المقاربات الغربية والإسرائيلية للاتفاق الأمريكي الإيراني وتوازنات الشرق الأوسط

المقاربات الغربية والإسرائيلية للاتفاق الأمريكي الإيراني وتوازنات الشرق الأوسط

المقاربات الغربية والإسرائيلية للاتفاق الأمريكي الإيراني وتوازنات الشرق الأوسط

المقاربات الغربية والإسرائيلية للاتفاق الأمريكي الإيراني وتوازنات الشرق الأوسط
Picture of أنس القاضي

أنس القاضي

كاتب وباحث سياسي

مقدمة

شكّلت الحرب الأمريكية الإيرانية – التي انتهت بتوقيع مذكرة التفاهم في يونيو/حزيران 2026م – إحدى أبرز محطات التحول في المنطقة “الشرق الأوسط” خلال العقد الأخير؛ فقد تجاوزت كونها مواجهة عسكرية بين دولتين لتصبح اختبارًا لمجمل التوازنات التي تشكلت في المنطقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ودور القوى الإقليمية الصاعدة، وموقع الولايات المتحدة في النظام الإقليمي، ومستقبل قوى المقاومة حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن.

وأفرزت الحرب – إلى جانب نتائجها العسكرية والسياسية المباشرة – نقاشات واسعة داخل مراكز التفكير الغربية والإسرائيلية، وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة؛ لأن مراكز البحوث لا تقتصر على تفسير الأحداث، بل تسهم في تشكيل البيئة الفكرية التي تتحرك داخلها النخب السياسية والأمنية، وتطرح تصورات وخيارات قد تنتقل لاحقًا إلى دوائر صنع القرار.

وتزداد أهمية دراسة هذه الأدبيات لأن الاتفاق الأمريكي الإيراني لم يحقق إجماعًا داخل الغرب أو إسرائيل، بل كشف عن تباينات واضحة في تفسير نتائج الحرب وتقدير مستقبل المنطقة؛ فقد رأت بعض المؤسسات في الاتفاق فرصة لاحتواء الصراع وفتح مسار تفاوضي جديد، بينما اعتبرته مؤسسات أخرى فرصة لإيران لإعادة بناء قدراتها واستعادة جزء من نفوذها الإقليمي، واتجهت مراكز أخرى إلى تناول التحولات الجيوسياسية الأوسع التي أبرزتها الحرب، بما في ذلك موقع الصين، ومستقبل الخليج، وأهمية الممرات البحرية، والتحولات التي طرأت على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.

تعتمد هذه الورقة على عينة من أبرز المراكز الغربية والإسرائيلية التي تناولت الحرب والاتفاق، وتشمل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، والمجلس الأطلسي (Atlantic Council) ، ومجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، وتشاتام هاوس (Chatham House)، ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، ومركز القدس للأمن والشؤون الدولية (JCPA)، ومعهد مشعاف للاستراتيجية الصهيونية (Misgav Institute)، ومنتدى الشرق الأوسط (Middle East Forum) .

وتركز الدراسة على تحليل المقاربات الفكرية والاستراتيجية التي حكمت قراءة هذه المؤسسات للاتفاق ونتائج الحرب؛ بهدف فهم كيفية إدراك النخب الغربية والإسرائيلية التحولات الجارية في المنطقة، وما تكشفه هذه الإدراكات عن الاتجاهات المحتملة للسياسات الغربية والإسرائيلية تجاه إيران ومحور المقاومة والشرق الأوسط عمومًا.

وتنطلق الورقة التحليلية من فرضية مفادها أن الخلافات بين هذه المراكز تدور حول تفسير نتائج الحرب وآفاق الاتفاق، لكنها تستند في الوقت نفسه إلى مجموعة من القناعات المشتركة التي تعكس تحولًا أعمق في التفكير الغربي والإسرائيلي تجاه توازنات القوة في المنطقة، ومن خلال تتبع نقاط الاتفاق والاختلاف بين هذه الأدبيات، تسعى الدراسة إلى رسم صورة للبيئة الفكرية والاستراتيجية التي تشكلت بعد الحرب، وفهم المكانة التي باتت تحتلها إيران ومحور المقاومة في تصورات النخب الغربية والإسرائيلية بعد حرب 2026م.

أولًا: المقاربة الدبلوماسية الواقعية

يمثل هذا الاتجاه كل من مجموعة الأزمات الدولية وتشاتام هاوس، مع تقاطعات جزئية لدى بعض المشاركين في نقاشات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

تُعد مجموعة الأزمات الدولية مؤسسة بحثية مستقلة تأسست عام 1995، وتتخذ من بروكسل مقرًا لها، وتركز على منع النزاعات وتسويتها بالوسائل الدبلوماسية، وتنتمي إلى التيار الليبرالي الدولي الذي يمنح المؤسسات الدولية والتفاوض دورًا محوريًا في إدارة الأزمات، أما تشاتام هاوس – المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا – فيُعد من أبرز مراكز التفكير المؤثرة في السياسة الخارجية البريطانية، ويميل إلى مقاربة تجمع بين الواقعية الاستراتيجية والدبلوماسية متعددة الأطراف.

تنطلق هذه المدرسة من فرضية أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية لدى جميع الأطراف؛ فقد فرضت المواجهة ضغوطًا متبادلة وغيرت بعض الحسابات السياسية، لكنها أبقت القضايا الأساسية التي فجرت الصراع دون تسوية، ومن هذا المنطلق، تنظر إلى الاتفاق بوصفه إطارًا لفتح مسار تفاوضي جديد وتنظيم التنافس بين الأطراف خلال المرحلة المقبلة.

ويظهر هذا التوجه بوضوح في كتابات علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، الذي يتعامل مع الاتفاق بوصفه وسيلة لمنع اندلاع حرب جديدة وتوفير أرضية للحوار السياسي، ووفقًا لهذه الرؤية، فإن الغموض الذي يحيط ببعض بنود الاتفاق وفَّر مساحة تسمح لكل طرف بتقديمه داخليًا بوصفه إنجازًا سياسيًا، وهو ما ساعد على التوصل إليه واستمراره.

وتتقاطع مع هذا المنظور كاثرين أشتون، مسؤولة السياسة الخارجية السابقة في الاتحاد الأوروبي وأحد مهندسي الاتفاق النووي لعام 2015م؛ إذ ترى أن نجاح أي تفاوض مستقبلي يرتبط بوجود تصور مشترك للأهداف النهائية وبناء الثقة التدريجية بين الأطراف، كما تؤكد أهمية العودة إلى الآليات التفاوضية التي حكمت المراحل السابقة من الحوار النووي.

وفي ضوء هذه المقاربة، تُفهم نتائج الحرب بوصفها إعادة توزيع للضغوط والأوراق التفاوضية أكثر من كونها انتصارًا أو هزيمة لطرف بعينه؛ فإيران احتفظت بجزء مهم من قدراتها وأدوات تأثيرها، والولايات المتحدة حافظت على تفوقها العسكري وقدرتها على الضغط، ولذلك تنتهي هذه المدرسة إلى أن الاتفاق يوفر الإطار الأكثر واقعية لإدارة المرحلة التالية، في حين تقود العودة إلى المواجهة العسكرية إلى دورة جديدة من الاستنزاف وعدم الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

ثانيًا: المقاربة الأمنية الإسرائيلية

يمثل هذا الاتجاه بصورة أساسية كل من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ومركز القدس للأمن والشؤون الدولية (JCPA)، وهما من أكثر المؤسسات تأثيرًا في إنتاج التقديرات الأمنية داخل إسرائيل، ويُعد معهد دراسات الأمن القومي الأقرب إلى المزاج السائد داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بحكم ارتباطه بعدد كبير من الجنرالات والمسؤولين السابقين، بينما يميل مركز القدس للأمن والشؤون الدولية إلى مقاربة أكثر قربًا من تيار اليمين القومي الإسرائيلي وأكثر تشددًا تجاه إيران ومحور المقاومة.

وعلى رغم اختلاف الخلفيات الفكرية للمؤسستين، فإنهما تنطلقان من فرضية مشتركة مفادها أن الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بإيران دون أن تحقق التحول الاستراتيجي الذي كانت إسرائيل تسعى إليه، ومن هنا تنظر هذه المدرسة إلى الاتفاق على أنه مرحلة انتقالية تسمح لإيران بإعادة تنظيم أوضاعها الداخلية واستعادة جزء من قدراتها الاقتصادية والعسكرية، ولذلك يتركز اهتمامها على كيفية استثمار طهران للوقت الذي وفَّره الاتفاق أكثر من اهتمامها بتقييم نجاحه أو فشله.

وتعكس الأدبيات الصادرة عن هاتين المؤسستين إدراكًا متزايدًا أن القوة الإيرانية لا ترتبط بالقدرات العسكرية التقليدية وحدها، بل بمنظومة أوسع تضم البرنامج الصاروخي وشبكة الحلفاء الإقليميين والقدرة على التأثير في الممرات البحرية الاستراتيجية، ولهذا تظل إيران – في نظر هذه المدرسة – التهديد الاستراتيجي الأبرز لإسرائيل على رغم الخسائر التي تعرضت لها خلال الحرب، كما أن بقاء البرنامج النووي والقدرات الصاروخية وشبكات النفوذ الإقليمي يجعل الاتفاق – من منظورها – إطارًا لإدارة الصراع وتأجيله أكثر من كونه تسوية دائمة له.

ويحتل لبنان موقعًا مركزيًا في هذا التصور؛ فالأدبيات الإسرائيلية تكاد تجمع على أن مستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني سيتأثر بصورة كبيرة بالتطورات اللبنانية؛ نظرًا إلى المكانة التي يحتلها حزب الله داخل منظومة الحلفاء الإقليميين لإيران، ولذلك تتعامل هذه المؤسسات مع أي تهدئة في لبنان بصفة مؤقتة، وترى أن مستقبل سلاح الحزب ودوره داخل الدولة اللبنانية سيبقيان من أهم مصادر التوتر في السنوات المقبلة، كما تكشف هذه القراءة عن اختلاف واضح مع المقاربة الأمريكية؛ فبينما تنظر واشنطن إلى الملف اللبناني من زاوية استقرار الاتفاق ومنع توسع الحرب، تنظر إليه إسرائيل من زاوية ميزان القوى طويل الأمد بينها وبين إيران.

وتكشف هذه الأدبيات أيضًا عن تحول لافت في النظرة الإسرائيلية إلى اليمن والبحر الأحمر، فبعد أن ظل اليمن سنوات في مرتبة متأخرة ضمن أولويات الأمن القومي الإسرائيلي، دفعت الحرب الأخيرة باب المندب والبحر الأحمر إلى قلب الحسابات الاستراتيجية، وتشير كتابات INSS وJCPA إلى أن القدرة على التأثير في الملاحة الدولية أصبحت جزءًا من منظومة الردع الإقليمية، وأن اليمن تحول إلى عنصر مؤثر في معادلة الأمن البحري الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، ويعكس ذلك اتساع مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ليشمل الممرات البحرية وشبكات التجارة والطاقة العالمية إلى جانب الجبهات العسكرية التقليدية.

كما تكشف هذه المدرسة عن فجوة متزايدة بين التقديرات الأمريكية والإسرائيلية بشأن نتائج الحرب وأهداف المرحلة التالية؛ فالإدارة الأمريكية تتعامل مع الاتفاق بوصفه فرصة لاحتواء الأزمة وإعادة ترتيب الأولويات، بينما تنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إليه بوصفه محطة ضمن صراع طويل لم تُحسم نتائجه بعد، ويظهر هذا التباين بصورة خاصة في ترتيب الأولويات؛ إذ تركز واشنطن على الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة ومنع اتساع الحرب، في حين تركز إسرائيل على تغيير البيئة الاستراتيجية التي سمحت بصعود إيران ومحور المقاومة خلال العقود الماضية، ومن ثم تعبر هذه المقاربة عن محاولة إسرائيلية لفهم كيفية التعامل مع واقع استراتيجي جديد فرضته الحرب، أكثر مما تعبر عن رضا تجاه نتائجها أو تجاه الاتفاق الذي أعقبها.

يمثل هذا الاتجاه بصورة رئيسة منتدى الشرق الأوسط (Middle East Forum) ومعهد مشعاف للاستراتيجية الصهيونية (Misgav Institute)، وهما مؤسستان تلتقيان في تبني رؤية متشددة تجاه إيران ومحور المقاومة وفي موقف نقدي واضح من الاتفاق الأمريكي–الإيراني، ويرتبط منتدى الشرق الأوسط بالتيار المحافظ المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة وبالمدرسة المحافظة الجديدة التي تدعو إلى استخدام القوة الأمريكية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، أما معهد مشعاف فيمثل أحد أبرز تعبيرات اليمين القومي الإسرائيلي، وتعكس أوراقه أولويات التيار المحافظ في قضايا الأمن القومي والصراع مع إيران.

وتنطلق هذه المدرسة من فرضية تختلف عن المقاربة الدبلوماسية الغربية؛ إذ ترى أن الحرب وفرت فرصة لتحقيق نتائج استراتيجية أوسع مما تحقق فعليًا، ووفقًا لهذا التصور، دخلت إيران الحرب وهي تواجه ضغوطًا اقتصادية وسياسية وعسكرية متراكمة، وأدت العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية إلى إضعافها بدرجة غير مسبوقة؛ الأمر الذي جعل وقف الحرب والانتقال إلى التفاوض خطوة مبكرة حالت دون استثمار تلك الضغوط لتحقيق مكاسب استراتيجية أكثر استدامة، ولهذا تركز هذه الأدبيات على ما تعده فرصًا ضائعة أكثر من تركيزها على كلفة الحرب أو خسائر الأطراف الأخرى.

وتذهب هذه المدرسة إلى أبعد من التركيز على البرنامج النووي أو الصواريخ أو النفوذ الإقليمي؛ إذ ترى أن مصدر التهديد الأساسي يكمن في طبيعة النظام الإيراني نفسه، ومن هذا المنطلق لا يُنظر إلى أي اتفاق يضمن بقاء النظام وقدرته على إعادة إنتاج نفوذه بوصفه نجاحًا استراتيجيًا، ولذلك تنتقل هذه الأدبيات من منطق احتواء إيران إلى منطق تغيير البيئة السياسية التي تنتج عناصر قوتها، وهو ما يجعلها أكثر تشددًا من المقاربة الأمنية الإسرائيلية التقليدية التي تركز على الردع وإدارة التهديدات.

وفي هذا السياق، تتعامل كتابات “مئير بن شبات” وآخرين مع الاتفاق بوصفه أداة تمنح إيران فرصة لإعادة بناء قوتها باستعادة جزء من مواردها الاقتصادية، وتعزيز الثقة داخل مؤسساتها السياسية، وتوفير الوقت اللازم لإعادة بناء قدراتها العسكرية وتنظيم شبكات حلفائها الإقليميين، ولذلك لا تنحصر المشكلة – في نظر هذه المدرسة – في بنود الاتفاق المباشرة، بل تمتد إلى البيئة السياسية والنفسية التي يخلقها داخل إيران ومحور المقاومة بعد الحرب.

كما تقدم هذه المقاربة تفسيرًا مختلفًا للتحولات الخليجية، فبينما تنظر الأدبيات الغربية إلى التقارب الخليجي الإيراني بوصفه جزءًا من مسار أوسع نحو الاستقرار الإقليمي، تفسره المدرسة المحافظة المتشددة بأنه انعكاس لتقدير متزايد لدى بعض العواصم الخليجية أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية، ومن ثم يُفهم هذا التقارب بوصفه استجابة لتحولات أوسع في إدراك مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط أكثر من كونه نتيجة مباشرة لنجاح المسارات الدبلوماسية.

ثالثًا: المقاربة الجيوسياسية الأوسع

تمثل هذه المقاربة مجموعة من المؤسسات الغربية التي تنظر إلى الحرب والاتفاق من زاوية تتجاوز العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران أو الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل، ويبرز ضمنها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) والمجلس الأطلسي (Atlantic Council)، إلى جانب بعض الكتابات الصادرة عن تشاتام هاوس، وينصب اهتمام هذه المدرسة على التحولات التي أحدثتها الحرب في توزيع القوة والمصالح داخل الشرق الأوسط وفي موقع المنطقة ضمن التنافس الدولي الأوسع.

ويُعد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أبرز ممثلي المدرسة الواقعية الأمريكية، بحكم قربه من دوائر صنع القرار وتركيزه على إنتاج تقديرات تخدم عملية صنع السياسات، وتعكس النقاشات التي شارك فيها “بول سالم” و”مايكل راتني” وآخرون هذا التوجه بوضوح؛ إذ انصبت على كيفية إدارة نتائج الحرب أكثر من الانشغال بتحديد المنتصر والخاسر، ومن هذا المنطلق جرى التعامل مع الاتفاق بوصفه نتيجة لوصول الحرب إلى حدودها السياسية والاستراتيجية، بعدما أثبتت الضربات العسكرية قدرتها على فرض ضغوط متبادلة دون إنتاج تسوية أحادية الجانب، في وقت كانت فيه كلفة استمرار الحرب تتصاعد على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والعلاقات الأمريكية مع شركائها الإقليميين، ويعكس هذا المنظور أولوية إدارة التوازنات ومنع الانزلاق إلى مواجهات أوسع على حساب المقاربات الأيديولوجية التي تسعى إلى تغيير الأنظمة أو إعادة تشكيل المنطقة بالقوة.

أما المجلس الأطلسي فيمنح اهتمامًا أكبر بالأبعاد الدولية للصراع وبآثاره في النظام العالمي، وتظهر الحرب في أدبياته محطة أعادت تشكيل البيئة السياسية في الشرق الأوسط، وأثرت في حسابات قوى دولية وإقليمية متعددة، ووفقًا لهذا التصور  خرجت دول الخليج بدرجة أقل من الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية، في حين برزت أدوار متنامية لقوى إقليمية قادرة على الوساطة والحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعارضة، كما ارتبطت الحرب في هذه القراءة بالتحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي في ظل تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

وفي هذا السياق تُقدَّم الصين بوصفها أحد أبرز المستفيدين غير المباشرين من نتائج الحرب؛ إذ خرجت من الأزمة دون تحمل أعبائها العسكرية أو السياسية، بينما استفادت من انشغال الولايات المتحدة بجولة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط، ومن الحاجة المتزايدة إلى استقرار أسواق الطاقة التي تمثل الصين أحد أكبر المستفيدين منها، إضافة إلى تنامي توجه عدد من القوى الإقليمية نحو تنويع شراكاتها الدولية وعدم الاعتماد الحصري على واشنطن، ولذلك تُفهم الحرب في هذه الأدبيات بوصفها جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ الدولي، لا مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

كما تولي هذه المقاربة اهتمامًا متزايدًا بدور القوى الإقليمية المتوسطة؛ إذ ترى أن الحرب أبرزت حضورًا سياسيًا متناميًا لدول مثل قطر وتركيا والسعودية ومصر وباكستان، التي انتقلت من موقع المتأثر بالأزمة إلى موقع المساهم في إدارتها، ويُنظر إلى هذا التطور بوصفه مؤشرًا على تحول أوسع في بنية الشرق الأوسط، يتمثل في تراجع أنماط الاستقطاب التقليدية وصعود شبكات أكثر تعقيدًا من التحالفات والوساطات ومراكز التأثير، بما ينسجم مع الاتجاهات العامة للنظام الدولي نحو قدر أكبر من التعددية.

وتحتل الممرات البحرية موقعًا محوريًا في هذه القراءة، لكن من منظور اقتصادي وجيوسياسي أوسع من المقاربة الأمنية الإسرائيلية؛ فمضيق هرمز وباب المندب يظهران بوصفهما عقدتين أساسيتين في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، وقد كشفت الحرب حجم اعتماد التجارة والطاقة العالميتين على هذه الممرات وحساسية النظام الاقتصادي الدولي تجاه أي اضطراب يصيبها، ولذلك تُفهم الأزمة بوصفها إنذارًا استراتيجيًا دفع عددًا من الدول والشركات إلى إعادة النظر في خطوط النقل والطاقة البديلة وفي سبل تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية التقليدية، ومن هذا المنظور يصبح الاتفاق الأمريكي الإيراني جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى استعادة الاستقرار للاقتصاد العالمي وإعادة ضبط التوازنات الإقليمية والدولية التي كشفت الحرب هشاشتها.

رابعًا: نقاط الإجماع بين المراكز الغربية والإسرائيلية

على الرغم من التباين الأيديولوجي والسياسي بين المراكز الغربية والإسرائيلية التي تناولت الاتفاق الأمريكي الإيراني، فإن مراجعة أدبياتها تكشف مجموعة من الاستنتاجات المشتركة التي تعبر عن الاتجاهات العامة المتشكلة داخل دوائر التفكير الاستراتيجي بعد الحرب.

ويتمثل أبرز هذه الاستنتاجات في أن الحرب لم تنتج حلًا نهائيًا للمسألة الإيرانية، فالمراكز المختلفة – على اختلاف مواقفها من الاتفاق – تتعامل مع الصراع بوصفه انتقل إلى مرحلة جديدة دون أن تُحسم القضايا الأساسية التي كانت وراء اندلاعه، ولهذا تدور معظم النقاشات حول كيفية إدارة المرحلة التالية أكثر من انشغالها بإعلان انتصار حاسم لأي طرف.

كما تتقاطع هذه الأدبيات مع الإقرار بأن إيران خرجت من الحرب وهي تواجه خسائر عسكرية واقتصادية وسياسية مهمة، لكنها بقيت فاعلًا رئيسًا في توازنات الشرق الأوسط، ولذلك تتعامل أغلب المراكز مع إيران بوصفها قوة تعرضت للاستنزاف دون أن تفقد عناصر تأثيرها الأساسية المرتبطة بموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وشبكات حلفائها الإقليميين.

وتكشف هذه الأدبيات أيضًا عن صعود أهمية الممرات البحرية إلى موقع متقدم في الحسابات الاستراتيجية الغربية والإسرائيلية؛ فقد تحول هرمز وباب المندب من ممرات تجارية حيوية إلى عناصر مؤثرة في توازنات الردع والصراع؛ الأمر الذي وسّع مفهوم الأمن الإقليمي ليشمل أمن التجارة الدولية والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن نقاط الالتقاء الأخرى إدراك اتساع الفجوة بين أولويات واشنطن و”إسرائيل” في مرحلة ما بعد الحرب، فبينما تركز الولايات المتحدة على الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة ومنع توسع الصراع، تنظر إسرائيل إلى المواجهة مع إيران بوصفها تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد يرتبط بمستقبل ميزان القوى في المنطقة، ويعكس هذا التباين اختلافًا متزايدًا في ترتيب الأولويات وفي تعريف النجاح السياسي والاستراتيجي.

وفي العموم تتفق معظم هذه المراكز على أن المرحلة التالية للحرب ستدور حول التفاوض والعقوبات وإعادة بناء القدرات والتحالفات أكثر مما ستدور حول المواجهات العسكرية المباشرة، ومن ثم يُنظر إلى الاتفاق بوصفه بداية مرحلة جديدة من التنافس السياسي والاستراتيجي، تتداخل فيها عمليات إعادة بناء القوة مع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية التي كشفت الحرب حدودها ومكامن هشاشتها.

خامسًا: نقاط الخلاف بين المراكز

إذا كانت نقاط الإجماع تكشف عن الاتجاهات العامة التي تشكلت داخل دوائر التفكير الغربية والإسرائيلية بعد الحرب، فإن نقاط الخلاف تعكس تباينًا عميقًا في تفسير نتائجها وفي تصور مستقبل المنطقة.

ويبرز في مقدمة هذه الخلافات الجدل حول حصيلة الحرب بالنسبة لإيران؛ فالمدرسة المحافظة المتشددة ترى أن الاتفاق وفَّر للنظام الإيراني فرصة لإعادة تنظيم قدراته واستعادة توازنه بعد مرحلة من الضغوط غير المسبوقة، ولذلك تتعامل معه بوصفه فرصة ضائعة كان يمكن استثمارها لتحقيق نتائج استراتيجية أكبر، أما المدرسة الأمنية الإسرائيلية فتقر بحجم الخسائر التي تعرضت لها إيران، لكنها ترى أن احتفاظها بعناصر قوة مؤثرة يمنع الحديث عن هزيمة استراتيجية حاسمة، وفي المقابل، تتعامل المدرسة الدبلوماسية مع الحرب بوصفها دليلًا على حدود القوة العسكرية لدى جميع الأطراف، وترى أن نتائجها لا يمكن اختزالها في مفهومي النصر والهزيمة.

ويمتد الخلاف إلى تقييم الاتفاق نفسه؛ فبينما تنظر إليه مجموعة الأزمات الدولية وتشاتام هاوس بوصفه إطارًا يمكن البناء عليه لتوسيع التفاهمات وخفض احتمالات المواجهة، تتعامل معه الأدبيات المحافظة الإسرائيلية والأمريكية بوصفه فرصة لإيران لاستعادة جزء من قدراتها الاقتصادية والعسكرية، أما معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي فيتبنى موقفًا وسطًا؛ إذ يرى في الاتفاق إطارًا مؤقتًا يحد من التصعيد، لكنه يترك دون معالجة كثيرًا من القضايا التي تشكل مصدر القلق الإسرائيلي.

كما تختلف هذه المراكز في تعريف التهديد الرئيس الذي ينبغي أن توجه إليه السياسات الغربية والإسرائيلية؛ فبعضها يضع البرنامج النووي الإيراني في مركز الاهتمام، بينما تركز مراكز أخرى على القدرات الصاروخية أو على شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطة بطهران، أما المدرسة المحافظة الأمريكية فتتعامل مع طبيعة النظام الإيراني نفسه بوصفها المصدر الأساسي لمختلف التحديات الأخرى، ويعكس هذا التباين اختلافًا في تشخيص المشكلة، ومن ثم اختلافًا في الأدوات والسياسات المقترحة للتعامل معها.

ويظهر الخلاف أيضًا في تصور شكل الشرق الأوسط الذي يمكن أن تفضي إليه نتائج الحرب والاتفاق؛ فالمدرسة الدبلوماسية ترى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة تقوم بدرجة أكبر على التفاوض وإدارة التوازنات، أما المدرسة الأمنية الإسرائيلية فتتعامل مع الاتفاق بوصفه هدنة ضمن صراع طويل لم تُحسم تناقضاته الأساسية بعد، وفي المقابل تنظر المقاربة الجيوسياسية الأوسع إلى الحرب والاتفاق بوصفهما جزءًا من عملية إعادة توزيع أوسع للقوة والنفوذ في “الشرق الأوسط”، تتداخل فيها أدوار القوى الكبرى والقوى الإقليمية الصاعدة على حد سواء.

ومن ثم لا يقتصر الخلاف بين هذه المراكز على تفسير نتائج الحرب أو تقييم الاتفاق، بل يمتد إلى فهم طبيعة المرحلة التي دخلتها المنطقة بعد عام 2026م وإلى الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه توازناتها السياسية والأمنية خلال السنوات المقبلة.

الخاتمة

تكشف الأدبيات الغربية والإسرائيلية التي تناولت الاتفاق الأمريكي الإيراني عن تحول مهم في طريقة فهم الصراع الإقليمي وتوازنات القوة في المنطقة “الشرق الأوسط”؛ فالنقاشات التي أعقبت الحرب تجاوزت حدود تقييم الاتفاق أو تقدير نتائج المواجهة العسكرية، واتجهت نحو إعادة النظر في عدد من الافتراضات التي حكمت التفكير الغربي والإسرائيلي خلال العقود الماضية.

وقد أظهرت الحرب أن امتلاك التفوق العسكري والاقتصادي لا يكفي وحده لإنتاج تحولات استراتيجية حاسمة في بيئة إقليمية تتداخل فيها القدرات العسكرية مع الجغرافيا السياسية وشبكات التحالفات ومصالح القوى الدولية، ولهذا انصرفت معظم هذه الأدبيات إلى البحث في كيفية إدارة التوازنات الجديدة التي أفرزتها الحرب أكثر من انشغالها بإمكانية فرض ترتيبات نهائية أو حاسمة على المنطقة.

كما عكست هذه النقاشات إدراكًا متزايدًا للتحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث صعود أهمية الممرات البحرية، أم تنامي دور القوى الإقليمية الوسيطة، أم اتساع تأثير التنافس الدولي في قضايا الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي، وفي الوقت نفسه كشفت عن تباينات واضحة بين المقاربات الغربية والإسرائيلية في تفسير نتائج الحرب وفي تصور شكل النظام الإقليمي الذي يمكن أن ينشأ بعدها.

وعلى رغم اختلاف هذه المقاربات في تقييم الاتفاق وآفاقه المستقبلية، فإنها تلتقي عند حقيقة أساسية تتمثل في أن حرب 2026م لم تُخرج إيران أو حلفاءها من معادلة القوة الإقليمية، كما لم تفضِ إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق التصورات التي سبقتها؛ فقد أفرزت الحرب توازنًا جديدًا ما تزال ملامحه قيد التشكل، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل الردع والتحالفات وأدوات النفوذ في المنطقة.

ومن هذه الزاوية تكتسب هذه الأدبيات أهميتها الفعلية؛ فهي لا تقدم قراءة لحدث سياسي أو عسكري عابر، بل تكشف عن تحول أوسع في إدراك النخب الغربية والإسرائيلية لطبيعة الصراع نفسه؛ فبدلًا من التعامل مع إيران ومحور المقاومة بوصفهما تحديًا مؤقتًا يمكن حسمه بجولة عسكرية أو ضغوط اقتصادية متراكمة، تتجه هذه الأدبيات بصورة متزايدة إلى التعامل معهما بوصفهما جزءًا مستقرًا من التوازنات الإقليمية، وبوصف إدارة العلاقة معهما إحدى القضايا المركزية التي ستستمر في تشكيل سياسات الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

 

المصادر


1-Ashton, Catherine. How to Make a Lasting Deal with Iran. London: Chatham House, 2026.

(أشتون، كاثرين.” كيف يمكن بناء اتفاق دائم مع إيران؟” لندن: المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس).

2-Atlantic Council. Regional Winners and Losers After the U.S.–Iran Agreement. Washington, D.C.: Atlantic Council, 2026.

(المجلس الأطلسي. الرابحون والخاسرون إقليميًا بعد الاتفاق الأمريكي–الإيراني).

3-Ben Menachem, Yoni. Iran’s Strategy After the Ceasefire. Jerusalem: Jerusalem Center for Security and Foreign Affairs (JCPA), 2026.

بن مناحيم، يوني. استراتيجية إيران بعد وقف إطلاق النار. (القدس: مركز القدس للأمن والشؤون الدولية  (JCPA).

4-Ben Shabbat, Meir. The Iran Deal: Survival, Hope and Reconstruction. Jerusalem: Misgav Institute for National Security and Zionist Strategy, 2026.

بن شبات، مئير. الاتفاق مع إيران: البقاء والأمل وإعادة البناء. (معهد مشعاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية).

5-International Crisis Group. Avoiding the Next Middle East War. Brussels: International Crisis Group, 2026.

 (مجموعة الأزمات الدولية” تجنب حرب الشرق الأوسط المقبلة ” (مجموعة الأزمات الدولية).

6-Dekel, Udi, et al. Assessing the Trump–Iran Understanding After the War. Tel Aviv: Institute for National Security Studies (INSS), 2026.

(ديكل، عودي وآخرون “تقييم التفاهم بين ترامب وإيران بعد الحرب” تل أبيب: معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS).

7-Roman, Greg. Trump Saved the Iranian Regime. Philadelphia: Middle East Forum, 2026.

 (رومان، جريج.” ترامب أنقذ النظام الإيراني” منتدى الشرق الأوسط).

8-Salem, Paul, Michael Ratney, and Jon Alterman. The U.S.–Iran Agreement and the Future of the Middle East. Washington, D.C.: Center for Strategic and International Studies (CSIS), 2026.

(سالم، بول، ومايكل راتني، وجون ألترمان. “الاتفاق الأمريكي–الإيراني ومستقبل الشرق الأوسط،” واشنطن العاصمة: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).