نظم مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات في العاصمة اليمنية صنعاء، الأربعاء الماضي، ندوة سياسية بعنوان “الوحدة اليمنية في الذاكرة الوطنية”، وذلك بالتزامن مع حلول العيد الوطني الـ 36 للجمهورية اليمنية الموافق 22 مايو.
وقال الأكاديمي بجامعة عدن الدكتور سامي عطا، في ورقة العمل الأولى، إن قضية الوحدة اليمنية بدأت تفرض حضورها في المشهد الوطني منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، مؤكداً أنها لم تكن “وليدة اللحظة” عند إعلانها عام 1990.
ولفت عطا إلى أن الفضل الأول في صياغة مشروع الوحدة وإحيائه يعود إلى المناضل اليمني البارز عبد الله باذيب، معتبراً إياه واضع الديناميكية الأولى للهوية اليمنية في المحافظات الجنوبية.
ودعا عطا إلى مراجعة شاملة لتجربة الوحدة، وبناء “عقد اجتماعي جديد” يقوم على اللامركزية والعدالة الانتقالية والشراكة المتوازنة، محذراً من استمرار الارتهان للخارج وتحول بعض النخب السياسية إلى أدوات لإدامة الانقسام.
وأضاف أن ذكرى مايو يمكن أن تتحول من “ذكرى للإخفاق” إلى فرصة لإعادة تأسيس مشروع وطني جامع، إذا توفرت الإرادة السياسية والشجاعة للاعتراف بالأخطاء.
من جهته، أكد رئيس المركز الوطني للوثائق عبد الله هاشم السياني، أن وحدة اليمن “إنساناً وأرضاً وجغرافيا” تمثل حقيقة تاريخية راسخة، معتبراً أن الهوية اليمنية ظلت عصية على التفتيت بفعل عمقها الحضاري والسياسي.

وحمَّل السياني، في الورقة الثانية المعنونة بـ ” الوحدة اليمنية”، الاستعمارَ البريطاني مسؤولية تكريس الانقسام الشطري في اليمن الحديث، مشيراً إلى أن لندن عملت، وفق وثائق بريطانية تناولت تاريخ الجزيرة العربية، على توسيع دائرة السلطنات المحلية من 17 إلى 27 كياناً، في إطار سياسة “فرق تسد” وإذكاء الصراعات البينية.
واستعرض السياني الشواهد التاريخية التي تؤكد وحدة اليمن الجيوسياسية، لافتاً إلى أن نقوش سد مأرب توثق مشاركة قبائل من حضرموت (17 قبيلة من أصل 37) في بناء السد، كما أن “التبابعة” تاريخياً لم يكونوا يحملون لقب “تُبَّع” إلا إذا سادت سلطتهم على حضرموت كجزء لا يتجزأ من اليمن.
من ناحيته، قال رئيس الهيئة العامة للكتاب عبد الرحمن مراد، إن الوحدة اليمنية لم تكن مشروعاً سياسياً فحسب، بل سبقها حراك فكري وثقافي واسع قاده الأدباء والمثقفون في شمال اليمن وجنوبه.

وأوضح مراد، في ورقته الثالثة المعنونة “دور أدباء اليمن ومثقفيها في تحقيق الوحدة اليمنية”، أن الخطاب الثقافي اليمني تعامل مع الوحدة باعتبارها “مشروعاً حضارياً” لا مجرد اندماج إداري، مشيراً إلى أن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين مثّل نموذجاً وحدوياً مبكراً قبل تحقق الوحدة سياسياً عام 1990.
وأضاف أن الوحدة في الخطاب الأدبي اليمني تحولت إلى “قيمة أخلاقية عليا” ورمز لاستعادة الذات التاريخية، مؤكداً أن اتحاد الأدباء والكتاب كان من أبرز الأصوات التي سعت إلى حماية الوحدة من التفكك والاختزال السياسي.
وشهدت الندوة، التي أدارها المرتضى المتوكل، حضور أعضاء من مجلس الشورى وأكاديميين وباحثين، مداخلات ونقاشات مستفيضة حول السياق التاريخي للوحدة اليمنية وأبعادها الثقافية والوطنية ودورها في ترسيخ الهوية الجامعة والوعي الوطني لدى اليمنيين.
