في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي بتاريخ 24 أبريل 2026، يقدّم الكاتب الأمريكي ستيفن كوك تحليلاً لموقف المملكة العربية السعودية من الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مسلطاً الضوء على أسباب التردد السعودي في الانخراط المباشر في الصراع، في ظل اعتبارات اقتصادية واستراتيجية معقدة، وسعي الرياض إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وموازنة علاقاتها وتحركاتها في بيئة إقليمية شديدة التقلب. فيما يلي ترجمة خاصة للمقال:
كانت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران صعبة على المملكة العربية السعودية. ففي ظل معاناتها بالفعل من الضغوط الاقتصادية، اضطرت السعودية إلى خفض الإنفاق وتمديد الجداول الزمنية للمشاريع الكبرى التي كان من المفترض أن تكون تجسيدًا ملموسًا للتحول الذي تشهده المملكة. سيركز صندوق الاستثمارات العامة الآن اهتمامه على الطاقة البديلة، والتصنيع المتقدم، واللوجستيات، والمياه والطاقة المتجددة، والسياحة، ونيوم، المدينة المستقبلية التي يبنيها السعوديون على طول الساحل الشمالي الغربي للبلاد. كما أن الرياض ستواصل الاستثمار في قاعدتها الصناعية الدفاعية وتنويع مشترياتها من الأسلحة، وهو ما لا ينبغي أن يفاجئ أحداً في ضوء الصراع الحالي. تخطط السلطات السعودية لوقف دوري الغولف الذي أنشأه ولي العهد محمد بن سلمان، وقد باعت بالفعل 70 في المائة من نادي الهلال لكرة القدم، أحد أبرز أندية البلاد.
فيما يتعلق بالحرب نفسها، تعرضت السعودية لضربة قوية على صعيد العلاقات العامة في أواخر فبراير، عندما ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن محمد بن سلمان — مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو — قد مارس ضغوطاً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمهاجمة إيران. ونفى السعوديون ذلك. وبعد بضعة أسابيع، عندما كان ترامب يدعي أن الحرب ستنتهي في غضون أيام قليلة، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ولي العهد كان يمارس الضغط مرة أخرى على الرئيس، هذه المرة لإنهاء المهمة ضد طهران. مرة أخرى، نفى السعوديون ذلك. ومع ذلك، على الرغم من إصرارها علنًا على أنها لا تريد الحرب، وأنها لا علاقة لها بعملية «الغضب الملحمي»، وأنها تدعم الحل الدبلوماسي للصراع، فقد تعرضت المملكة العربية السعودية لهجوم متواصل من إيران ووكلائها في العراق. وردًا على ذلك، أعلن السعوديون أنهم «يحتفظون بالحق» في الرد بإطلاق النار، لكنهم اختاروا حتى الآن عدم الضغط على الزناد.
هذا لا يعني أن على المملكة العربية السعودية أن تدخل في القتال، لكنه يكشف أن دولة تصف نفسها بأنها قوة صاعدة وأهم دولة في الشرق الأوسط تقف مترددة في الوقت الذي تحترق فيه جوارها. من الواضح أن مصالح السعودية على المحك، لكن بدلاً من اتخاذ إجراءات، تكتفي بإصدار بيانات شديدة اللهجة بينما يقوم آخرون، بمن فيهم خصومها، بتشكيل المنطقة. يبدو أن الرياض ستكون في وضع أفضل إذا اتخذت خطوات ملموسة لحماية مصالحها. أليست هناك مقولة تقول: أن تتواجد على طاولة الطعام أفضل من أن تكون أنت الوجبة؟” (الأفضل أن تكون ضمن صُنّاع القرار لا ضحيةً لهم)
لنكون منصفين، فإن الصراع مع إيران يمثل مسألة معقدة بالنسبة للسعوديين. فبعد أن راهن القادة السعوديون بتريليون دولار على تحولهم الاقتصادي، لا يرغبون في شيء أكثر من الاستقرار الإقليمي. من وجهة نظرهم، لا يبدو أن هناك من يساعدهم: لا حماس، ولا سوريا، ولا الإمارات العربية المتحدة، ولا إيران، وبالأخص لا إسرائيل والولايات المتحدة. في مواجهة حقيقة أن شريك الرياض الأقرب، واشنطن، قد زعزع استقرار المنطقة (إلى جانب إسرائيل)، يحاول السعوديون إيجاد أفضل السبل لحماية أنفسهم في ظل ظروف خارجة عن سيطرتهم ومن المرجح أن تؤدي إلى أحد ثلاثة نتائج.
الأول هو حالة من الجمود: يتعب ترامب من الصراع ويعلن فوز الولايات المتحدة دون تحويل المكاسب التكتيكية إلى انتصار استراتيجي، بينما تبقى القوات الأمريكية في المنطقة وتظل العقوبات على إيران سارية. لن تكون هذه أسوأ نتيجة للسعوديين، على الرغم من أنهم سيظلون على الأرجح تحت تهديد الطائرات بدون طيار والصواريخ الإيرانية.
والثانية هي انتصار أمريكي حقيقي، والذي قد يتراوح بين عدم قدرة إيران على تهديد جيرانها إلى تغيير كامل للنظام. وهذه هي أفضل نتيجة ممكنة للمملكة العربية السعودية (وغيرها في المنطقة).
النتيجة الثالثة المحتملة هي أيضًا الأسوأ: انتصار إيراني يُعرَّف برفع العقوبات، ودور لطهران في إدارة مضيق هرمز، وبقاء النظام، وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.
كل من هذه السيناريوهات ممكن، ولكن بالنظر إلى الطريقة التي تعامل بها السعوديون مع الصراع حتى الآن، يبدو أنهم يستبعدون احتمالات انتصار الولايات المتحدة لصالح إما حالة من الجمود أو انتصار إيراني. ولهذا السبب، فإنهم يسيرون على حافة الهاوية، وينكرون أنهم كانوا مؤيدين للحرب منذ البداية، ويهربون من التقارير التي تفيد بأنهم لا يريدون أن ينهي ترامب الأعمال العدائية قبل الأوان، ويهددون الإيرانيين بشكل دوري بالانتقام، لكنهم لا ينفذون هذه التهديدات أبداً.
كان من المفترض أن تكون طريقة التعامل مع المنطقة هذه، التي تتمثل في التهرب والتستر، شيئاً من الماضي بالنسبة للقادة السعوديين. وبقدر ما يبدو من المغري القول إن الأمر يتعلق بعادات قديمة يصعب التخلص منها، فإنه من الأصح تسليط الضوء على الموقف المحرج الذي يجد السعوديون أنفسهم فيه. فالمملكة العربية السعودية ليست قوية ومؤثرة بالقدر الذي توحي به خطاباتها، مما يجعلها تعتمد على الولايات المتحدة، التي انضمت إلى إسرائيل في محاولة تغيير الشرق الأوسط. قد يتفق محمد بن سلمان مع الهدف، لكنه لا يتفق مع الطريقة التي اتبعتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيقه. في ظل هذه الظروف، تحاول الرياض أن تكون مستعدة لكل الاحتمالات.
نظراً للمخاطر — حيث إن «رؤية 2030» وكل ما يرتبط بها معرض للخطر — سيكون من الأفضل للسعوديين الخروج من مأزقهم واتخاذ موقف فعلي من الحرب. قد يكون موقفاً على غرار: إيران تشكل تهديداً للأمن السعودي؛ سعت المملكة العربية السعودية إلى التقارب، لكن الإيرانيين لم يلتزموا بجزءهم من الاتفاق؛ فضلت الرياض اتخاذ منظور طويل الأمد وأملت في أن يتخلص الشعب الإيراني الشقيق من نظامه؛ لم تدعُ القيادة السعودية إلى هذا الصراع، لكن الإيرانيين هاجموا المملكة وهددوا رفاهها الاقتصادي؛ ستشارك المملكة العربية السعودية في جهود بحرية لفتح مضيق هرمز وسترد على إيران على الهجمات التي شنتها على المملكة. من المرجح أن يعترض بعض السعوديين على هذا الموقف أو يصورونه على أنه تحريض على الحرب. لكنهم يريدون أيضاً أن يُنظر إليهم على أنهم أقوياء ومؤثرون وقادرون على تشكيل مستقبل المنطقة. إذا كان الأمر كذلك، كيف تقوم الرياض بذلك؟