لتجربة قراءة أفضل، حمّل ملف الـ PDF
يمكن أن تُحدد الهزيمة العسكرية للبحرية الأمريكية – في الحرب المتسمرة على الجمهورية الإسلامية في إيران – من عنصرين رئيسين:
- فشل الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على مضيق هرمز.
- قدرة إيران على تحويل المضيق إلى سلاح فعال واستراتيجي.
يشكل هذا التطور تحولًا كبيرًا في الصراع والنفوذ، وينظر إليه في الداخل الأمريكي والأوروبي وحتى العالمي على أنه حالة تجريبية تفرض إعادة قراءة هذا النوع من (الحرب).
علاقة هذا المدخل بالدراسة الحالية – تقدير موقف – أن هذا البحث يدرس شقًا صغيرًا في حزمة من المتغيرات التي من المتوقع أن تبدأ في التموضع خلال السنوات المقبلة، تتعلق بالمضائق وصراع النفوذ والتحكم بها، وفي الواقع البحث الحالي جزء من دراسة أوسع ترتبط بـ (مراجعة أمريكية لسلاح البحرية وجدوى الاعتماد عليه في فرض النفوذ).
تحاول القراءة الحالية تفكيك أسباب التوجه الأمريكي لبناء علاقة مع إرتيريا وارتباط ذلك بمضيق باب المندب والصراع مع اليمن، تشمل القراءة محددات العلاقة بين واشنطن وأسمرة، طبيعة النظام الإرتيري في التعامل مع أمريكا، ومخاطر تحويل إرتيريا إلى حليف للولايات المتحدة على أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب والأمن القومي لليمن.
البحرية الأمريكية… إحباط حاملة الطائرات
قبل الإخفاق الأمريكي في مضيق هرمز وفتح الملاحة باستخدام القوة العسكرية البحرية الهائلة بما في ذلك حاملات الطائرات، فشلت البحرية الأمريكية والبريطانية ومجموعة دول “حلف حارس الازدهار ” في استخدام القوة العسكرية ضد اليمن على مدى أكثر من عامين – 2024-2025 – لتأمين سفن العدو الإسرائيلي المحظورة من العبور في باب المندب، لقد كان ذلك مفتاحًا للتفكير في هشاشة الاعتماد على ما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية من أدوات ” إخضاع عسكرية “، وقد أدى ذلك إلى تغير في التفكير الاستراتيجي الأمريكي والإسرائيلي؛ لتجاوز ما يعتبرونه “تهديدات ” المضائق، تقوم الاستراتيجية القديمة الجديدة على ثلاثة مستويات:
- عدم الاعتماد على القوة البحرية وحدها للسيطرة على باب المندب.
- البحث عن موطئ قدم في الضفة الإفريقية من البحر الأحمر.
- تعزيز النفوذ والعلاقات مع الدول المشاطئة.
إن عودة الولايات المتحدة الأمريكية لبحث العلاقة مع إرتيريا ونظامها الذي تفرض عليه عقوبات، وتصنفه “نظامًا قمعيًا ” لا يغادر مربع “المراجعة ” الأمريكية لجدوى الاعتماد على حاملة الطائرات، والانتقال إلى توسيع القواعد العسكرية والوجود المباشر في الضفة الإفريقية على الرغم من امتلاكها أكبر قاعدة في إفريقيا، واحدة من أقدم القواعد العسكرية في المنطقة، وتمتد في نحو 2000 كيلو متر مربع، على بعد 6 أميال من باب المندب، واستخدمت في فترات متعددة لعمليات عسكرية أمريكية. لا يختلف هذا التوجه الأمريكي عن نظيره كيان العدو الإسرائيلي الذي يسعى إلى الحصول على قاعدة عسكرية في جيب بإقليم أرض الصومال الانفصالي للأسباب نفسها.
لم يكن مصادفة أن تبحث إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عودة العلاقة مع إرتيريا في نوفمبر 2023، وهي المدة نفسها التي تشكل خلالها “تحالف حارس الازدهار”، وبالتزامن عزز كيان العدو الإسرائيلي علاقته بحكومة هرجسيا بأرض الصومال، في الحالتين الأمريكية والإسرائيلية إدراكًا لتحول استراتيجي باليمن.
عودة شبه قسرية
ما نشرته صحيفة ول ستريت جورنال حول أن الإدارة الأمريكية أبلغت عن توجه لرفع العقوبات عن أسمرة، وبحث عودة العلاقة مع نظام الرئيس أسياسي أفورقي ليس جديدًا ومدفوعًا بالتطورات الأخيرة والهزيمة الأمريكية في هرمز، والمخاوف من إغلاق اليمن لباب المندب في حال حدث تصعيد، لكنه بلا شك جزء من القلق المتنامي؛ إذ إن الصحيفة تقول: إن مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا مسعد بولس التقى الرئيس الإرتيري في القاهرة أواخر العام الماضي، وبحث معه عودة العلاقة، ومع أن الصحيفة تقول أيضا: إن هناك انقسامًا في الإدارة الأمريكية حول إحياء العلاقة الأمريكية الإرتيرية، إلا أن ذلك يعود إلى مقاربة واشنطن بين الفوائد والأضرار المحتملة جراء التضاد مع العلاقة بالحليف الإثيوبي التقليدي.
وفي الواقع فإن فهم هذه المقاربة تقود – مع فهم علاقات متضاربة أخرى بينها علاقة أسمرة بموسكو وبكين- إلى وضعنا أمام تقديرات مرجحة لما ستستقر عليه جملة من التموضعات:
- قابلية النظام الإرتيري للخروج من التوازنات في العلاقات التي يعتمدها منذ سنوات.
- الاستراتيجية الأمريكية في الجمع بين التحالف مع خصمين تقليديين – إرتيريا وإثيوبيا.
- الثقة الأمريكية بجدوى العمل من إرتيريا.
إن العلاقة الأمريكية بإرتيريا منذ الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، مرورًا بالحرب الأهلية الإرتيرية الإثيوبية حتى إعلان الاستقلال الإرتيري 1993 عبارة عن مزيج من التقلبات، غلب عليها انعدام الثقة المتبادلة، وصولًا إلى ميول الولايات المتحدة الأمريكية إلى تفضيل الإطاحة بالرئيس العتيق أسياسي أفورقي وحزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكم، يتخلل ذلك بين مدة وأخرى التفكير بالعودة للعلاقة.
توازن من توافق
مع ذلك يتوجب التوقف عند التطورات المحيطة سواء في القرن الإفريقي بشكل كلي، أم في الشرق الأوسط بشكل كامل؛ إذ إن ما يحكم العلاقة من هذا النوع يمكن رؤيتها بشكل دقيق من واشنطن مرة واحدة ومن أسمرة أكثر من مرة.
- فضلت واشنطن بناء علاقة قوية مع إثيوبيا شريكًا استراتيجيًا سياسيًا وعسكريًا في دول القرن الإفريقي، ودفعت الرئيس الإثيوبي السابق ميلس زيناوي إلى المشاركة في حملة عسكرية واسعة للإطاحة بالمحاكم الإسلامية في الصومال 2006، ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى أديس أبابا حليفًا مهمًا.
- عملت واشنطن والعواصم الأوروبية على فرض عقوبات على النظام الإرتيري ومحاولة عزله والتوقف عند هذا الحد، وتجنبت أن تكون شريكًا في مخطط حرب غير مدروسة للإطاحة بأسياسي أفورقي.
في المقابل عمل الرئيس الإرتيري طوال المدة الماضية على التعايش مع العزل من دون محاولة كسره بتقديم عروض ترضية لواشنطن أو للأوروبيين، لكنه تجنب على الدوام التحول 100% نحو موسكو أو بكين، فعلى الرغم من أن علاقة أسياسي أفورقي جيدة مع موسكو، وحاجة الأخيرة لموطئ قدم في البحر الأحمر ضرورية، فضلت أسمرة عدم الدخول مرة أخرى إلى صراع بين قوتين كبيرتين قد تقود إلى إسقاط النظام.
إن أسياسي أفورقي يعد هذه السياسة أحد ركائز إبعاد الغرب عن دعم إثيوبيا ضده، ومن هنا يتوجب النظر عمليًا إلى المقاربة الإرتيرية من أكثر من نافذة، أبرزها:
أن النظام يثق بالبقاء في نقطة وسطى تجنح لموسكو وبكين قليلًا، وليس كليًا.
أن مخاوف أسياسي أفورقي كبيرة من الدعم الأمريكي والغربي لغريمه في أديس أبابا حتى بعد المصالحة في 2018.
أن لدى أسمرة شكوكًا كبيرة بجدوى التحالف المفتوح مع الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه مقاربة صحيحة، وهي ما أبقت النظام في إرتيريا بالفعل من دون جرعات غربية وأمريكية أكبر مع تحمل العقوبات، وفي المقابل كانت هذه السياسة خلال السنوات الماضية في التقدير الإثيوبي ضارة، أبقت أديس أبابا مترددة في الثقة بالولايات المتحدة الأمريكية في تطوير الخلاف مع إرتيريا والرغبة في الحصول على منفذ على البحر الأحمر هدفًا استراتيجيًا بالقوة ” إذا لزم الأمر ” ضد إرتيريا. وفي دراسة سابقة أشرت إلى أن النظام الإثيوبي يجد مؤشرات سلبية أمريكية وحتى إسرائيلية تجاه استخدام القوة للوصول إلى لبحر الأحمر.
هل سقطت هذه المقاربة عن الجميع؟
استراتيجيًا صلحت هذه الحسابات طوال العقدين الماضيين، لكنها لم تعد كذلك الآن، وهو اختلال لا يفضله الرئيس الإرتيري الذي عبَّر عنه مطلع العام الجاري عندما كان في القاهرة، وقد تزامن ذلك مع لقائه المستشار الأمريكي مسعد بولس عندما قال: إن التدخلات الخارجية وعسكرة البحر الأحمر تعمل على عدم الاستقرار، لقد كان ذلك مؤشرًا واضحًا على قلق النظام في إرتيريا ومخاوفه من التطورات المتسارعة، وهو أحد الدوافع الرئيسة للتحالف الثلاثي المصري الإرتيري الصومالي الذي أعلن عام 2024.
اختلال التوازن … أسمرة إلى استراتيجية الخوف
ومن ثَمَّ ما يحكم سلوك أسياسي أفورقي بما في ذلك حجم العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتطوراتها المستقبلية تتصل بما يمكن وصفها – باستراتجية الخوف – إنها مدفوعة بحماية النظام وتأسيس سياجات بديلة لتلك التي سقطت بفعل متغيرات، بعضها خارجية.
لقد رأى أسياسي أفورقي أن متغيرات كثيرة محيطة تتعلق بالقرن الإفريقي والمنطقة تفرض عدم الاعتماد المقاربات السابقة، وهذا بالضبط ما أدركه آبي أحمد في أديس أبابا، وتصرف طوال المدة الماضية بناء على ذلك، وحتى ننتقل للمقاربة الجديدة عند الطرفين يجب التذكير بأبرز المتغيرات:
- إسناد اليمن لغزة من خلال إقفال باب المندب عن ملاحة العدو الإسرائيلي.
- هشاشة الاعتماد على حاملة الطائرات الأمريكية أو حتى التحالفات البحرية.
- فشل العمل العسكري لتغيير النظام في صنعاء وصعوبة التنبؤ إذا كان ذلك سيحدث من خلال إعادة الحرب.
كان سد النهضة مطروحًا مشروعًا منذ سنوات طويلة، الجديد الذي أحضره على طاولة التنفيذ لم يكن صعود قائد المخابرات السابق آبي أحمد إلى السلطة في أديس أبابا، بل الظروف التي دخلتها مصر والسودان عقب الربيع العربي 2011 وما بعده من أحداث تمنع الجيش المصري من دفع الأزمة إلى الحرب، على الطريقة نفسها اعتقد آبي أحمد أن الولايات المتحدة الأمريكية ستغير استراتيجيتها تجاه البحر الأحمر وباب المندب ودول القرن الإفريقي على إثر ارتفاع حاجتها إلى حليف قوي، ومن ثَمَّ دعم وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر والحصول على ميناء وقاعدة عسكرية، إما على حساب إرتيريا وإما على حساب أرض الصومال، وقد تكررت التصريحات الإثيوبية بشأن ذلك (تسميه حقها الاستراتيجي) خلال السنوات القليلة الماضية.
هذا التفكير كان هاجسًا ملحًا ومقلقًا في أسمرة، لقد كان العمل العسكري الإثيوبي المدعوم من أمريكا أو كيان العدو الإسرائيلي أو الاثنين معًا هو سيناريو متوقع عند أسياسي أفورقي، والإطاحة بنظام إرتيريا كان محتملًا بوصفه جزءًا من إسقاط التوازن الذي كان مسيطرًا في الفترات الماضية، بينما كان التقارب الأمريكي مع إرتيريا احتمالًا، ولكن بعيدًا.
صحيح أن القاهرة أدت دورًا في هندسة هذا التقارب ضمن الصراع مع إثيوبيا، لكن القبول الإرتيري مدفوع باستراتيجية دفع المخاوف وحماية النظام مع استمرار وجود الشكوك بالعلاقة الأمريكية التي لا تفضلها، أسمرة أمام خيارين دقيقين للغاية:
- الموافقة على عودة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية مقابل رفع العقوبات، والأهم الموافقة على وجود قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها، ولربما هذا المعروض حاليًا.
- الرفض الذي يعني دفع أمريكا إلى دعم إثيوبيا.
ستخسر التموضع القديم والخيارات المفتوحة جزئيًا في علاقات أوسع مع روسيا والصين (إرتيريا جزء من طريق الحرير الصينية) مقابل بعض الامتيازات المالية جراء رفع العقوبات وأجور “القاعدة الأمريكية المفترضة “، والأهم أنها ستغلق أبواب الخوف من اجتياح إثيوبي كان محتملًا.
“التموضع الجديد لإرتيريا”، إذا استمر هذا المسار يضعها في مربع خصومة وعداء وصراع محتملين مع اليمن، لم يكن الرئيس الإفريقي يخطط له، وإنما كان يخطط لمسار مغاير يقوم على التعاون.
مخاطر الجغرافية الإرتيرية
تملك إرتيريا شريطًا ساحليًا يمتد نحو 700 ميل، بالإضافة إلى مجموعة جزر حالب وفاطمة القريبة من باب المندب وجود قاعدة أمريكية في هذه المنطقة من شأنه أن يدفع إلى صراع مع اليمن سيقود إلى عدم استقرار طويل الأمد، سيضاف إلى المعركة شبه المؤجلة مع كيان العدو الإسرائيلي؛ لمنع حصولها على موطئ قدم في الجيب الصومالي المنفصل.
فعل النظام الإرتيري الشيء نفسه مع اليمن خلال العدوان الأمريكي السعودي عام 2015؛ إذ استخدمت السعودية والإمارات قواعد عسكرية في عصب ومصوع، واستخدمت قواعد للقوات الجوية ومخازن ومراكز لوجستية وتدريب لسنوات، لقد حدث ذلك خلال تقدير خاطئ للرئيس الإرتيري، ولو طلب إليه ذلك الآن لكان موقفه مختلفًا، ليس لأن لديه علاقة مع صنعاء، ولكن لأن لديه مخاوف من رد الفعل اليمني.
استراتيجية صنعاء للتعامل مع مخاطر وجود عسكري أمريكي واسع في إرتيريا
إن دفع إرتيريا بالترغيب أو التهديد لمنع العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحصول الأخيرة على قواعد عسكرية في البحر الأحمر وباب المندب لن تكون مجدية مع الخطأ الاستراتيجي الذي يقدم لنظام أسياسي أفورقي وحتى النظام المصري، ومع ذلك يتوجب إرسال تحذير وتوضيح مخاطر هذه الخطوة وتبعاتها على الأمن المشترك في البحر الأحمر وباب المندب، وبدلًا من ذلك يتوجب التخطيط عمليًا لمواجهة الوجود الأمريكي العسكري على السواحل والجزر الإرتيرية بالقرب من باب المندب، وإشعار الدول المشاطئة والمستخدمة للمضيق أن التحرك الأمريكي العسكري المعادي سيجعل تكاليف المرور في البحر الأحمر معقدة، ولن يساعد في تأمينها.