وموعد توقفها، لكن ما حدث منذ طوفان الأقصى، والمواجهات مع المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وخلال العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أسقط كل هذه الأسس، حيث أصبحت الحرب تتم في الداخل الإسرائيلي، وأصبحت الصواريخ الإيرانية، وصواريخ المقاومة، تدك المواقع العسكرية والحيوية، في قلب الكيان، والحرب مستمرة منذ حوالي ثلاث سنوات، وبات الشباب الإسرائيلي، يتهرب من الخدمة في الجيش، وعند الاستدعاء للخدمة الاحتياطية.

الهجرة: معروف أن قادة الكيان، تمكنوا منذ تأسيسه، من استقدام المستوطنين من كافة أنحاء العالم، على أساس توفر الأمن، والرفاهية الاقتصادية، وهما الركنين الأساسيين اللذين يقوم عليهما الكيان، لكن ما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية، أن هذه الأسس تزعزعت بشكل زلزالي، حيث افتقد المستوطنون الشعور بالأمان، وزادت نسبة من يعتقد أن الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن، باتت عاجزة عن توفير الحماية والأمن لهم، كما تضررت أعمال قطاعات واسعة من الشباب، وخاصة في الجليل، التي هجرها أكثر من 80 بالمئة من سكانها،  وهو ما زاد من حركة الهجرة المعاكسة، والتي بدأت تسجل تسارعاً ملحوظاً، وإقبالاً على شراء منازل خارج إسرائيل، وهو ما يشكل أخطر نزيف للكيان من داخله.

هروب المستثمرين ورأس المال: كان الكيان الإسرائيلي، يشكل نقطة جذب هامة للاستثمارات، والشركات العالمية الكبيرة، وخاصة العاملة في قطاع الاتصالات، والتقنيات الحديثة، على اعتبار أن الأمن، والأيدي العاملة المدربة، والكوادر الخبيرة متوفرة، لكن طول فترة القتال، واستدعاء الشباب للخدمة الاحتياطية، ومقتل وإصابة أعداد كبيرة منهم، وهجرة أعداد أخرى، أفقد هذه الميزات، مما أدى إلى تسجيل حركة هروب للمستثمرين، والشركات الكبرى، ورؤوس الأموال.

في التحديات الخارجية:

تبدو العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، إدارات، وأحزاب، ومجتمع، في أزمة حقيقية، لم تكن موجودة سابقاً، بدأت مع العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، والذي أحدث تحولاً في الرأي العام الأمريكي، وتكرس بعد العدوان الأمريكي على إيران، وميل معظم النخب والمجتمع الأمريكي، إلى القول بأن إسرائيل، هي من ورطت الولايات المتحدة في حرب خاسرة، بعدما قدمت معلومات وتوقعات لم تكن واقعية، عن الأهداف والنتائج المتوقعة للحرب.

ما يؤكد عمق هذا التحول، أنه أصبح يشمل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والنخب السياسية والإعلامية والاجتماعية، ومنهم من النخب اليهودية، ومن المؤيدين التقليديين للكيان، مثل تاكر كارلسون، وستيف بانون، ومارجوري تايلور غرين، وحتى الرئيس ترامب نفسه، حيث يؤكد (تامر هايمان) رئيس معهد دراسات الأمن القومي بأن “ترامب يعطى اهتمامه لاستقراره السياسي، على حساب مصالح إسرائيل، حتى لو كان ذلك، يعني تعريض مستقبل حليفه وشريكه الاستراتيجي للخطر”. وذهب موشيه ألعاد، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، أبعد من ذلك، ورأى بأن “ترامب غير نهجه من إسرائيل”.

هذه التحولات، عبرت عنها استطلاعات للرأي العام الأمريكي، أظهرت أن 57% من الجمهوريين دون الخمسين، ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، مقارنةً بـ 50% في العام السابق.

وتُظهر بيانات مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، الذي يقيس التعاطف مع إسرائيل، منذ سبعينيات القرن الماضي، انخفاضا من متوسط 55 إلى 41%.

وأظهر استطلاع رأي، أجرته صحيفة نيويورك تايمز، بالتعاون مع جامعة سيينا، في أواخر عام 2025، ولأول مرة منذ عام 1998، تفوق الدعم للفلسطينيين على الدعم لإسرائيل، كما أن أغلبية الناخبين، باتت تعارض استمرار المساعدات للكيان.

وبينت إحصاءات خرى بأن بين الجمهوريين، دون سن 44، أن 40% فقط يدعمون إسرائيل، مقارنةً بـ 79% ممن تزيد أعمارهم عن 65 عاما.

الخطر بالنسبة لإسرائيل، أن هذا التحول في الرأي العام الأمريكي، سينتج عنها مستقبلاً، قيادات سياسية من الحزبين، في البيت الأبيض، والكونغرس، معادية للكيان، وهو ما سيترجم عملياً، سياسات أمريكية مختلفة، عن السياسات السابقة، في نظرتها إلى الكيان، ودوره في المنقطة.

أيضاً تبدو علاقات الكيان الدولية، في أزمة عميقة، وهو ما عبر عنه (أوري تال تينا) في موقع (زمان إسرائيل) الذي قال “في السنوات الأخيرة… “تآكلت مكانة إسرائيل الدولية، بشكل ملحوظ، وتزايد الانتقادات من دول عديدة، وتوترت العلاقات مع بعض حلفاء إسرائيل، وطُرحت مبادرات مختلفة ضدها، على أجندة المؤسسات الدولية”.

ويؤكد الكاتب، بأن مفهوم “العزلة الدولية ” بات شائعا في الخطاب العام في الكيان، وباتت الآراء في وسائل الإعلام الإسرائيلي، والتي تشير إلى أن “الانتقادات الموجهة لإسرائيل، زادت بشكل كبير في جميع أنحاء العالم، بعد أحداث 7 أكتوبر، وأن هذا التدهور، أخذ منحى سياسياً، حيث يتراجع وضع إسرائيل بشكل حاد، وقد ازدادت العلاقات توترا مع بعض الدول الأوروبية، وتصاعدت الانتقادات الموجهة للحكومة، ووُجهت عدة مبادرات دولية ضد إسرائيل، ومنها فرض عقوبات، على وزراء ومسؤولين إسرائيليين كبار، وهي إجراءات لم تحدث سابقاً”.

كما أخذ الوضع منحى اقتصادياً، مع ازدياد الدعوات، من منظمات دولية، وأعضاء في البرلمان الأوروبي، وعدة حكومات، إلى إعادة النظر في اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وإلغاء الامتيازات الجمركية الممنوحة لها، وهو ما قد يحدث في وقت غير بعيد، خاصة في حال حدث تغيير جوهري، على تركيبة الحكومتين الألمانية والإيطالية، اللتين لا تزالان تمانعان اتخاذ هذه الخطوات.

قد يبدو الكيان الإسرائيلي الآن، أنه لا يزال متماسكاً، لكن هذه المشاكل الداخلية والخارجية العميقة، لم تعد مشاكل طارئة، خاصة وأنها تأخذ مساراً تصاعدياً، يتعمق مع مضي الوقت، واستمرار القتال، والتهديدات الأمنية، وهو ما بات يأخذ حيزاً واسعاً، من اهتمامات المجتمع الإسرائيلي ونخبه، وأصبحت الأصوات تتعالى، محذرة من خطورة هذه المشاكل، حتى أن البعض، لم يتردد في استخدام عبارة “انهيار الحلم” واعتبار مسألة انهيار الكيان الإسرائيلي مسألة وقت لا أكثر.