لا يُترجم التفوق العسكري تلقائيًا إلى نجاح دبلوماسي، وبناء على ذلك يمكن القول: إن أكبر نقاط ضعف الولايات المتحدة في التفاوض مع إيران لا تكمن في نقص القوة، بل في نقص فهمها للدبلوماسية والثقافة والصبر الاستراتيجي.
نشر «المركز اليروشالمي لشؤون الخارجية والأمن»، في 5 يوليو 2026، مادة باللغة العبرية بعنوان «لماذا ينتصر النظام الإيراني على طاولة المفاوضات؟»، للكاتب البروفيسور مايكل شلومي، مؤلف كتاب «الذكاء الثقافي، أو انعدامه: الدبلوماسية، والردع، وسوء فهم الشرق الأوسط استراتيجيًا»، تناول فيها رؤيته لأسباب تفوق إيران في إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن نجاحها يعود إلى خبرتها الدبلوماسية، وامتلاكها صبرًا استراتيجيًا، وفهمًا عميقًا للثقافة التفاوضية، في مقابل ما يصفه بقصور أمريكي في توظيف عناصر القوة العسكرية والاقتصادية لتحقيق مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات.
وفيما يلي ترجمة خاصة للمادة:
ترجمة: غسان محمد
وهم القدرة المُطلقة
يُفترض في الاستراتيجية الغربية أن التفوق العسكري والاقتصادي يُترجم بسهولة إلى ميزة دبلوماسية، فإذا استطاعت دولة ما تدمير جيش دولة أخرى، أو إغراق أسطولها البحري، أو عملت على انهيار اقتصادها، تعتقد أنها قادرة على الهيمنة على طاولة المفاوضات، هذا الافتراض ليس ناقصًا فحسب، بل خاطئًا بشكل خطير.
لم تُصنع الدبلوماسية أداة في أيدي الأقوياء، بل سلاحًا في أيدي الضعفاء. يمتلك الأقوياء جيوشًا وقدرة على فرض العقوبات، ويستطيعون فرض نتائجهم بالقوة. لا يحتاجون إلى مفاوضات، بل إلى الإرادة والقدرة فقط، أمّا من لا يملكون القوة العسكرية أو الاقتصادية لفرض النتائج، فقد طوروا وأتقنوا فن الدبلوماسية، وبذلك بنوا ساحة معركة لا تكفي فيها القوة الغاشمة وحدها، بل أحيانا لا تُجدي نفعا، هذه هي المفارقة التي تُشكل اليوم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، فالولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية هائلة، وتدير أكبر اقتصاد في العالم، وتقود أقوى التحالفات، ومع ذلك، غالبًا ما تجد نفسها على طاولة المفاوضات عاجزة أمام دولة أصغر منها بكثير، لا تكمن المشكلة في قصور في الذكاء أو الإرادة، بل في عدم فهم الطبيعة الحقيقية للمنافسة الدبلوماسية.
الدبلوماسية سلاح الضعفاء
يزخر التاريخ بأمثلة لأطراف أضعف، عجزت عن الانتصار بالقوة، فانتصرت بالتفاوض، الفيتناميون في باريس عام ١٩٧٣؛ فقد استخدمت دول صغيرة أمام إمبراطوريات أكبر المعاهدات والتحالفات والاتفاقيات الرسمية للحد من نفوذ قوى كان بإمكانها ابتلاعها. النمط ثابت: من لا يستطيع الانتصار في ساحة المعركة يبني لنفسه ساحة معركة مختلفة، فالدبلوماسية ليست مجرد إعلام، بل هي نظام من القواعد والأعراف والأُطر والعمليات، يجب على كلا الطرفين قبولها جميعًا قبل بدء المفاوضات، وهنا يكمن الفخ للطرف القوي، ما إن توافق دولة قوية على التفاوض حتى تُقدم أول تنازلاتها؛ فهي تقبل بقواعد لم تضعها، وتعمل في ساحة لم تخترها، وفي إطار لا يُعطي الأفضلية للقوة الغاشمة. طاولة المفاوضات ليست أرضًا محايدة، بل هي أرضٌ أُعدّت – أحيانا على مدى قرون – من قِبل أولئك الذين كانوا في أمسّ الحاجة إليها، وهم الذين أصبحوا الأكثر مهارةً في استخدامها.
التفاوض مجال فرعي من الدبلوماسية الإيرانية
في عالم الدبلوماسية، يُعدّ التفاوض سلاح إيران الأكثر تعقيدًا، وله قواعده الخاصة، لا تقتصر هذه القواعد على ما يُقال فحسب، بل تشمل أيضا متى يُقال، وكيف، وما يُترك دون قول، والرسائل التي تُنقل من خلال السلوك خارج البروتوكول الرسمي، ولطالما مارست إيران هذه القواعد.
الحضارة الفارسية غنية بأكثر من ألفي عام من فن الحكم والتفاوض والمناورات الاستراتيجية. ثقافة البازار في المجتمع الإيراني تتجاوز كونها مُجرّد تقليد تجاري، فهي مدرسة للتفاوض: تتسم بالصبر والعمق وتعدد المستويات، وبعيدة المدى، وتُراعي حساسية الطرف الآخر النفسية، لا تسعى إيران للتوصل إلى اتفاق سريع في المفاوضات، بل هدفها فهم الضغوط والجداول الزمنية ونقاط الضعف السياسية الداخلية لدى الطرف الآخر، ثم استغلالها لصالحها، في المقابل، تميل الولايات المتحدة إلى دخول المفاوضات بمجموعة واضحة من الأهداف، وجدول زمني محدد تمليه الدورات الانتخابية، وإيمان راسخ بأن صواب موقفها سيؤدي إلى النجاح، لكن هذه ليست استراتيجية تفاوض، بل هي أشبه بالصلوات.
المتغير المفقود: الذكاء الثقافي
المشكلة الأعمق ليست تكتيكية، بل معرفية. كثيرًا ما يفشل المفاوضون الأمريكيون في فهم البيئة التي يعملون فيها، ليس لنقص المعلومات، بل لافتقارهم إلى الذكاء الثقافي اللازم لتفسيرها. الاستخبارات قادرة على تحديد القدرات، والدبلوماسية قادرة على عرض المواقف، والتخطيط العسكري قادر على حساب ميزان القوى، لكن لا تكفي أي من هذه الأدوات دون القدرة على فهم كيفية تفسير المجتمع الآخر لمفاهيم مثل القوة والوقت والشرعية والمصداقية.
في إيران، يتجلى هذا الأمر بطرق غالبًا ما يغفل عنها المراقبون الغربيون. فالمفاوضات لا تبدأ بمجرد جلوس الأطراف للتحدث، بل تبدأ قبل ذلك بمسألة من يسيطر على الاجتماع، ومن ينتظر، وكيف يُصمّم إطار انعقاده، وما الرسائل التي ينقلها ترتيب التفاعل بين الأطراف، هذه الخطوات ليست مجرد مسائل إجرائية، بل هي الخطوات الافتتاحية للمفاوضات، والوفود الإيرانية تدرك ذلك، في المقابل، غالبًا ما تفشل الوفود الأمريكية في ذلك. يدخل أحد الجانبين إلى الاجتماع مزودًا بثقافة استراتيجية مُنسّقة، وخبرة تمتد لقرون، ورؤية عالمية طويلة الأمد، بينما يصل الجانب الآخر بموارد أكثر، لكن بفهم أقل للساحة.
الانعكاس المتطابق ونقطة العمى الأمريكية
يُعدّ “الانعكاس المتطابق” أحد أكثر الأخطاء التحليلية شيوعًا في مجال الاستخبارات والدبلوماسية، وهو افتراض أن الجهات الفاعلة الأخرى تُفكّر وتُحدّد أولوياتها وتُقيّم النتائج بالطريقة نفسها، هذا فشل في إدراك أن العقلانية نفسها مُرتبطة بالثقافة. يفترض المفاوضون الأمريكيون أن صُنّاع القرار الإيرانيين يُولون أهمية قصوى برفع العقوبات، والتطبيع الاقتصادي، والضمانات الأمنية، تمامًا كما يفعلون هم، هذه المصالح موجودة بالفعل، لكن عوامل أخرى، مثل الذاكرة التاريخية، والهوية الثورية، والشرف، وتجنّب الظهور بمظهر الضعيف، قد تكون أحيانًا أكثر أهمية.
لقد صمدت إيران أكثر من أربعين عامًا في ظل العزلة والحرب الاقتصادية والضغط العسكري، لكنها برعت في بسط نفوذها، وإدارة شرعيتها الداخلية، وانتزاع التنازلات مع تقديم القليل، في المقابل، الولايات المتحدة تقلل من شأن هذه القدرة لأنها لا تستكشفها بعمق.
فخ المصداقية
لا تقتصر القوة في استراتيجية الشرق الأوسط على الجانب المادي فحسب، بل تشمل أيضًا المصداقية، والاستعداد للدفاع عن المصالح، والوفاء بالوعود، وإظهار موقف ثابت على مر الزمن، فالقوة وحدها لا تضمن الاحترام. تعاني الولايات المتحدة من نقص في المصداقية في الشرق الأوسط، ويستغل المفاوضون الإيرانيون هذا الأمر؛ فقد فرضت الولايات المتحدة القليل جدًا من الخطوط الحمراء، وتخلّت عن الاتفاقيات، وغيّرت سياساتها بعد كل انتخابات، لكن الإيرانيين لا ينظرون إلى هذه التغييرات على أنها مُجرّد ضجيج، بل يرونها رصيدًا استراتيجيًا، ويستنتجون أن الالتزامات الأمريكية مرهونة بالسياسة الداخلية، وأن الوقت يصب في مصلحة من يستطيع الصبر. من ثَمَّ، تفاوض إيران وهي على دراية بهذه الحقيقة، فهي تعلم أن أمام الإدارة الأمريكية أربع سنوات فقط، وأن الضغط الداخلي هائل لتحقيق إنجازات، وأن أي اتفاق يتم التوصل إليه سيخضع لانتقادات داخلية، ولا تواجه إيران قيودًا مماثلة.
توصيات سياسية: ما الذي يجب تغييره؟
ما يُطرح هنا لا يعني أن الدبلوماسية مع إيران عديمة الجدوى، أو أنه ينبغي التخلي عن المفاوضات، بل يعني أن الولايات المتحدة تتفاوض حاليًا من موقع ضعف بنيوي، لم تُدركه بالشكل الكافي، وبالتأكيد لم تتعامل معه، ولتتجاوز ذلك، يجب إجراء بعض التغييرات.
- أولًا: يجب على الولايات المتحدة الاستثمار في الاستخبارات الثقافية أولوية للأمن القومي، لا اعتبارًا ثانويًا، بل قدرة أساسية لا تقل أهمية عن الجاهزية العسكرية أو استخبارات الإشارات، وهذا يعني امتلاك الخبرة الإقليمية، والبحث المستمر في كيفية تفكير صنّاع القرار الإيرانيين، وليس فقط ما يقولونه.
- ثانيا: يجب أن تعكس الطواقم الأمريكية فهمًا حقيقيًا لثقافة التفاوض، فالعملية لا تقل أهمية عن المضمون: من يقود الحوار، وكيف تُعرض المقترحات، وكيف تُصاغ التنازلات، كلها أمور بالغة الأهمية في المفاوضات مع إيران، وغالبًا ما يُساء فهمها من قِبل الطواقم الأمريكية.
- ثالثًا: يجب على الولايات المتحدة أن تُرسّخ موقفًا استراتيجيًا أكثر اتساقًا في المنطقة، فالمصداقية -إذا فُقدت- لا تُستعاد إلا ببطء، ومن خلال إظهار العزم على مرّ الزمن. كل تناقض، وكل فجوة بين السياسة المُعلنة والسلوك الفعلي، تُشكّل رصيدًا تُراكمه إيران للجولة القادمة من المفاوضات.
- أخيرًا: يجب على صانعي السياسة الأمريكيين أن يتبنّوا إعادة صياغة جوهرية لمفهوم الدبلوماسية، فالدبلوماسية ليست امتدادًا أكثر دقة لممارسة القوة، بل هي مجال مُستقل، له منطقه الخاص، وقواعده الخاصة، وتسلسله الهرمي الخاص بالمهارات، وفي هذا المجال، لا يُشكّل الحجم العسكري والاقتصادي ميزة حاسمة، بل على العكس، قد يُصبحان عائقًا؛ لأنهما يُولّدان ثقة مُفرطة في لعبة تُستغلّ فيها هذه الثقة المُفرطة من قِبل أولئك الذين لا يملكون خيارًا سوى السيطرة على جميع الأدوات الأخرى.
لم تفقد الولايات المتحدة قدرتها على إلحاق الهزيمة العسكرية بإيران، ولا نفوذها الاقتصادي، إنما خسرت مرارًا وتكرارًا الصراع الذي يدور قبل المفاوضات الرسمية وأثناءها وبعدها، صراع التصورات والتوقيت والصياغة والصبر الاستراتيجي. الدبلوماسية سلاح الضعفاء، صُممت على يد من لا يملكون رفاهية الخسارة، وصُقلت على مر القرون بدافع الضرورة، واستُخدمت بفاعلية مُدمرة ضد من اعتقدوا أن القوة وحدها كافية. الإيرانيون يدركون ذلك، وطالما لم تُدرك الولايات المتحدة هذا أيضًا، لا بوصفها فكرة مُجرّدة، بل دليلًا عمليًا لكيفية إعداد وتدريب كوادرها وإدارة مشاركتها، فستظل تُسخّر نفوذها الهائل في صراع لا تكفي فيه القوة وحدها، ففي العلاقات الدولية، يكاد يكون العجز مرادفًا للفشل.
رابط المادة الأصلية:
https://he.jcfa.org/why-the-united-states-is-losing-to-iran-at-the-negotiating-table/