المقدمة:
يتطلب فهم التحولات الراهنة في العلاقات الغربية- الغربية (الأمريكية الأوربية) تجاوز القراءة الظرفية للأحداث، والنظر إليها ضمن مسار تاريخي ممتد، تشكّلت خلاله أنماط متعددة من الصراعات والتحالفات داخل المركز الرأسمالي الذي تمثله الولايات المتحدة وأوربا. لم تتخذ هذه العلاقات شكلًا ثابتًا، بل انتقلت من صدامات إمبريالية مفتوحة -في بدايات القرن العشرين- إلى تماسك مؤسسي مرتفع بعد الحرب العالمية الثانية، ثم إلى تماسك يقوم على التنسيق في ملفات محددة، وتوزيع الأدوار بين مكوناته بعد نهاية الحرب الباردة، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي تتسم بتباينات أكثر وضوحًا واتساعًا في مختلف المجالات.
ضمن هذا المسار، لا تظهر التحولات الحالية بوصفها قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا لتراكمات في المصالح الاقتصادية وتفاوت موازين القوة داخل المركز، أعادت تشكيل طبيعة التفاعل بين مكوناته، وأعادت توزيع الأدوار بينها، كما لم تبقَ هذه التحولات محصورة داخل المجال الغربي، بل انعكست بصورة مباشرة على أوضاع دول الأطراف، ومنها العالم العربي الإسلامي -إذا صح التعبير- مناطق غرب آسيا و”الشرق الأوسط” وشمال إفريقيا؛ إذ ارتبطت مسارات التنمية والسيادة والتحرر تاريخيًا بطبيعة العلاقة داخل المركز، سواء في لحظات الصراع أم التماسك.
تنطلق هذه الورقة من تحليل تطور العلاقات داخل المعسكر الغربي بمراحله التاريخية المختلفة، وصولًا إلى المرحلة الراهنة، مع التركيز على كيفية انتقال العلاقة من نمط موحد إلى نمط انتقائي، ودور سياسات إدارة ترامب في كشف وتسريع هذا التحول، ثم استشراف انعكاساته على دول الجنوب العالمي، لا سيما فيما يتعلق بمسارات السيادة والتنمية والتحرر.
الإطار النظري:
يتأسس تحليل العلاقات الأمريكية الأوربية في هذه الورقة على مجموعة من المفاهيم التي تُستخدم لوصف بنية النظام الدولي وتوزيع القوة داخله، التي ترد ضمن النص بوصفها أدوات تفسيرية لفهم التحولات التاريخية، كما تُستخدم لقراءة العلاقة بين هذه البنية وأنماط التفاعل داخلها، وكيف تنعكس على موقع الدول المختلفة في النظام الدولي.
يُقصد بـ المركز الرأسمالي مجموعة الدول الصناعية المتقدمة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، التي تتركز فيها القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، وتشكل الفاعل الرئيس في صياغة قواعد النظام الدولي. لا يُفهم هذا المركز بوصفه وحدة متجانسة، بل بوصفه بنية تضم قوى متعددة تتفاعل فيما بينها عن طريق الصراع والتحالف، وتُنتج في كل مرحلة نمطًا معينًا من التماسك أو التباين، وهو ما يحدد طبيعة السياسات التي تصدر عنه، سواء في صورة مواقف موحدة أم أدوات ضغط متباينة.
في المقابل، يُستخدم مفهوم دول الأطراف أو دول الجنوب العالمي للإشارة إلى الدول التي أُدمجت تاريخيًا في النظام العالمي ضمن موقع تابع، سواء عن طريق الاستعمار المباشر أم عن طريق آليات اقتصادية ومالية لاحقة، ويتمثل هذا الموقع في اعتماد هذه الدول على تصدير المواد الخام أو الطاقة، واستيراد التكنولوجيا والسلع المصنعة، مع محدودية قدرتها على التحكم بشروط اندماجها في الاقتصاد العالمي، بما يجعل تفاعلها مع المركز محكومًا بقدرتها على التكيف مع هذه الشروط أو التفاوض ضمن حدودها.
نستخدم “الشرق الأوسط” هنا بوصفه مصطلحًا جغرافيًا، مع التحفظ على دلالته السياسية المرتبطة بالمركزية الغربية، ولا يعتمد هذا الاستخدام تعريفًا صارمًا أو حدودًا ثابتة؛ نظرًا لتباين التعريفات بين الأدبيات، بل يشير بصورة عامة إلى نطاق يضم الجزيرة العربية، وشرق إفريقيا، ومنطقة إيران وتركيا، وصولًا إلى باكستان وأفغانستان من آسيا الوسطى.
أما مفهوم الإمبريالية فيُستخدم هنا للدلالة على نمط الهيمنة الذي تمارسه قوى المركز الرأسمالية الاحتكارية المعولمة على الأطراف، سواء عن طريق السيطرة المباشرة كما في المرحلة الاستعمارية، أم عن طريق أدوات غير مباشرة، مثل المؤسسات المالية الدولية، والتحالفات العسكرية، وشبكات التجارة والاستثمار، ولا يفترض هذا المفهوم وجود وحدة كاملة داخل المركز الإمبريالي، بل يتيح فهم كيف تُدار التناقضات داخله ضمن إطار عام يحافظ على استمرارية الهيمنة، حتى في حالات التباين أو الصراع بين مكوناته.
يرتبط بذلك مفهوم التماسك داخل المركز، الذي يشير إلى مستوى الترابط بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية في إدارة النظام الدولي الراهن، وتركز الورقة التحليلية على هذا النطاق تحديدًا؛ نظرًا لارتباطه المباشر بالبنية الأطلسية التي تشكل الإطار الرئيس للعلاقة محل الدراسة، دون التوسع في مراكز أخرى كاليابان.
كما يظهر مفهوم التباينات داخل المركز، الذي يعكس اختلاف المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين مكوناته، ويتجلى في النزاعات التجارية، وتباين المواقف من القضايا الدولية، واختلاف أولويات السياسة الخارجية. في المرحلة الراهنة، لم تعد هذه التباينات كامنة، بل أصبحت أكثر وضوحًا، مع انتقال العلاقة إلى نمط يُوصف بـ التماسك الانتقائي؛ إذ يستمر التعاون في بعض المجالات -لا سيما الأمنية- مقابل تصاعد التنافس في مجالات أُخرى، ما يجعل العلاقة داخل المركز قائمة على تداخل مستمر بين التعاون والصراع، وليس على أحدهما بشكل منفصل.
تعتمد الورقة على تقسيم زمني يقوم على المراحل التاريخية للعلاقات داخل المركز بوصفه إطارًا لفهم التحولات، يبدأ بمرحلة الصدام الإمبريالي قبل الحربين العالميتين، ثم مرحلة التماسك المؤسسي بعد 1945م، تليها مرحلة التماسك القائم على الترابط في ملفات محددة بعد 1991م، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي تتسم بتباينات ظاهرة ومتعددة المستويات، ويسمح هذا التقسيم بفهم التحولات الحالية بوصفها نتيجة مسار تاريخي متدرج، لا مجرد تغير مرتبط بإدارة سياسية محددة، كما يتيح ربط هذه التحولات بطبيعة السياسات التي تنتج داخل المركز، وكيف تنعكس على موقع دول الأطراف داخل النظام الدولي، لا سيما في ما يتعلق بمسارات السيادة والتنمية والتحرر.
المبحث الأول: تطور العلاقات داخل المعسكر الغربي:
تطور مسار العلاقات داخل المعسكر الغربي ضمن سياق تاريخي متدرّج، لم تتخذ هذه العلاقات شكلًا ثابتًا، بل تحولت على مدى مراحل متعاقبة تبعًا لطبيعة التوازنات الدولية وشكل الصراع داخل المركز الرأسمالي، وقد مثل هذا المسار انتقالًا من صدامات إمبريالية مفتوحة إلى تماسك مؤسسي مرتفع، ثم إلى نمط أكثر مرونة يقوم على ترابط انتقائي وتباينات متزايدة، بما يفسر التحولات الراهنة في بنيتها واتجاهاتها.
أولًا: مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية:
اتسمت العلاقات داخل المركز الرأسمالي قبل الحرب العالمية الثانية بطابع تنافسي حاد؛ إذ اندفعت القوى الأوروبية الكبرى – وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال – إلى توسيع نفوذها عن طريق السيطرة المباشرة على المستعمرات في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ضمن ما عُرف بـ”التدافع نحو إفريقيا” في أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ تقاسمت هذه القوى القارة الإفريقية في أعقاب مؤتمر برلين 1884–1885م، فسيطرت بريطانيا على مصر والسودان وجنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا، وفرنسا على الجزائر وتونس والمغرب وأجزاء واسعة من غرب إفريقيا، بينما بسطت بلجيكا سيطرتها على الكونغو، واحتلت إيطاليا ليبيا وإريتريا والصومال، في حين تنافست ألمانيا على مستعمرات في شرق وجنوب غرب إفريقيا قبل خسارتها لاحقًا.
امتد هذا التنافس إلى آسيا؛ إذ عززت بريطانيا وجودها في الهند وبورما ومالايا، وسيطرت فرنسا على الهند الصينية، بينما سعت ألمانيا إلى إيجاد موطئ قدم في الصين وجزر المحيط الهادئ، في حين توسعت اليابان بوصفها قوة صاعدة في شرق آسيا على حساب الصين وكوريا، كما شمل التنافس المنطقة العربية مع تفكك الدولة العثمانية؛ إذ أعادت بريطانيا وفرنسا رسم خرائط النفوذ باتفاقيات مثل سايكس–بيكو عام 1916م، ما أدى إلى إخضاع مناطق العراق وسوريا ولبنان وفلسطين لنمط جديد من السيطرة الاستعمارية.
تطورت هذه المنافسة إلى صراع مباشر في الحرب العالمية الأولى (1914م–1918م)؛ إذ واجهت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية ألمانيا والنمسا والمجر والدولة العثمانية، وامتدت المعارك إلى أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وأسفرت عن تفكك الإمبراطورية العثمانية. لم تؤدِ الحرب إلى إنهاء التناقضات، بل أعادت إنتاجها بصورة أكثر حدة، ما مهّد للحرب العالمية الثانية.
شهدت الحرب العالمية الثانية (1939م–1945م) اتساعًا أكبر للصراع؛ إذ واجهت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان تحالفًا ضم بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وامتدت ساحات القتال إلى أوروبا وشمال إفريقيا وآسيا، وفي هذه المرحلة، لم يفتح غياب التماسك داخل المركز مجالًا لاستقلال دول الأطراف، بل أدى إلى إدراجها ضمن صراعات القوى الكبرى؛ إذ تحولت المستعمرات إلى ساحات قتال ومصادر للموارد والجنود، كما حدث في تجنيد ملايين الجنود من الهند وشمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وفرض أنماط إنتاج موجهة لخدمة اقتصادات المركز.
يعكس هذا المسار أن غياب التماسك داخل المركز لم يحدّ من الهيمنة، بل أعاد إنتاجها عن طريق صراعات عسكرية شاملة أعادت توزيع النفوذ، ضمن نمط يجمع بين الصدام المباشر والتقاطعات الظرفية، وهو ما يميز هذه المرحلة عن المراحل اللاحقة.
ثانيًا: مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية:
أدّت نتائج الحرب العالمية الثانية إلى إعادة تشكيل بنية المركز الرأسمالي؛ إذ برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة الاقتصادية والعسكرية الأبرز، مقابل تراجع القوى الأوروبية التقليدية؛ نتيجة الدمار الاقتصادي وفقدان جزء كبير من قدراتها الاستعمارية. في هذا السياق، بدأ الانتقال من نمط التنافس الإمبريالي المفتوح إلى تماسك منظم تقوده الولايات المتحدة، يقوم على بناء منظومة مؤسساتية تربط مكونات المركز ضمن إطار واحد.
تجسّد هذا التحول في إنشاء حلف الناتو عام 1949م، الذي شكّل إطارًا عسكريًا موحدًا يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، وهدف إلى مواجهة الاتحاد السوفيتي، لا سيما في ظل أزمات مثل أزمة برلين (1948–1949م) وتشكّل حلف وارسو لاحقًا، وبالتوازي، أُنشئت منظومة اقتصادية ومالية باتفاقية بريتون وودز عام 1944م، التي أسست لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وربطت العملات بالدولار، إلى جانب خطة مارشال عام 1947م التي موّلت إعادة إعمار أوروبا وربطتها بالاقتصاد الأمريكي.
امتد هذا التماسك إلى المجال السياسي والاقتصادي الأوروبي؛ إذ تشكلت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951م، ثم السوق الأوروبية المشتركة عام 1957م، وصولًا لاحقًا إلى الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، في محاولة لبناء كتلة اقتصادية–سياسية تعزز موقع أوروبا داخل المركز، غير أن هذا المسار واجه قيودًا بنيوية، أبرزها التفاوت الاقتصادي بين دول الشمال الصناعي مثل (ألمانيا وهولندا) ودول الجنوب، مثل (اليونان وإسبانيا وإيطاليا)، إلى جانب غياب سياسة دفاعية موحدة واستمرار الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، ما حدّ من قدرة أوروبا على التحرك كفاعل مستقل.
اتسمت هذه المرحلة بدرجة مرتفعة من التماسك داخل المركز، لا سيما في ظل وجود تهديد خارجي تمثل في المعسكر الاشتراكي، ما فرض مستوى عاليًا من التنسيق السياسي والعسكري، كما ظهر في أزمات مثل الحرب الكورية (1950–1953م) وأزمة الصواريخ الكوبية (1962م)، وفي المقابل، انعكس هذا التماسك على دول الأطراف عبر تضييق مساراتها، سواء من خلال التدخلات المباشرة أم الحروب بالوكالة أم أدوات الضغط الاقتصادي.
ثالثًا: مرحلة ما بعد الحرب الباردة:
مع انهيار الاتحاد السوفيتي بين 1989م و1991م، دخل النظام الدولي مرحلة اتسمت بتماسك وظيفي داخل المركز، في ظل غياب الخصم الاستراتيجي، برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة، وقادت عملية إعادة تنظيم النظام الدولي، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ضمن تصور يقوم على توسيع النموذج الليبرالي وإدماج مناطق جديدة في الاقتصاد العالمي.
تجلّى هذا التماسك في تحركات عسكرية وسياسية مشتركة، مثل حرب الخليج عام 1991م، وتدخلات الناتو في البوسنة (1995م) وكوسوفو (1999م)، إلى جانب توسع الاتحاد الأوروبي والناتو شرقًا ليشمل دول أوروبا الشرقية، وتعميق العولمة عن طريق مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية عام 1995م.
غير أن هذا التماسك ظل محدودًا، إذ بدأت تباينات تدريجية في الظهور، كما في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، الذي كشف انقسامًا أوروبيًا بين دول داعمة وأخرى معارضة، وتعمّقت هذه التباينات مع الأزمة المالية العالمية عام 2008م، التي كشفت اختلالات داخل المركز، لا سيما بين اقتصادات الشمال والجنوب الأوروبي، وأدت إلى أزمة ديون سيادية وسياسات تقشف واسعة بين 2010م و2015م، ما أضعف التماسك الداخلي للاتحاد الأوروبي.
كما برزت تباينات في ملفات أخرى، مثل العلاقة مع روسيا، وسياسات العولمة، ورافقت ذلك تحولات داخلية، منها صعود التيارات الشعبوية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016م، ما عكس تراجع القدرة على الحفاظ على انسجام استراتيجي شامل داخل المركز.
بذلك، انتقل المركز الرأسمالي من مرحلة التماسك المرتفع خلال الحرب الباردة إلى نمط أكثر مرونة، يقوم على استمرار التنسيق في بعض المجالات، مقابل بروز تباينات متزايدة، ما مهّد للمرحلة الراهنة التي أصبحت فيها هذه التباينات أكثر وضوحًا وتأثيرًا في بنية العلاقة داخل المعسكر الغربي.
المبحث الثاني: العلاقات الأمريكية الأوربية في المرحلة الراهنة:
تشكل المرحلة الراهنة نقطة تحول نوعية في العلاقات الغربية–الغربية؛ إذ لم تعد التباينات كامنة أو جزئية، بل أصبحت أكثر وضوحًا وامتدادًا في مختلف المجالات، وفي هذا السياق، تبرز سياسات دونالد ترامب بوصفها عاملًا مسرّعًا لهذه التحولات بين الولايات المتحدة واوروبا.
أولًا: الاقتصاد أداة ضغط:
اتجهت الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب إلى استخدام الرسوم الجمركية بوصفها أداة ضغط مباشرة على الحلفاء الأوروبيين، ما أدى إلى إعادة النظر في العلاقة الاقتصادية داخل المعسكر الغربي، وقد ظهر ذلك بوضوح منذ فرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم عام 2018م بنسبة 25% و10% على التوالي، شملت دولًا أوروبية حليفة مثل ألمانيا وفرنسا، بذريعة حماية الأمن القومي وفق المادة 232 من قانون التجارة الأمريكي([1]).
توسّع هذا النهج لاحقًا ليشمل التهديد بفرض رسوم على صادرات السيارات الأوروبية، التي تُعدّ أحد أعمدة الاقتصاد الألماني؛ إذ تجاوزت صادرات السيارات الألمانية إلى السوق الأمريكية 50 مليار دولار سنويًا في بعض التقديرات خلال العقد الأخير، ما وضع برلين في موقع تفاوضي حساس([2])، كما جرى استخدام آليات أخرى مثل المادة 301 المتعلقة بالممارسات التجارية “غير العادلة”، ما أتاح لواشنطن هامشًا واسعًا لفرض إجراءات أحادية خارج إطار منظمة التجارة العالمية([3]) .
في هذا السياق، لم تُطرح الرسوم الجمركية بوصفها إجراءً اقتصاديًا محدودًا، بل أداة ذات وظيفة جيوسياسية؛ إذ صرّح ترامب في خطاب حالة الاتحاد لعام 2026م بأن التعريفات “حققت مئات المليارات من الدولارات”، وأنها تمثل وسيلة لإجبار الشركاء على تقديم تنازلات، بل ذهب إلى اعتبارها بديلًا جزئيًا عن النظام الضريبي الداخلي، في محاولة لإعادة تعريف دورها داخل الاقتصاد الأمريكي([4]).
كما ترافق هذا التوجه مع تهديدات متكررة باستخدام الأدوات الاقتصادية في سياقات سياسية وأمنية، بما في ذلك ربط ملفات التجارة بقضايا الدفاع والطاقة، والضغط على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها العسكري أو تعديل سياساتها تجاه الصين وروسيا؛ إذ دعا ترامب مرارًا حلفاءه في الناتو إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع التلميح إلى أن الحماية الأمنية ليست التزامًا غير مشروط ([5]).
وقد عزز ذلك من تصاعد الخلافات داخل منظمة التجارة العالمية، لا سيما مع تعطيل آلية الاستئناف في هيئة تسوية النزاعات منذ 2019م؛ نتيجة رفض واشنطن تعيين قضاة جدد، ما أضعف الإطار المؤسسي الذي كان ينظم العلاقات الاقتصادية داخل المركز ([6]).
في المقابل، حاولت الدول الأوروبية الرد عن طريق إجراءات مضادة محدودة؛ إذ فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا انتقامية على سلع أمريكية بقيمة تقارب 2.8 مليار يورو عام 2018م، شملت منتجات مثل الدراجات النارية والويسكي، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة لتجنب التصعيد الكامل([7])، كما دخل الطرفان في مفاوضات متكررة لتخفيف التوتر، دون الوصول إلى تسوية مستقرة، ما أبقى العلاقة في حالة تفاوض مستمر.
يبين هذا المسار نوعية الانتقال في العلاقة الاقتصادية داخل المعسكر الغربي من نمط قائم على القواعد والمؤسسات إلى نمط تفاوضي غير متكافئ، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية لفرض تنازلات سياسية واستراتيجية، بما يعكس تحولًا أعمق في طبيعة التماسك داخل المركز من التعاون المنظم إلى الإكراه الانتقائي.
ثانيًا: تآكل التحالف الأمني:
شهدت العلاقات الأمنية داخل الناتو تحولات عميقة؛ إذ تراجع طابعه بوصفه إطارًا ثابتًا للالتزام المتبادل، واتجه نحو نمط أكثر مرونة يُستخدم فيه أداة تفاوضية للضغط على الحلفاء. برز ذلك بوضوح في مواقف إدارة دونالد ترامب، التي ربطت صراحةً بين الالتزامات الأمنية ومستوى الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء؛ إذ دعا ترامب مرارًا إلى رفع الإنفاق العسكري، مع التلميح إلى أن استمرار الضمانات الأمنية الأمريكية مشروط بذلك، وتتجه الدول الأوربية إلى رفع الانفاق العسكري إلى 3.5% من إجمالي الناتج المحلي بناءً على الضغوط الأمريكية([8]).
كما ظهرت هذه التحولات في تصريحات علنية تشكك في جدوى الحلف؛ إذ وصف ترامب الناتو عام 2019م بأنه “شائخ”، قبل أن يعود ويؤكد أهميته بشروط جديدة، ما عكس انتقاله من تحالف قائم على الالتزام الاستراتيجي إلى أداة قابلة لإعادة التفاوض وفق المصالح الأمريكية ([9]).
ترافق ذلك مع قرارات عملية أثارت قلق الحلفاء، مثل إعلان الانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من ألمانيا عام 2020م، وتقليص بعض الالتزامات العسكرية في أوروبا، إضافة إلى عدم التشاور مع الحلفاء في قرارات أمنية كبرى كالعدوان على إيران (فبراير 2026م)، وهو ما أضعف الثقة داخل الحلف، وطرح تساؤلات حول مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية([10])، وفي هذا السياق كان آخر ما قام به ترامب سحب آلاف الجنود من ألمانيا، والتهديد بسحب قوات أمريكية أخرى من إسبانيا وإيطاليا ([11]).
في المقابل، دفعت هذه التحولات دولًا أوروبية – لا سيما فرنسا – إلى إعادة طرح فكرة “الاستقلال الاستراتيجي”؛ إذ دعا الرئيس ماكرون عام 2019م إلى بناء “جيش أوروبي حقيقي”، واعتبر أن أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في ضمان أمنها، في سياق ما وصفه بـ”الموت الدماغي للناتو”([12]).
كما انعكست هذه الاتجاهات في مبادرات مؤسسية داخل الاتحاد الأوربي، مثل تفعيل “التعاون الهيكلي الدائم” (PESCO) عام 2017م، وتأسيس صندوق الدفاع الأوروبي، في محاولة لبناء قدرات عسكرية مشتركة، على رغم محدودية نتائجها العملية حتى الآن ([13]).
وتعزز هذا الإدراك داخل الأوساط السياسية الأوروبية، كما عبّر عنه اللورد جورج روبرتسون، الذي أشار إلى أن الاعتقاد التقليدي أن الولايات المتحدة “ستكون دائمًا حاضرة” أدى إلى إضعاف القدرات الدفاعية البريطانية، داعيًا إلى التحول نحو دور عسكري أكثر استقلالية بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين([14]).
يعكس هذا المسار انتقال التحالف الأمني الغربي من نمط قائم على التزام استراتيجي شبه ثابت إلى نمط تفاوضي متغير، تُستخدم فيه أدوات الأمن والدفاع ضمن عملية مساومة مستمرة، ما أدى إلى تآكل الثقة داخل الحلف، ودفع بعض الدول الأوروبية إلى البحث عن بدائل نسبية، دون أن يؤدي ذلك إلى تفكك الحلف أو الاستغناء الكامل عن المظلة الأمنية الأمريكية.
ثالثًا: التهميش السياسي:
كشفت الأزمات الأخيرة – خصوصًا الحرب على إيران في 2026م – انتقال العلاقة السياسية داخل المعسكر الغربي إلى نمط تُتخذ فيه القرارات الأساسية في واشنطن دون تنسيق مسبق مع العواصم الأوروبية، ظهر ذلك في إعلان العمليات العسكرية (العدوانية) ضد إيران والتهديدات المرتبطة بمضيق هرمز؛ إذ صدرت المواقف الأوروبية لاحقًا على شكل دعوات للتهدئة، دون مشاركة فعلية في قرار التصعيد أو تحديد مساراته.
انعكس هذا الوضع عمليًا في تحركات أوروبية لاحقة ركزت على احتواء التداعيات، مثل المبادرة التي شاركت فيها أكثر من 20 دولة في 19 مارس 2026م؛ لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، التي سعت إلى نشر ترتيبات بحرية وتأمين إمدادات الطاقة، دون أن يكون لها دور في قرار الحرب نفسه أو شروطها ([15]).
كما برز هذا التهميش في عدم إشراك الحلفاء الأوروبيين في تقدير الموقف أو في تحديد الأهداف السياسية والعسكرية؛ إذ وجدت دول مثل ألمانيا وفرنسا نفسها أمام خيارات محدودة: إما دعم التحرك الأمريكي وإما التعامل مع نتائجه، لا سيما فيما يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة واضطراب إمدادات النفط، التي تعتمد أوروبا على نسبة كبيرة منها من منطقة الخليج.
في هذا السياق، تحوّل الدور الأوروبي إلى إدارة آثار الأزمة وليس صناعة القرار؛ إذ تركزت الجهود على تقليل الخسائر الاقتصادية وتأمين خطوط الإمداد، بدلًا من التأثير في مسار الأزمة نفسها، وهو ما يعكس انتقال العلاقة السياسية داخل المعسكر الغربي من شراكة في القرار إلى موقع أقرب إلى التلقي والتكيّف مع قرارات تُتخذ خارج الإطار الأوروبي.
رابعًا: التحول في طبيعة صنع القرار الأمريكي:
لم تقتصر التحولات على مضمون السياسات، بل امتدت إلى طريقة اتخاذ القرار نفسها؛ إذ اتجهت الإدارة الأمريكية إلى الاعتماد على قنوات ضيقة وشخصية في إدارة الملفات الخارجية، بدل الأطر المؤسسية التقليدية التي كانت تتيح قدرًا من التشاور مع الحلفاء، وظهر ذلك في إدارة أزمات كبرى مثل الحرب على إيران في 2026م؛ إذ صدرت قرارات التصعيد والتهدئة عن طريق دوائر محدودة داخل البيت الأبيض، دون المرور بمسارات تنسيق موسعة مع الدول الأوروبية.
كما برز هذا النمط في ملفات محددة؛ إذ جرت اتصالات وتفاهمات عن طريق قنوات ضيقة وثنائية بدل الأطر متعددة الأطراف، كما حدث في مسارات التهدئة في غزة، والمشاورات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا؛ إذ تركزت التفاهمات بين واشنطن وعدد محدود من الشركاء دون إشراك أوروبي واسع، انعكس ذلك على موقع أوروبا، التي لم تعد حاضرة في صياغة شروط التفاوض، بل تحركت لاحقًا في إطار دعم أو التعامل مع مخرجات جاهزة، سواء في ترتيبات وقف إطلاق النار أم إدارة تداعيات الأزمات الإقليمية.
في هذا السياق، أشارت تحليلات أوروبية إلى أن الدبلوماسية الأمريكية باتت تميل إلى نمط يُعرف بـ”الدبلوماسية الضيقة” أو المعتمدة على الدوائر القريبة؛ إذ تُدار القضايا بواسطة شبكات شخصية أو ثنائية، وهو ما يحدّ من قدرة الحلفاء على التأثير في مسارات التفاوض([16]).
عمليًا، أدى هذا التحول إلى تقليص مساحة المشاركة الأوروبية في صياغة الحلول؛ إذ تراجعت أدوار العواصم الأوروبية في التفاوض، مقابل تركّز القرار في واشنطن ضمن دوائر محدودة، ما عزّز من حالة التهميش السياسي، وأعاد تشكيل العلاقة داخل المعسكر الغربي على أساس تفاوض ثنائي غير متكافئ بدلًا من التنسيق الجماعي.
خامسًا: الصراع الثقافي والسياسي داخل أوروبا:
امتدت التحولات إلى المجال الداخلي الأوروبي؛ إذ انتقل التوتر في الأطلسي من مستوى السياسات إلى مستوى الخطاب السياسي والثقافي داخل المجتمعات الأوروبية، ظهر ذلك في تبنّي الإدارة الأمريكية خطابًا ينتقد نموذج الاتحاد الأوروبي، ويشيد بصعود أحزاب قومية داخل دول مثل إيطاليا وبولندا، ويطرح فكرة “استعادة السيادة الوطنية” في مواجهة مؤسسات الاتحاد، كما انعكس هذا التوجه في تصريحات رسمية وفي مواقف علنية لمسؤولين أمريكيين خلال لقاءات دولية، ركّزت على قضايا الهجرة والهوية والبيروقراطية الأوروبية، بوصفها نقاط ضعف داخلية ينبغي “تصحيحها”.
تجسّد هذا التأثير عمليًا في تزايد حضور الخطاب الأمريكي داخل النقاشات السياسية الأوروبية؛ إذ استخدمت بعض القوى اليمينية مفردات قريبة من الخطاب الأمريكي في قضايا مثل الهجرة والحدود والسيادة، كما برز تداخل بين النقاشات الداخلية الأوروبية والتوجهات الأمريكية، لا سيما في مواسم الانتخابات، وفي المقابل، وجدت حكومات أوروبية، خصوصًا في فرنسا وألمانيا، نفسها في موقع الدفاع عن نموذج الاتحاد، ومحاولة احتواء هذا التأثير بالتشديد على القيم الأوروبية والتنظيمات القانونية، بما في ذلك قوانين تنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي.
كما اتخذ هذا التوتر بعدًا مؤسسيًا؛ إذ تأخر تطبيق بعض القواعد الرقمية الأوروبية، وتراجعت حدة السياسات المرتبطة بالمناخ والتنظيم التكنولوجي، في سياق تجنب التصعيد مع الولايات المتحدة، ما يعكس تأثير التوازنات السياسية الخارجية في القرارات الداخلية.
في هذا السياق، لم يعد الخلاف محصورًا في ملفات التجارة أو الأمن، بل امتد إلى تعريف الهوية السياسية داخل أوروبا نفسها؛ إذ أصبحت العلاقة مع الولايات المتحدة جزءًا من الصراع الداخلي بين التيارات السياسية الأوروبية، وهو ما يعكس انتقال العلاقة داخل المعسكر الغربي إلى مستوى صراع أيديولوجي يؤثر مباشرة في بنية المجال السياسي الأوروبي ([17]).
تُظهر هذه المعطيات أن سياسات إدارة ترامب لم تُنشئ التباينات داخل المركز، بل كشفتها وسرّعتها، ونقلتها من مستوى كامن إلى مستوى صريح، ما يعكس انتقال التماسك داخل المركز من نمط انتقائي إلى حالة أقرب إلى التصدع المنظم.
المبحث الثالث: مستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية:
تشير المعطيات المفهومة ضمن السياق التاريخي منذ العام 1990م إلى أن العلاقات داخل المعسكر الغربي دخلت مرحلة انتقالية تتسم بإعادة تعريف قواعد التفاعل بين مكوناته، في ظل تراجع القدرة على إنتاج سياسات موحدة في ملفات محددة، مقابل استمرار الأطر العامة التي تنظم هذه العلاقة. ظهر ذلك عمليًا في التباين بين المواقف الأمريكية والأوروبية في قضايا مثل الرسوم الجمركية منذ 2018م، والانقسام حول حرب العراق عام 2003م، ثم التفاوت في التعامل مع روسيا بعد 2022م، وصولًا إلى محدودية الدور الأوروبي في الحرب على إيران عام 2026م؛ إذ اقتصر على إدارة تداعيات الأزمة دون المشاركة في قرارها ([18]).
في الوقت نفسه، لم يتفكك الإطار العام للتحالف؛ إذ استمر التنسيق في مجالات أخرى، لا سيما داخل الناتو؛ إذ حافظت الدول الأوروبية على التزاماتها الدفاعية الأساسية، ورفعت عدة دول إنفاقها العسكري، مع تصاعد الضغوط الأمريكية لرفع الإنفاق إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت في بعض التقديرات إلى نحو (5%) من الناتج المحلي، وهو ما يعكس انتقال العلاقة من منطق الحماية الأمريكية إلى منطق “تقاسم الأعباء”، كما استمر التعاون الاستخباراتي والتقني، ما يشير إلى بقاء بنية التحالف قائمة على رغم تراجع مستوى الانسجام داخلها ([19]).
يعكس هذا التداخل انتقال العلاقة من نمط تماسك شبه موحد، كما كان خلال الحرب الباردة، إلى نمط أكثر مرونة يقوم على توزيع الأدوار وفق كل ملف؛ إذ يظهر التباين في القضايا الاقتصادية والتجارية، ويتكرر في بعض الملفات الأمنية، بينما يستمر التنسيق في مجالات أخرى ذات طبيعة مؤسسية أو عملياتية. في هذا السياق، لا يتجه المسار نحو انهيار كامل للتحالف، بل نحو إعادة تشكيله ضمن نمط أكثر تفاوتًا، يقوم على تماسك غير متجانس يُدار عبر مزيج من التعاون والضغط، ويُحافظ على الإطار العام دون أن يعيد إنتاج مستوى الانسجام السابق.
أولًا: إعادة إنتاج التماسك ضمن صيغة معدّلة:
يستند هذا الاتجاه إلى إمكانية إعادة ترميم العلاقات عن طريق الأطلسي ضمن صيغة مختلفة عن تلك التي سادت خلال الحرب الباردة؛ إذ قد يؤدي تغيّر القيادة السياسية في الولايات المتحدة أو تصاعد التهديدات الخارجية إلى دفع الطرفين نحو استعادة مستوى أعلى من التنسيق، يظهر هذا النمط عادة في لحظات الأزمات الكبرى، كما حدث بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م، أو عقب الحرب في أوكرانيا منذ 2022م؛ إذ سارعت الدول الأوروبية إلى رفع إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، في محاولة لإعادة بناء قدراتها الدفاعية ضمن الإطار الأطلسي.
كما يمكن أن يدفع تصاعد التنافس مع الصين إلى إعادة تقارب نسبي، لا سيما في المجالات التكنولوجية وسلاسل الإمداد، غير أن هذا التماسك المحتمل يظل محكومًا بقيود بنيوية، أبرزها إعادة توجيه الاستراتيجية الأمريكية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما أدى إلى تراجع نسبي في أولوية الأمن الأوروبي ضمن جدول الأعمال الأمريكي([20]).
إلى جانب ذلك، أظهرت سياسات ترامب أن استعادة التنسيق لا تعني عودة الشراكة المتكافئة؛ إذ بات الالتزام الأمريكي مشروطًا باعتبارات الكلفة والعائد، مع تزايد الغموض حول مدى الالتزام بالمادة الخامسة، ما يضعف من الثقة داخل الحلف، ويجعل أي تماسك مستقبلي جزئيًا ومؤقتًا .
ثانيًا: التماسك الانتقائي:
يمثل هذا السيناريو الامتداد الطبيعي للتحولات الراهنة؛ إذ يتوزع التفاعل داخل المعسكر الغربي على مسارات متباينة بحسب طبيعة كل ملف، يستمر التعاون في المجال العسكري والأمني، لا سيما داخل الناتو، الذي يحافظ على دوره بوصفه إطارًا عملياتيًا للتنسيق، من خلال التدريبات المشتركة ونشر القوات في شرق أوروبا بعد 2022م.
غير أن هذا التماسك العسكري لم يعد قائمًا على ثقة كاملة، بل على إعادة توزيع الأعباء؛ إذ تدفع الولايات المتحدة باتجاه تقليص التزاماتها المباشرة، مقابل مطالبة أوروبا برفع قدراتها الدفاعية، وهو ما انعكس في زيادة الإنفاق العسكري، لا سيما في ألمانيا وفرنسا، وفي برامج تسليح واسعة النطاق .
في المقابل، تتجه العلاقات الاقتصادية نحو مزيد من التنافس؛ إذ تحولت أدوات التجارة والاستثمار إلى وسائل ضغط متبادلة، كما في النزاعات التجارية منذ 2018م، والخلافات حول الدعم الصناعي بعد قانون خفض التضخم الأمريكي 2022م، كما يستمر التباين في التعامل مع الصين وإيران؛ إذ تميل الولايات المتحدة إلى المقاربة الصدامية، بينما تسعى أوروبا إلى إدارة التوازنات، وهو ما يعكس اختلافًا في تصور المصالح والتهديدات ([21])، ويظهر هذا التماسك الانتقائي أيضًا في إدارة الأزمات؛ إذ تتولى الولايات المتحدة –غالبًا- قرارات التصعيد، بينما تنخرط أوروبا في إدارة التداعيات، لا سيما في مجالات الطاقة وسلاسل الإمداد.
ثالثًا: التباعد التدريجي وإعادة توزيع مراكز التأثير:
يفترض هذا الاتجاه استمرار التباينات وتعمّقها بما يؤدي إلى تراجع الوزن السياسي الأوروبي داخل المعسكر الغربي، مقابل صعود محاولات بناء استقلال نسبي في القرارين الاقتصادي والأمني. يظهر ذلك في مشاريع مثل “التعاون الهيكلي الدائم”، وصندوق الدفاع الأوروبي، إضافة إلى برامج صناعية تهدف إلى تقليل الاعتماد على السلاح الأمريكي.
كما يتجلى هذا التوجه في السعي لبناء قدرات دفاعية مستقلة، على رغم استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات حيوية، مثل: الاستخبارات، والنقل الاستراتيجي، والدفاع الصاروخي، وتشير التقديرات إلى أن بناء قدرة ردع أوروبية فعالة يتطلب موارد ضخمة، تشمل مئات الآلاف من الجنود، وآلاف المعدات الثقيلة، ومخزونات كبيرة من الذخائر، وهو ما يعكس الفجوة بين الطموح والقدرة.
في الوقت نفسه، تعيق الانقسامات الداخلية داخل أوروبا هذا المسار، سواء بين دول شرق وغرب أوروبا، أم بين الدول الصناعية الكبرى والدول ذات الاختلالات الاقتصادية، كما يظهر التباين في الموقف من الاستقلال الاستراتيجي نفسه، بين من يراه ضرورة، ومن يخشى أن يؤدي إلى إضعاف الناتو.
بناءً على ذلك، تتجه أوروبا نحو توسيع هامش حركتها داخل المعسكر الغربي دون الخروج منه؛ إذ يبقى الاعتماد على المظلة الأمريكية قائمًا، مع محاولات تدريجية لإعادة توزيع الأدوار، وهو ما يجعل هذا التباعد محدودًا، يعيد تشكيل العلاقة دون أن يفككها.
المبحث الرابع: التحولات داخل المعسكر الغربي وانعكاساتها على الأطراف:
ينطلق هذا المبحث من تحليل التحولات التي طرأت على بنية العلاقات داخل المعسكر الغربي في المرحلة الراهنة، من حيث طبيعة التماسك وحدود التباين بين مكوناته، بوصفها مدخلًا لفهم ما يترتب عليها من آثار خارج نطاق المركز، ولا يقتصر هذا التحليل على توصيف التغيرات الداخلية، بل يمتد لربطها بأنماط التأثير التي تعيد تشكيل موقع دول الأطراف داخل النظام الدولي، لا سيما في سياق التداخل بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية لهذه التحولات.
أولًا: طبيعة التحول داخل المعسكر الغربي ودور إدارة ترامب:
تُظهر قراءة المسار التاريخي للعلاقات داخل المعسكر الغربي أن التماسك لم يكن حالة ثابتة، بل نتاج توازنات ظرفية ارتبطت بطبيعة النظام الدولي وشكل الصراع داخله؛ فقد انتقل المركز الرأسمالي من مرحلة صدامات إمبريالية مفتوحة – قبل الحربين العالميتين – إلى مرحلة تماسك مؤسسي مرتفع بعد 1945م، ثم إلى تماسك قائم على الترابط في ملفات محددة بعد 1991م، قبل أن تتسع داخله تباينات تدريجية منذ 2003م، وتتعمق بشكل واضح بعد أزمة 2008م؛ لتصل في المرحلة الراهنة إلى مستوى ظاهر وممتد في مختلف المجالات.
في هذا السياق، لا يمكن تفسير التحولات الراهنة في العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا بوصفها نتاجًا مباشرًا لسياسات إدارة دونالد ترامب، بل تعود جذورها إلى عوامل سابقة داخل المركز نفسه، من أبرزها تفاوت مسارات النمو داخل أوروبا بين دول الشمال الصناعي، مثل ألمانيا وهولندا، ودول الجنوب الأوروبي مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا، وهو ما لم ينعكس فقط على التماسك الأوروبي الداخلي، بل حدّ من قدرة أوروبا على التفاوض بوصفها كتلة موحدة في مواجهة الولايات المتحدة، خصوصًا في الملفات الاقتصادية والتجارية، كما أسهمت الأزمات الاقتصادية المتكررة منذ 2008م في إعادة توزيع الأعباء داخل المركز، بحيث تحملت أوروبا كلفة أكبر نسبيًا في بعض القطاعات، إلى جانب صعود الصين الذي دفع الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية نحو آسيا، ما أدى ع- مليًا – إلى تراجع الوزن النسبي لأوروبا داخل هذه الاستراتيجية.
أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تآكل نمط التماسك الموحد الذي طبع مرحلة الحرب الباردة، وانتقاله إلى نمط انتقائي يقوم على استمرار التنسيق في بعض المجالات مقابل تصاعد التباينات في مجالات أخرى، وقد ظهر هذا التحول بوضوح في المجال الأمني؛ إذ استمر عمل الناتو بوصفه إطارًا عملياتيًا للتنسيق، لكنه لم يعد قائمًا على التزام غير مشروط أو تصور موحد للتهديد، بل على إعادة صياغة للأدوار داخل الحلف، تقوم على تقاسم الأعباء وزيادة مساهمة الدول الأوروبية في الإنفاق والقدرات العسكرية، مقابل استمرار الاعتماد على القدرات الأمريكية في مجالات حيوية، مثل الاستخبارات والردع الاستراتيجي.
ضمن هذا المسار، جاءت سياسات إدارة ترامب لتؤدي دورًا نوعيًا تمثل في تحويل هذه التباينات من حالة كامنة إلى حالة ظاهرة ومؤثرة في بنية العلاقة؛ فقد أسهمت في كشف حدود التماسك داخل المركز باستخدام أدوات ضغط مباشرة، مثل فرض الرسوم الجمركية على الحلفاء منذ 2018م، وربط الالتزامات الأمنية بمستوى الإنفاق الدفاعي، وهو ما نقل العلاقة الاقتصادية والأمنية من إطار مؤسسي قائم على قواعد مستقرة إلى إطار تفاوضي قائم على المساومة وتبادل الضغوط.
كما عملت هذه السياسات على تسريع التباينات؛ إذ أدت الضغوط الاقتصادية إلى تصاعد التوترات داخل العلاقات التجارية في الأطلسي، في حين أعادت المقاربة الأمنية تعريف التحالف بوصفه إطارًا لإدارة الكلفة والمسؤوليات وليس لضمانات ثابتة، ما أضعف مستوى الثقة داخل الحلف دون أن يؤدي إلى تفككه، وفي الوقت نفسه، أدى نمط اتخاذ القرار، الذي اتسم بالمرونة والاعتماد على دوائر ضيقة، إلى تقليص دور أوروبا في إدارة الأزمات، كما ظهر في الحرب على إيران 2026م؛ إذ اقتصر دورها على التعامل مع التداعيات الاقتصادية والأمنية دون المشاركة في صياغة القرار نفسه.
إلى جانب ذلك، نقلت هذه السياسات التباينات إلى مستوى أكثر عمقًا داخل المجالين الاقتصادي والسياسي، وامتدّ التوتر إلى الداخل الأوروبي بتفاعل مباشر مع قوى سياسية مختلفة، ما أسهم في تعميق الانقسامات داخل الساحة الأوروبية، وجعل التباين مع الولايات المتحدة جزءًا من التفاعلات الداخلية، وليس مجرد خلاف بين حكومات.
بناءً على ذلك، يمكن فهم إدارة ترامب بوصفها مرحلة انتقالية نوعية، لم تُنشئ التباينات داخل المركز، لكنها أعادت تشكيلها عن طريق ثلاث وظائف مترابطة: كشف التناقضات التي تراكمت منذ ما بعد الحرب الباردة، وتسريعها بأدوات ضغط مباشرة، وإعادة تنظيمها ضمن نمط يقوم على توزيع الأدوار والضغوط بدلًا من الانسجام الكامل، وبهذا المعنى، تمثل هذه المرحلة انتقالًا من نمط التباين المحدود إلى نمط أكثر وضوحًا وتداخلًا، مع استمرار الإطار العام للتحالف، ما يعكس تحولًا في شكل الهيمنة داخل النظام الدولي دون انهيار بنيته الأساسية.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على إعادة تنظيم العلاقة داخل المعسكر الغربي، بل يمتد إلى خارج المركز ليعيد صياغة أنماط التأثير في دول الأطراف، وهو ما يتضح في انعكاسات هذه التحولات على دول الجنوب العالمي.
ثانيًا: انعكاسات التحولات الغربية – الغربية على دول الشرق الأوسط:
يمتد أثر التحولات داخل المعسكر الغربي إلى دول الأطراف؛ إذ أعادت هذه التحولات تشكيل أنماط التأثير عليها دون أن تلغيها؛ ففي مرحلة الصدام الإمبريالي تحولت المستعمرات في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى ساحات تنافس عسكري ومصادر للمواد الخام واليد العاملة، كما جرى في شمال إفريقيا والهند والكونغو، ما عمّق إدماجها القسري في الاقتصاد العالمي، ومع انتقال المركز إلى مرحلة التماسك المؤسسي بعد الحرب العالمية الثانية، أُعيد إنتاج الهيمنة بأدوات أكثر تنظيمًا، شملت التدخلات السياسية والعسكرية، ودعم أنظمة حليفة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وربط الاقتصادات الوطنية بشبكات التمويل والتجارة الدولية، أما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فقد تعددت أنماط التأثير، بين تدخلات مباشرة كما في العراق، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية ومالية عن طريق العقوبات وبرامج المؤسسات الدولية، ما أبقى هذه الدول ضمن موقع تابع، وإن ضمن سياقات أكثر تعقيدًا.
في المرحلة الراهنة، لا يظهر أثر التباين داخل المعسكر الغربي في اختفاء أدوات الضغط، بل في تغيّر طريقة عملها وتوزعها؛ إذ لم تعد هذه الأدوات تصدر ضمن إرادة موحدة، بل بمسارات متوازية تقودها الولايات المتحدة من جهة، وبعض الدول الأوروبية، من جهة أخرى ينعكس ذلك على دول الجنوب العالمي، ومنها دول “الشرق الأوسط” وشمال إفريقيا، في صورة بيئة أكثر تشابكًا، تتداخل فيها الضغوط المباشرة، مثل العقوبات والتحالفات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة، مع سياسات أوروبية أقل حدّة في بعض الملفات، لا سيما في مجالات الطاقة والهجرة والتعاون الاقتصادي.
يؤدي هذا التعدد إلى تغيير طريقة إدارة دول الأطراف لعلاقاتها الخارجية؛ إذ لم تعد تتعامل مع مركز واحد يفرض شروطًا موحدة، بل مع أكثر من طرف داخل المركز نفسه، لكل منه أولوياته وأدواته، يفتح ذلك مجالًا لتحسين شروط التفاوض في بعض الحالات، أو إعادة توزيع الشراكات الاقتصادية والسياسية بين أطراف متعددة، لكنه في الوقت نفسه يفرض درجة أعلى من التعقيد؛ إذ يتطلب التوفيق بين مسارات متباينة، وتجنب التعرض لضغوط متقاطعة قد تنشأ عن التعارض بين هذه الأطراف.
في هذا السياق، تستمر القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية والتحرر الوطني، مثل فلسطين ولبنان، ضمن ميزان القوة العام نفسه، إلا أن التباين داخل المعسكر الغربي ينعكس في تغير بيئة التعامل معها؛ إذ لم تعد هذه القضايا تُدار دائمًا ضمن موقف غربي صهيوني متطابق، بل ضمن مواقف متفاوتة في حدّتها وأولوياتها، ما يتيح هامشًا أوسع للحركة السياسية والإعلامية، ويقلل من فاعلية بعض أدوات الضغط الموحدة، غير أن هذا الهامش يبقى محدودًا؛ نظرًا لاستمرار البنية العامة للتحالف الغربي، لا سيما في دعمه لإسرائيل، واستمرار الأطر القانونية والسياسية التي تصنف قوى المقاومة ضمن قوائم الإرهاب في عدد من الدول الأوروبية، ما يجعل أثر التباين أقرب إلى تعديل الشروط منه إلى تغيير موازين القوة.
في المجال الاقتصادي، لا يرتبط أثر التباين بتعدد الشركاء بحد ذاته، بل بطبيعة التحول في سلوك هذه الأطراف؛ إذ تتجه بعض الدول الأوروبية، في ظل التوترات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، إلى توسيع حضورها في أسواق دول الجنوب العالمي، سواء لتعويض اختلالات في سلاسل الإمداد، أم لتأمين مصادر الطاقة والمواد الخام، أم لفتح مجالات جديدة للاستثمار. ينعكس ذلك على دول الأطراف في صورة فرص محددة لإعادة توزيع علاقاتها الاقتصادية أو تحسين شروط التفاوض في قطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية والصناعة؛ إذ تتعدد العروض وتختلف شروطها، غير أن هذا الانفتاح يظل محكومًا باعتبارات السوق الأوروبية، وبنية النظام المالي العالمي، والتزامات هذه الدول تجاه شركاء آخرين، ما يجعله انتقائيًا ومشروطًا، ولا يتحول إلى مسار لفك الارتباط الاقتصادي.
في البعد الأمني، لا تشير الاتجاهات إلى تشكّل منظومة أوروبية مستقلة في المنطقة، بل إلى حضور محدود وانتقائي يتركّز في مهام مثل حماية الملاحة والمراقبة البحرية، كما في مهمة “أسبيدس” في البحر الأحمر ومهمة “إيماسوه” في مضيق هرمز، دون انتقال إلى انخراط قتالي مباشر، ويترافق ذلك مع تمايز في طبيعة الأدوار داخل المعسكر الغربي؛ إذ تميل الولايات المتحدة إلى تبنّي أدوار ردعية وعملياتية أوسع، في حين يتركّز الحضور الأوروبي في مهام تأمينية ودفاعية منخفضة الكلفة السياسية والعسكرية، ومع ذلك، يستمر هذا الحضور ضمن بنية تنسيق قائمة على تبادل الأدوار، تعتمد فيها الدول الأوروبية على القدرات الاستخباراتية واللوجستية الأمريكية، ما يجعل الترتيبات الأمنية في المنطقة، من أمن الممرات البحرية إلى انتشار القواعد والتنسيق الدفاعي، مرتبطة بالبنية الغربية نفسها، مع تباين في مستويات الانخراط دون انتقال نوعي نحو استقلال أوروبي كامل.
بناءً على ذلك، لا يؤدي تغير طبيعة العلاقات الغربية–الغربية إلى تراجع طابعها الإمبريالي على دول الأطراف، بل إلى إعادة تنظيم هذا التأثير بصورة أكثر تشتتًا وتدرجًا؛ إذ تستمر الأهداف العامة المرتبطة بضبط المنطقة سياسيًا وأمنيًا وتأمين تدفقات الطاقة والممرات الحيوية، إلى جانب إعادة إنتاج التبعية بآليات التمويل الدولي والديون وفتح الأسواق، مقابل تغير في وسائل التنفيذ من تنسيق جماعي إلى تحركات متوازية أو متداخلة بين مكونات المركز.
وفي حالة منطقة “الشرق الأوسط” وشمال إفريقيا، يعني ذلك بقاء الارتباط ببنية النظام الدولي، لكن ضمن علاقات غربية أقل انضباطًا وأكثر تقلبًا؛ إذ تتسع فرص محدودة لإعادة التوازن عن طريق تنويع الشراكات أو تحسين شروط التفاوض، في مقابل استمرار قيود بنيوية تحدّ من القدرة على تحقيق استقلال فعلي، وتُبقي موقع هذه الدول ضمن الإطار الذي يحدده المركز، وإن في صورة أكثر تعقيدًا من حيث تعدد الضغوط وتباين مساراتها.
الخاتمة:
تُظهر مجمل التحولات في العلاقات الغربية–الغربية أن النظام الدولي لا يتجه نحو تفكك مركز الهيمنة بقدر ما يتجه نحو إعادة تنظيمه في صورة أكثر تباينًا وتوزيعًا في الأدوات والأدوار، في هذا السياق، لا تمثل التباينات الراهنة قطيعة مع بنية الهيمنة، بل انتقالًا من نمط منسجم إلى نمط انتقائي يفتح هوامش حركة أوسع دون أن يغيّر القواعد الأساسية للنظام.
وبالنسبة لدول الجنوب العالمي، ومنها دول “الشرق الأوسط” وشمال إفريقيا، يتيح هذا التحول فرصًا محدودة لإعادة التوازن عن طريق تنويع الشراكات وتحسين شروط التفاوض، لكنه لا يوفر بديلًا مكتملًا يمكّن من فك الارتباط بصورة تلقائية، في ظل غياب منظومة دولية موازية متكاملة، واستمرار الارتباط بالبنية المالية والتكنولوجية والأمنية للمركز.
وفي هذا الإطار، تظل فاعلية التكتلات القائمة مثل “بريكس” ومنظمة “شنغهاي” والاتحادات الإقليمية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية مرهونة بقدرتها على الانتقال من التنسيق السياسي إلى التكامل العملي، عن طريق بناء أدوات تمويل مستقلة، وتعميق التجارة البينية، وتطوير سلاسل إنتاج مشتركة، وتوحيد مواقفها التفاوضية، بما يسمح بتحويل التباينات داخل المركز إلى مكاسب تراكمية.
وعليه، فإن إمكانات الانتقال نحو مسارات تنمية مستقلة وسيادة فعلية تظل مشروطة بقدرة هذه الدول على بناء قواعد إنتاجية داخلية، وتطوير أطر تعاون إقليمي فعّالة، واستثمار هذه التحولات الجارية في المراكز الغربية ضمن مشروع وطني شعبي واضح، لا بوصفها فرصة جاهزة، بل مسارًا يحتاج إلى بناء تدريجي.
[1] U.S. Department of Commerce, Section 232 Investigations, 2018، https://www.commerce.gov
[2] European Automobile Manufacturers Association, Trade Data, 2019، https://www.acea.auto
[3] Office of the United States Trade Representative, Section 301, 2018، https://ustr.gov
[4] Trump’s tariff strategy is alive and well، Chatham House، 25 فبراير 2026م، https://www.chathamhouse.org/2026/02/trumps-tariff-strategy-alive-and-well.
[5] NATO Defence Expenditure Report, 2019م، https://www.nato.int
[6] World Trade Organization, Appellate Body Crisis, 2019م، https://www.wto.org .
[7] European Commission, EU Countermeasures to US Tariffs, 2018، https://ec.europa.eu .
[8] بي بي سي، عربي ” الناتو يستجيب لمطلب ترامب بزيادة الإنفاق الدفاعي..”(25 يونيو 2025م)، متوافر على الرابط: https://www.bbc.com
[9] Remarks by President Trump on الناتو، البيت الأبيض، 2019م، https://trumpwhitehouse.archives.gov).
[10] U.S. Department of Defense, Force Posture in Europe، 2020، https://www.defense.gov
[11] فرانس24، ” واشنطن تنفذ تهديداتها وتقرر سحب آلاف الجنود من ألمانيا”، (2مايو 2026م) متوافر على الرابط: https://www.dw.com/ar
[12] ” (Interview with Emmanuel Macron، The Economist، 7 نوفمبر 2019م، https://www.economist.com .
[13] European Commission, European Defence Fund، 2021م، https://ec.europa.eu .
[14] Lord Robertson: UK’s ‘naive belief’ the US will ‘always be there’ has diminished its defence، Chatham House، 23 أبريل 2026م، https://www.chathamhouse.org/2026/04/lord-robertson-uks-naive-belief-us-will-always-be-there-has-diminished-its-defence
[15] Hormuz holdem: how to stop the US–Iran crisis in the strait، European Council on Foreign Relations، 23 مارس 2026م، https://ecfr.eu/article/hormuz-holdem-how-to-stop-the-us-iran-crisis-in-the-strait/ .
[16] Friends and family diplomacy: lessons for Europe from Gaza and Ukraine، European Council on Foreign Relations، 12 مارس 2026م، https://ecfr.eu/article/friends-and-family-diplomacy-lessons-for-europe-from-gaza-and-ukraine/
[17] Europeans can’t let Trump define what it means to be European، European Council on Foreign Relations، 5 ديسمبر 2025م، https://ecfr.eu/article/europeans-cant-let-trump-define-what-it-means-to-be-european/ .
[18] المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ” الأمن الدولي ـ تداعيات سياسات “ترامب” على الأمن والدفاع الأوروبي وحلف الناتو”، (9 فبراير 2026م) متوافر على الرابط: https://www.europarabct.com
[19] المركز الأوربي، مصدر سابق.
[20] Chatham House”، US Foreign Policy Priorities،(15 October 2020) https://www.chathamhouse.org
[21] The rise of China and the future of the transatlantic relationship، Chatham House29-7-2020)، )