بخلاف التقديرات التي ذهبت إلى وصف زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين بأنها محطة بروتوكولية دون أي مؤشر على تعاون أمريكي صيني بشأن إيران[1]، تكشف النتائج التي خلصت إليها قمة ترامب ـ شي، عن محطة مفصلية في مساعي أقوى اقتصادين في العالم لإعادة رسم خارطة التوازنات الاستراتيجية الدولية، ينتظر أن تقررها المرحلة الجديدة من العلاقات الاقتصادية بما لها من آثار في الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط وغرب آسيا وفي أدوات الصراعات الجيوسياسية في المستقبل.
كان وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ لهذه الزيارة بأنها ” تاريخية”[2] دقيقًا للغاية بالنظر إلى ما أفضت إليه لقاءات القمة من نتائج برغبة الجانبين في إعادة صياغة علاقات البلدين بالتأسيس لمرحلة “استقرار استراتيجي بنّاء” في سياق دولي متأزم، يتسم بتراجع الثقة وتوظيف القوى الكبرى الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية في إدارة الصراعات الجيوسياسية، وتصاعد حاجة الجانبين إلى هدنة استراتيجية تتيح بناء علاقات متوازنة لإدارة التنافس الدولي ومنع تفجره بصراع عسكري.
ذلك أن الرئيس ترامب الذي طالما وصف الصين بأنها ” سارق الوظائف” و” المنافس غير النزيه”، خرج من وسط الأزمة المتفاقمة مع إيران باحثًا عن إنجاز اقتصادي يحسن وضعه الداخلي، وآملًا في تفعيل مسار الدبلوماسية الدولية عن طريق أطراف قوية ومؤثرة مثل الصين التي أمل أن تمارس ضغوطًا على إيران لفتح مضيق هرمز دون الاضطرار إلى حرب مكلفة، خصوصًا أنه يمثل شريانًا حيويًا للطاقة لن تستطيع الصين تحمل كلفة انسداده مدة طويلة.
وبالمقابل فإن الصين – التي عانت كثيرًا من قيود العقوبات التجارية والرسوم الجمركية والتكنلوجيا الرقمية – أدارت القمة محمولة بمساعي تثبيت موقعها بوصفها قوة اقتصادية صاعدة قادرة على فرض شروط الاستقرار، خصوصًا في ملفات الملاحة الدولية وتايوان والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
ويمكن القول: إن كلًا من واشنطن وبيجين حققتا بعض المكاسب المحدودة، ولا سيما في مجالات تطوير التجارة البينية، وصفقة طائرات بوينغ، وتخفيف القيود التي تفرضها واشنطن على منتجات التكنولوجيا الرقمية، وتعزيز السياسة الحمائية الأمريكية لتكنلوجيا أشباه الموصلات من الاستخدام العسكري، لكن البلدين لم يحققا تقدمًا ملموسًا في الملفات الاستراتيجية، مثل الأزمة مع إيران وحرية الملاحة في مضيق هرمز وقضية تايوان[3].
نتائج نسبية وأخرى في المنطقة الرمادية
منحت لقاءات قمة بيجين الرئيس ترامب الفرصة لترميم ما أحدثه نظامه في التعريفات الجمركية من تصدعات في العلاقات مع الصين، كما منحت الرئيس شي فرصة لتقديم خططه الجديدة لبناء قواسم مشتركة في الحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة المهددة بالصراعات الإقليمية.
كان واضحًا أن لدى واشنطن وبيجين أولويات أساسية في المسارين الاقتصادي والأمني، ترغبان بحسمها خلال هذه القمة، وهو ما تحقق نسبيًا في الملف الاقتصادي، بالتوازي مع تحقيق اختراق نسبي في أولويات البلدين في المسارين السياسي والأمني للمرة الأولى منذ سنوات.
الأولويات الأمريكية في الملف الاقتصادي أنها ذهبت إلى وضع إطار تعاون اقتصادي جديد يمكن بواسطته تقليص العجز التجاري مع الصين وحماية الاحتكار الأمريكي لأشباه الموصلات، وتوسيع التعاون في مجال المعادن النادرة، ومكافحة الفنتانيل، وامتدت إلى البحث عن دور صيني لفتح مضيق هرمز وضمان حياد الصين في الأزمة القائمة، وإنهاء أزمة الطاقة العالمية، وتسهيل التوصل إلى اتفاق جديد يقلص حجم الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها إدارة ترامب جراء إغلاق مضيق هرمز[4].
أما الأولويات الصينية فذهبت إلى البحث بإمكانية تحويل الهدنة التجارية إلى اتفاق دائم، وتخفيف القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على التكنلوجيا الرقمية المتقدمة وقيود الرسوم الجمركية، وتعزيز أمن الطاقة، والسعي إلى تخفيف حدة الأزمة التي خلفتها التوترات في مضيق هرمز.
وفي حين احتاجت الصين إلى فتح مضيق هرمز لضمان تدفق النفط، خصوصًا أنها تعتمد على واردات كبيرة من إيران ودول الخليج، فقد احتاج ترامب إلى تهدئة الأزمة لتعزيز موقفه الداخلي.
وفقا لذلك أفضت قمة ترامب ـ شي، إلى تفاهمات اقتصادية في تعزيز التجارة الثنائية بزيادة واردات الصين من المنتجات الأمريكية في مجالي الزراعة والطاقة، مقابل وعد واشنطن برفع واشنطن العقوبات المفروضة على بعض الشركات الصينية، وتخفيف القيود الجمركية، والسماح لشركات التكنلوجيا الصينية الحصول على شرائح إلكترونية متقدمة كان محظورًا على الصين الحصول عليها[5].
وعلى رغم استمرار الخلاف بشأن الملف التكنلوجي، أفضت الزيارة إلى نتائج مهمة في عقد صفقات متبادلة في مجالي الاقتصاد والتكنلوجيا تكللت بشراء الصين لـ 200 طائرة بوينغ، مقابل سماح واشنطن لبعض الشركات الصينية بتلقي رقائق متطورة من طراز H200، كما جرى الاتفاق على عقد اجتماعات دورية بين خبراء البلدين لمناقشة أمن الرقائق والذكاء الاصطناعي.
في المسار الأمني سجلت القمة اختراقًا نسبيًا بتفاهمات معلنة، تقضي بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو من أهم المكاسب التي خرج بها ترامب في ظل الأزمة المحتدمة في المضيق.
حصل ترامب –أيضًا- على تعهدات علنية من الرئيس شي، بعدم تقديم أي معدات عسكرية أو منصات دفاع جوي لإيران، وهي التعهدات التي أغلقت الطريق أمام شركات صينية خاصة تتهمها واشنطن بالسعي لتزويد إيران بأسلحة متطورة[6].
سوى ذلك كانت ملفات المسار الأمني الأخرى ملبدة بالخلافات؛ إذ سعت واشنطن إلى إشراك بكين في سياسة الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز ووقف التخصيب وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب والانخراط في اتفاق جديد، غير أن الصين قابلت ذلك بموقف صارم بتجنب الانخراط المباشر في الأزمة مع دعمها فكرة الحفاظ على قنوات تدفق النفط عن طريق فتح مضيق هرمز دون شروط، وعدم عسكرة المضيق وضمان حرية الملاحة فيه، وإبقاء باب الحوار مفتوحًا بين الجانبين.
وسائر التصريحات والبيانات الرسمية كشفت تفضيل بيجين حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، وتجنب الانخراط في سياسة الضغط الأمريكية على إيران، ما جعل التفاهمات تبدو هامشية في تأثيرها في الأزمة مع إيران التي بقيت مفتوحة على مزيد من التعقيد.
في الجانب الآخر أبدى الجانبان تقاربًا نسبيًا تجاه القضية الأكثر حساسية بالنسبة للصين المتمثلة بقضية تايوان والدعم العسكري الأمريكي المحتمل، خصوصًا بعد أن أبدى ترامب موقفًا مختلفًا كليًا عن المواقف المعروفة للإدارة، بعدما أكد معارضته أي خطوة من جانب تايوان لإعلان الاستقلال[7] في ظل تقديرات أشارت إلى أن ترامب قد يعيد النظر في صفقات الأسلحة الجديدة لتايوان، خصوصًا بعد التحذيرات التي أعلنها الرئيس الصيني شي جين بينغ، التي وصف فيها ملف تايوان بأنه “خط أحمر”[8].
والمؤكد أن مباحثات القمة لم تفض إلى تفاهمات كاملة، فهناك عدد من القضايا ظلت موضع خلاف بين الجانبين، ولا سيما الموقف من العقوبات الأمريكية التي تقاومها الصين، في حين لا تزال بيجين ترفض الحصار الشامل والمشاريع العسكرية الأمريكية، مثل مشروع الحرية والحرية بلس لتوسيع الحصار البحري على إيران.
وقضية استبدال الصين النفط الإيراني التي كان ترامب يأمل في الحصول عليها لم تمض كما أرادها ترامب؛ أبلغ الرئيس شي ترامب برغبة بيجين في استمرار شراء النفط الإيراني.
وعلى رغم تلويح ترامب بإمكانية تخفيف العقوبات عن الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني وتتجاوز العقوبات الأمريكية للنفط مقابل دور صيني فاعل في فتح مضيق هرمز، إلا أن ذلك لم يترجم إلى خطوات أمريكية، كما لم يتجرم بالتزامات صينية معلنة.
وحتى الخطوة التي اتخذتها بيجين بزيادة الواردات الأمريكية من المنتجات الزراعية والطاقة، يمكن قراءتها بمسارين، الأول: أنها نجاح سياسي تكتيكي لترامب على المدى القصير في تخفيف ضغط الأسعار ودعم المزارعين الأمريكيين بعد أن كانت الصادرات الزراعية الأمريكية شهدت تراجعًا كبيرًا خلال الحرب التجارية بين البلدين.
المسار الثاني: أنها –واقعًا- شكلت مكسبًا استراتيجيًا طويل الأمد للصين، خصوصًا أنها ستمنح بيجين فرصًا لتقوية صناعتها، وتجاوز مشكلات تباطؤ النمو والرسوم الجمركية، كما سيمنحها وقتًا إضافيًا لإعادة هيكلة الاقتصاد بتنويع الأسواق، وأكثر من ذلك منع تشكل جبهة غربية موحدة ضدها.
انعكاسات القمة… تفاهمات محدودة وخلافات
بعد يومين من لقاءات القمة بين الرئيسين ترامب وشي، ظهر أن تفاهمات التعاون بين واشنطن وبكين ممكنة في بعض الملفات العامة، مثل التجارة والطاقة، في حين أنها تبقى هشة في القضايا المتعلقة بمصالح استراتيجية وملفات أمنية حساسة مثل هرمز وإيران وتايوان.
ومعلوم أن أي تفاهمات اقتصادية أو سياسية أو أمنية بين الولايات المتحدة والصين، ستؤثر -بلا شك- في طريقة تعامل الصين وواشنطن مع الكثير من الأزمات الدولية الراهنة.
وإذا ما ألقينا الضوء على ملف إيران ومضيق هرمز، فالمنتظر أن تنعكس تفاهمات القمة الأخيرة للرئيسين بهذا الشأن على طريقة تعاطي الصين والولايات المتحدة معها في إطار ما يمكن وصفه بإعادة ضبط سقف التصعيد.
السبب في ذلك أن كلا البلدين يتفقان على فكرة ألا أحد يريد حصول انفجار عسكري في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي، أو يترتب عليه تهديد لأمن الطاقة العالمي أو حتى كلفة مالية كبيرة.
لكن المرجح أن إدارة ترامب لن تكون ليّنة تجاه إيران، بل إنها قد تتجه إلى تصعيد الضغوط القصوى الاقتصادية والبحرية مع تجنب الحرب الشاملة، والإبقاء على قنوات التفاوض غير المباشر مفتوحة.
ومع استبعاد فكرة حصول تدخل عسكري كبير أو اجتياح بري أو مواجهة مفتوحة مع إيران فإن الاحتمالات بشن أمريكا عمليات عسكرية محدودة تبدو ورادة، خصوصًا أن جزءًا من القوة التي تملكها إيران حاليًا تتمثل بمضيق هرمز الذي تستخدمه إيران سلاحًا لمواجهة التهديدات الأمريكية.
وعلى رغم غياب البيانات الرسمية فإن عددًا من المؤشرات ترجح أن تفاهمات غير معلنة بين بكين وواشنطن في عدد من الملفات التي تتصدرها -بلا شك- قضايا استقرار أسعار النفط، ومنع إغلاق مضيق هرمز وحماية حرية الملاحة الدولية، وضبط سقف التصعيد الأمريكي مع إيران.
وما يعزز ذلك هو مطالبة الصين بضرورة بقاء قنوات الحوار الدبلوماسية مفتوحة بين أمريكا وإيران، وهي مطالب تعني أن مباحثات قمة بيجين أتاحت فتح قنوات نقاش أمريكي صيني حول أمن مضيق هرمز من دون التزامات عملية من الصين، سوى في دعوتها إلى ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام حركة الملاحة الدولية، ورفضها فرض رسوم على السفن المارة في المضيق.
ويصعب إغفال خيبة الأمل التي كانت واضحة على الرئيس ترامب ومسؤولي البيت الأبيض الذين كانوا يأملون أن تستخدم الصين علاقاتها الاقتصادية مع إيران للضغط عليها لفتح مضيق هرمز، وتوقيع اتفاق جديد يشمل وقف التخصيب وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب للولايات المتحدة، وهو المطلب الذي لم تلبه الصين، واكتفت بإعلان موقف أقل من التوقعات الأمريكية.
تفاهمات في المنطقة الرمادية
على الرغم من محاولات بيجين وواشنطن إظهار حصول توافق بين البلدين في كثير من القضايا – ولا سيما الاقتصادية – إلا أن التفاهمات المعلنة لا تزال تتفاعل في المناطق الرمادية، ولا سيما في إعلان واشنطن عن وعود صينية بشراء منتجات أمريكية مثل الطائرات والسلع الزراعية ومنتجات الطاقة، التي بقيت تفاصيلها مجهولة ولم تعلن بشكل رسمي من جانب الصين.
كذلك ما تحدث عنه ترامب بشأن استثمارات صينية بمئات المليارات في قطاعات التكنولوجيا والطاقة، الذي اعتبره ترامب إنجازًا عظيمًا في حين بدت الصين متحفظة عن إعلان ذلك بشكل رسمي.
وحتى في مجال التعاون التكنولوجي، فإنه على رغم حضور ممثلي شركات كبرى مثل تسلا وإنفيديا أظهر اهتمامًا من جانب واشنطن بتعزيز التعاون في قطاع الذكاء الاصطناعي والرقائق، إلا أن ذلك أفضى إلى انفتاح أمريكي جزئي برفع الحظر عن بعض الرقائق في ظل استمرار واشنطن فرض القيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة للرقائق، وإصرارها على منع وصول الرقائق المتقدمة إلى الصين خشية استخدامها عسكريًا.
مع ذلك كشفت التصريحات والبيانات الصادرة من البلدين عن نقاط تقاطع مهمة، صاغت ما يمكن تسميته بـ “تفاهمات رمادية” قابلة للتطور يتصدرها حصول واشنطن على تطمينات صينية بمشاركتها بعض الثوابت بعدم امتلاك السلاح النووي، وعدم القبول بإغلاق طهران مضيق هرمز أو فرضها رسومًا على مرور السفن وتأمين خطوط الملاحة الدولية في المضيق.
معادلة التوازن وسياسة عدم الانحياز الكامل
المؤكد أن الموقف الصيني المعلن برفض إغلاق مضيق هرمز وفرض رسوم على مرور السفن[9] قدم لترامب خدمة كبيرة بتخفيف الضغط عليه في توقيت بالغ الحساسية مقابل الحصول على امتيازات جديدة في قطاع التكنلوجيا، إلا أن الموقف الصيني لم يكن انحيازًا كاملًا إلى الولايات المتحدة، كما لم يكن تخليًا عن إيران، قدر ما كان تعبيرًا عن أولوية صينية ثابتة تجاه حماية قنوات تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
ذلك أن الصين تعد اليوم أكبر مستورد للنفط في العالم، وجزء كبير من وارداتها يأتي من إيران أو يمر من مضيق هرمز، وأي إغلاق للمضيق أو فرض رسوم على السفن يهدد مباشرة أمن الطاقة الصيني، ويزيد من كلفة الصناعات الصينية وسلاسل الإمداد المرتبطة بالتصدير، وهو ما ترفضه الصين كليا[10].
والتعهد الذي أطلقته الصين بعدم تزويد إيران بالأسلحة، لم يكن بعيدًا عن سياستها المعلنة، فقد انسجم تمامًا مع موقفها الثابت بعد الانخراط في الصراعات الدولية، في حين أن إعلانها رفض إغلاق مضيق هرمز وفرض الرسوم على عبور السفن كان رسالة واضحة بعدم استعداد الصين تغطية أي تصعيد يهدد مصالحها الاقتصادية.
وهناك معطى ينبغي الإشارة إليه، وهو أن علاقات الصين مع طهران تقوم على أساس المصالح المتبادلة وعلى التوازن الاستراتيجي في غرب آسيا، ولذلك تسعى إلى بقاء إيران مستقرة وقوية بما يكفي للصمود، لا قوية بما يكفي لجرّ المنطقة إلى حرب شاملة.
ولن تقبل الصين على الأرجح بإسقاط النظام في إيران، كما لن تقبل بحصار يخنق إيران بالكامل، أو حربًا تدمر البنية النفطية الإقليمية؛ لأنها ترى في إيران جزءًا مهمًا من مشروع الطاقة وطريق الحرير، وجزءًا مهمًا من معادلة التوازن مع النفوذ الأمريكي في آسيا.
الشاهد على ذلك أن الدعم الصيني لإيران يظهر بقوة في إطار التنسيق المشترك في المحافل الدولية وفي مواجهة العقوبات الغربية وفي صفقات شراء النفط والتعاون الاقتصادي، لكنه يقل إلى الحدود الأدنى عندما يتعلق الأمر بحرب إقليمية مفتوحة أو إغلاق مضيق هرمز، أو أي توترات قد تسبب في انهيار الاقتصاد العالمي.
لذلك قد يظهر في المرحلة المقبلة نوع من التوازن الدقيق في الموقف الصيني قد يدفع بيجين للضغط على طهران لعدم التصعيد البحري، بما يتماشى مع خيارات واشنطن المتاحة بعدم الذهاب نحو حرب إقليمية شاملة وترك باب المفاوضات مفتوحًا.
احتمالات الدعم الصيني … أفق محدود يتجنب المواجهة مع واشنطن
لا شك أن الصين تنظر إلى إيران بوصفها شريكًا استراتيجيًا مهمًا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بسبب أزمتها مع الولايات المتحدة.
ولذلك فالسلوك الصيني المتوقع –غالبًا- سيكون قائمًا على الدعم المحسوب لا التحالف العسكري الكامل.
ومن من غير المرجح أن تقدم بيجين دعمًا عسكريًا لطهران يضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن؛ لأن ذلك سيكون له عواقب بزيادة واشنطن عقوباتها على الصين، وربط أي توجهات صينية لدعم إيران بملف تايوان، وأكير من ذلك توسيع وتسريع واشنطن التحالفات العسكرية في آسيا[11].
وفي المقابل من غير المرجح أن تتخلي الصين تمامًا عن دعم إيران أمنيًا وتقنيًا ضمن مستويات معينة؛ فهي ترى أن بقاء إيران مستقرة عامل مهم يخدم مصالحها الاستراتيجية، في حين أن إضعافها أو سقوطها أو إضعافها بالكامل يمنح واشنطن تفوقا في غرب آسيا.
وما يضبط علاقات الصين بإيران هو علاقاتها مع دول الخليج التي تبدو قوية ومتينة، ما يمنع بيجين من الظهور طرفًا منحازًا بالكامل لإيران؛ لأن ذلك يهدد استثماراتها وعقود الطاقة، كما سيهدد مشروع الحزام والطريق الذي تشارك فيه دول المنطقة.
لهذا فالأرجح خلال المرحلة المقبلة استمرار الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي الصيني لإيران، وربما دعم تقني وأمني محدود وغير معلن، مع تجنب أي خطوة صدامية مباشرة قد تجعل الصين تبدو طرفًا مشاركًا في المواجهة مع الولايات المتحدة.
الخطوة التالية… مأسسة الحوار وإدارة التنافس
على أن قمة ترامب ـ شي، لم تُنهِ الخلافات الجوهرية بين البلدين، لكنها أظهرت أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة، قوامها التعاون الاقتصادي وتقليص التوترات مع إبقاء الملفات الحساسة تحت السيطرة.
وغير بعيد عن ذلك التنسيق من أجل إعادة صياغة موازين القوة في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد أن حولت القمة زلزال الأزمة في مضيق هرمز، الذي هدد إمدادات الطاقة العالمية، إلى نقطة تلاقٍ بين أمريكا والصين، وفتحت الأبواب لتعاون بناء من أجل تعزيز الاستقرار العالمي بمشاركة دول المنطقة التي قد تذهب إلى موازنة مصالحها الأمنية مع الولايات المتحدة وشراكاتها الاقتصادية مع الصين.
يدعم ذك ما أظهرته واشنطن وبيجين من استعداد لمناقشة الملفات الخلافية بشكل أكثر انفتاحًا، خلافًا لما كان حاله في السنوات السابقة، بل إن الكثير من المعطيات تؤكد أن هناك استعدادًا للتفاوض حول كل القضايا باستثناء قضايا الخطوط الحمراء مثل تايوان بالنسبة للصين، واحتكار تكنلوجيا أشباه الموصلات بالنسبة لأمريكا التي لا تزال موضع شد وجذب.
والمؤكد أن قمة بيجين وسّعت سياسة فتح الأبواب بين البلدين، بحيث أصبح النقاش حول الملفات الخلافية ممكنًا ومؤسسيًا، مع إدراك أن الحلول لن تكون سريعة في ظل توافق الطرفين على إدارة التنافس عن طريق الحوار والتوجه العام نحو تقليص التوترات.
المصادر
[1] وكالة “رويتزر” زيارة ترامب إلى الصين أصبحت بروتوكولية، وانتهت دون أي مؤشر على تعاون صيني بشأن إيران.
[2] وكالة أنباء “شينخو” الرئيس شي يؤكد زيارة ترامب إلى الصين كانت تاريخية.
[3] وكالة “رويترز”: نرامب يغادر بكين بمكاسب محدودة لكنه يمتدح شي.
[4] مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS: قمة ترامب ـ شي في بيجين إدارة أهم علاقة في العالم.
[5] “إندبندنت عربية”، وكالة “رويترز”، “العربي الجديد”.
[6] “الجزيرة” ترامب: الصين عرضت المساعدة في ملف إيران، وتعهدت بعدم تزويدها بأسلحة.
[7] “الجزيرة” تايوان تؤكد استقلالها بعد تحذيرات ترامب.
[8] مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) محادثات ترامب وشي جارية في بكين.
[9] “CNBC” أمريكا والصين تتفقان على رفض الرسوم في هرمز.
[10] “الجزيرة” هل تضحي الصين بنفط طهران مقابل تكنلوجيا واشنطن؟
[11] “ون نيوز” وزير الخارجية الأمريكي: دعم الصين لإيران سيؤثر على العلاقات الثنائية.