فجأة تحول الساحل السوري من مجرد منطقة تتمتع ببعض الميزات والخصائص الجغرافية والاجتماعية المحلية إلى منطقة استقطاب، ومحط اهتمام الباحثين عن الفرص الاستثمارية، والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري، والصراعات الجارية لرسم الخراط الجيوسياسية الجديدة للمنطقة والعالم.
هذه التغيرات جاءت بسبب تداعيات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وأزمة مضيق هرمز وباب المندب، والحرب الأوكرانية، وقطع النفط والغاز الروسي عن أوروبا، والتغيير الدراماتيكي في سورية، وتغير موازين القوى والقوة الإقليمية والدولية، وأدت إلى تحركات سياسية وعسكرية في الإقليم، وزيارات وفود، تستهدف محاولات بناء مواقع سيطرة ونفوذ، والبحث عن آفاق العمل والاستثمار، وكل طرف يريد أن يوجد لنفسه موطئ قدم في واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في الخارطة الإقليمية والدولية، التي ترتسم في عالم اليوم.
وفي التفاصيل…
- روسيا تقوم بتحركات عسكرية مكثفة، تتجاوز مجرد التحرك الروتيني لقواتها، بين قاعدتيها البحرية في طرطوس والجوية في حميميم، وهذه التحركات تقف خلفها أهداف استراتيجية، تستدعي إعادة تموضع دفاعي وهجومي، يكون قادرًا على حماية مصالح روسيا، من أي تهديدات إقليمية ودولية، إضافة إلى الاستعداد لسيناريوهات أسوأ، في التوتر المتصاعد في المنطقة، وفي الحرب الأوكرانية، حيث الترابط متين بين الجبهتين.
- الولايات المتحدة الأمريكية، تبدي اهتمامها الكبير بالمنطقة؛ لأسباب اقتصادية وجيوسياسية، تتوافق مع الرؤيا الترامبية للمنطقة وللعلاقات الدولية؛ إذ تشكل سورية اليوم واحدة من أهم الفرص الاستثمارية في العالم، وهي مرتبطة بشكل مباشر مع رؤية ترامب منطقة غزة، وتحويل المنطقتين إلى نقطة منطقة نمو واستثمارات عالمية، كما يؤمن التواجد الأمريكي فيها – سواء بشكل مباشر أم عن طريق شركاتها – نقطة تمركز جيوسياسية، تتوسط كل القوى والدول الفعالة في المنطقة، وفي القضايا العالمية الشائكة، لا سيما أن النفط السوري سيكون معظمه تحت سيطرة الشركات الأمريكية؛ إذ وقعت شركة شيفرون عقودًا لاستثمارات ضخمة في النفط السوري، كما تحدث الرئيس ترامب عن مشروع “مارينا” للاستثمار، الذي يشمل الساحل السوري.
- الكيان الصهيوني، يعد سورية الجزء الأساسي والأهم في مشروع إسرائيل الكبرى، ونقطة التماس والمواجهة الرئيسة مع المشروع التركي، كما أن المنطقة بتركيبتها الاجتماعية والدينية توفر فرصة للكيان للَّعب على وتر الأقليات، ومشروع فدرلة المنطقة، إضافة إلى أنها توفر الفرصة للكيان؛ للسيطرة على قطاع النفط والطاقة، في منطقة شرق المتوسط.
- تركيا أيضًا، تعد المنطقة نقطة امتداد جيوسياسي وحيوي لها، ولا يمكن تصور مشروع تركي قوي وفعال من دون سورية، التي تشكل اليوم نقطة التماس مع المشروع الإسرائيلي، إضافة إلى أن تركيا تحاول أخذ حصة وازنة لها من مشاريع النفط والغاز في شرق المتوسط، على رغم محاولات إبعادها عن هذه المشاريع، وهو ما ظهر بشكل واضح خلال أعمال القمة الأوروبية، التي عقدت في قبرص الشهر الماضي؛ لبحث التداعيات الأمنية والاقتصادية المتسارعة للحرب في الشرق الأوسط، ودعي إليها قادة دول المنطقة باستثناء تركيا.
- إيران التي خرجت ميدانيًا من سورية – بعد التغيير الدراماتيكي فيها – لها مصلحة جيوسياسية كبيرة، لإعادة إيجاد موطئ قدم فيها، وتعد منطقة الساحل هي الأكثر قابلية للتحرك الإيراني، وبالتأكيد فإن نجاح إيران في إفشال أهداف العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها سيسهم في استعادة دور لها في سورية – وإن كان على أسس مختلفة – عما كانت عليه في السابق.
- السعودية بدورها، ترى في سورية نقطة الامتداد الحيوي لها، حيث الامتداد التاريخي بين الشام والحجاز، ولا يمكن أن تبني قوة إقليمية من دون سورية، وهي على تنافس شديد بين المشروعين التركي والإسرائيلي للنفوذ في المنطقة.
- أيضًا الإمارات العربية المتحدة – التي تحاول أداء دور جيوسياسي مؤثر عن طريق علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، ودورها في المشروع الإبراهيمي – تحاول أن يكون لها تواجد في المنطقة الساحلية، وقد أرسلت عدة وفود سياسية واقتصادية للاستطلاع ودراسة الوضع والفرص الاستثمارية، وطرحت عدة مشاريع ضخمة في المنطقة، ومنها مشروع “مراسي” الذي أعلن عنه رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار.
هذا الاهتمام الإقليمي والدولي المتصاعد – بمنطقة الساحل السوري – لم يأت من فراغ، وإنما أملته الميزات والإمكانات الكبيرة، التي تمتلكها المنطقة، وأهمها:
- تتوسط جغرافيًا كل الدول المؤثرة إقليميا ودوليًا.
- بوابة سورية على البحر المتوسط والأسواق الخارجية.
- امتلاكها مخزونًا كبيرًا من النفط والغاز، الذي لم يستثمر بعد، وهو يشكل أحد البدائل المهمة والعملية لسوق النفط، لا سيما باتجاه أوروبا؛ نظرًا لقربها الجغرافي، والطرق الحرة والمفتوحة في الاتجاهين، برًا وبحرًا وجوًا، كما يعد بديلًا لأوروبا عن النفط والغاز الروسي.
- نافذة بحرية، وموانئ التصدير، التي تنتهي إليها، خطوط إنتاج ونقل النفط والغاز، من منطقة الخليج باتجاه أوروبا من دون المرور من مضيق هرمز وباب المندب.
- تقع على أهم الطرق البرية والبحرية والجوية بين تركيا والخليج، وبقية المنطقة العربية والعكس.
- فيها ينتهي مشروع الصين “الحزام والطريق” على المتوسط باتجاه أوروبا وشمال إفريقيا.
- المنطقة الأقرب إلى روسيا في المياه الدافئة بعد المضائق التي تسيطر عليها تركيا، العضو في حلف الناتو.
- امتداد على المتوسط إلى شواطئ لبنان وفلسطين المحتلة، لا سيما قطاع غزة حيث المشروع الأمريكي؛ لتحويلها إلى منطقة استثمار ونمو عالمية.
- معتدلة المناخ؛ إذ وتمتلك مقومات سياحية وتاريخية عريقة.
- فيها تنوع اجتماعي وديني منفتح، وهو الأغنى في سورية، والأكثر تعليمًا، وتوافرًا للكوادر العلمية والأكاديمية.
هذه التطورات والمعطيات والإمكانات أكدت الأهمية الكبيرة، التي تتمتع بها منطقة الساحل السوري، بالفرص العقارية والاستثمارية، والخرائط الجيوسياسية، وممرات الطاقة، وسلاسل التوريد، والمراكز المالية، والسيطرة على مراكز القوة والنفوذ، في سورية والمنطقة.
وإذا كان الوضع اليوم لايزال في مرحلة الاستطلاع، وتثبيت مواقع التواجد والنفوذ، والبحث عن الفرص والمشاريع الاستثمارية، فإن تنفيذ هذه الرؤى والمشاريع، واستثمار هذه الإمكانات والطاقات، ينتظر توضيح الصورة النهائية للخريطة الجيوسياسية التي ترتسم لسورية وللمنطقة، وهذا يتطلب توافقًا إقليميًا ودوليًا على تنظيم موضوع التواجد والنفوذ للدول المؤثرة في منطقة الساحل، وهو ما يتوقع أن يتم في المرحلة المقبلة على وقع النتائج، التي سينتهي إليها العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وبعد ترتيب الوضع الداخلي في سورية.