قراءة إسرائيلية لنتائج الحرب على إيران: إسرائيل على مفترق طرق تاريخي

قراءة إسرائيلية لنتائج الحرب على إيران: إسرائيل على مفترق طرق تاريخي

قراءة إسرائيلية لنتائج الحرب على إيران: إسرائيل على مفترق طرق تاريخي

قراءة إسرائيلية لنتائج الحرب على إيران: إسرائيل على مفترق طرق تاريخي
Picture of مركز آفاق اليمن

مركز آفاق اليمن

للأبحاث والدراسات

 ترجمة (بتصرف) │غسان محمد

تحت العنوان أعلاه، كتب الباحث الإسرائيلي، د. ران بيرتس: على الرغم من أننا في حالة هدنة هشة لأغراض المفاوضات، والحرب لا تزال مستعرة في لبنان، إلاّ أن الإيرانيين والأمريكيين يأملون –بوضوح- في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب؛ لذا، من جهة، لا يزال من السابق لأوانه استخلاص النتائج، ومن جهة أخرى، من المؤكد بعد عامين ونصف من الحرب أنه من الممكن استخلاص بعض الدروس.

ويمكن عرض عشرة أفكار حول هذه القضية:

تفرد ترامب: دونالد ترامب هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي كان بإمكانه مهاجمة إيران مرتين متتاليتين، فعل ترامب ذلك خلافًا لموقف الرأي العام الأمريكي، وخلافًا لتصريحاته الانتخابية، وبشكل يتناقض مع صورته الذاتية كـ”مُنهي الحروب”. عارض ذلك الكثيرون في إدارته، نائب الرئيس جيه. دي. فانس، ورئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الذي استقال، وجو كينت، وحتى وزير الخارجية ماركو روبيو، الذين كانوا جميعًا مترددين، لكن ترامب اتخذ القرار، ووضع أهدافًا محدودة: نووية وصاروخية، وشن الحرب.

موت الحقيقة: لم يعد هناك أي أثر للمعايير السياسية الحديثة والثقافة الديمقراطية الغربية، لا أحد يُطلع العامّة على الحقيقة، لقد تبنى الغرب و”إسرائيل” سلوك “صوت الرعد” القادم، المبالغة والأكاذيب المُريحة أصبحت شائعة، كل شيء دعاية، من ترامب، مرورًا بالمتحدثين باسم التحالف، وصولًا إلى آخر ضابط برتبة مقدم في الجيش، وهذا كما يُثبت التاريخ مشكلة جوهرية؛ إذ من المستحيل إدارة سياسة ودولة على أساس التشويهات والأكاذيب.

إنجاز استراتيجي: لكن مع بعض التحفظات، وحتى لو تجاهلنا المبالغة في وصف “النصر الكامل” وسخافة وصف “الفشل الذريع”، قد يكون الإنجاز الرئيس للحرب هو إضعاف المحور الشيعي، بمساعدة سخيّة من الولايات المتحدة، وهذه قد تكون فرصة للشرق الأوسط، ولكنها تنطوي أيضًا على مخاطر جسيمة؛ فـ “توازن القوى” – وهي فكرة رائعة ظهرت بالفعل في معاهدة أوتريخت، المعاهدة التي أنهت حرب الخلافة الإسبانية عام 1713، يُبقي الحرب بعيدة، لكن، عند انتهاك هذا الاتفاق تتزايد احتمالات الحرب، ومن ثَمَّ، عندما يضعف الشيعة يتقوى المحور السنّي، الذي استفاد بشكل كبير من رئاسة ترامب، وعلى رغم اتفاقيات السلام مع بعض الدول السنّية، فإن الرأي العام السنّي لا يقل معاداة للسامية عن الشيعة؛ لذلك، يتطلب هذا التطور منّا توخي الحذر الشديد والواقعية التامة.

مع حلفاء كهؤلاء: يشعر ترامب بالغضب تجاه حلفائه، باستثناء “إسرائيل”؛ فقد خيبت معظم دول الناتو وكوريا الجنوبية واليابان- التي تستثمر فيها الولايات المتحدة رؤوس أموال وترسل إليها قوات دائمة- آماله، لكن الولايات المتحدة في مأزق، فإذا سحبت مساعداتها سيفرح الصينيون والروس فرحا عظيمًا، أضف إلى ذلك أن احتمالات قدرة هذه الدول على تحمل مسؤولية أمنها ضئيلة؛ نظرًا لانهيارها الأخلاقي واضطراباتها الديموغرافية؛ لذلك، من المُرجّح أن تكون تهديدات ترامب لها كلامية.

القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم): في الحديث عن الأمريكيين، لا بد من القول إن أغلى ثمن استراتيجي للحرب ربما يكون خضوعنا لهم، الذي بلغ أبعادًا تاريخية: الحكومة الإسرائيلية إلى البيت الأبيض، وهيئة الأركان العامة للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، لقد بُنيت مؤسسات حقيقية لهذا الغرض، تتجلى ميزة هذه الشراكة المُهيمنة في إيران، لكن عيوبها هائلة، سيرحل ترامب، وسيرحل براد كوبر، وفي مرحلة ما سيصل بدلاء معادين لـ”إسرائيل”، سيواصلون المطالبة بإدارتنا على المستوى التكتيكي أيضًا.

لبنان وغزة: تستمر الحرب في لبنان، وتعد من وجهة نظر الأمريكيين ورقة ضغط على إيران، لا يرغب الجيش الإسرائيلي في احتلال جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، بل يكتفي بشريط أمني ضيق، شبيه بالخط الأصفر في غزة. العملية الجوية التي أعقبت وقف إطلاق النار مع إيران، فاجأت حزب الله وكانت فعّالة، ولكن بالنظر إلى القيود المذكورة آنفا، ستكون الحملة في الشمال شبيهة بغزة، بحيث تكون الفائدة هامشية: إنجازات أمنية محدودة مع تراكم أوجه القصور في المجالات العسكرية والسياسية والعامة والاقتصادية.

بقاء كبار قادة الجيش الإسرائيلي في مناصبهم منذ السادس من أكتوبر: من الواضح وجود تحسينات في القدرات القتالية والتكتيكية، ولكن يتضح من النظرة الأولى أن المعايير والقيادة العليا في الجيش لم تتغير، كل أسبوع نواجه نفس ثقافة الأكاذيب، والرفض القاطع للنقد، والمنهجية، وإخفاء الإخفاقات، والتبذير، والغطرسة، والحملات الإعلامية المتواصلة، ويتضح أيضًا أن الجيش الإسرائيلي لم يُحسّن أداءه العملياتي خلال الحرب أيضًا، لا على الصعيد المهني ولا على صعيد القيادة، على رغم أن هيكلية وقدرات وكفاءة القيادة العليا في الجيش البري المُهمل، لا تكفي إطلاقًا لمواجهة التهديدات المُستقبلية.

تفرد نتنياهو: كما هو الحال مع ترامب في الولايات المتحدة، كذلك في “إسرائيل”، لم يكن ليقودنا إلى هذه الحرب المُستمرة والمُملة سوى نتنياهو، فما كان مطلوبًا هو المثابرة، وقاعدة دعم شعبي مُستقرة، وتحالف فعال، وشخصية مناسبة، والقدرة على إقناع ترامب، لا يوجد اليوم في “إسرائيل” سياسي آخر غير نتنياهو يمتلك كل هذه الصفات.

وقت النهاية: هناك مبدآن معروفان لإنهاء الحروب، صيغا في روما، الأول: هو “الوضع الراهن قبل الحرب”، أي: العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب، والثاني: هو “ما تحقق، وما لم يتحقق”، أي: أن يحتفظ كل طرف بما حققه في الحرب، هذه هي القاعدة التي يجب تطبيقها الآن؛ ففي عامين ونصف، حققنا ما حققناه في غزة ولبنان وإيران، كانت هناك إنجازات، وكانت هناك إخفاقات أيضا، ولكن في ظل القيود الحالية وارتفاع الأثمان، يجب توخي الحكمة لتحقيق أقصى استفادة من هذه الخطوة. عرف نتنياهو كيف يبادر، لكن يجب الآن معرفة متى يتوقف، أحيانا يكون الأمر صعبًا، ولكنه بالتأكيد لا يقلّ أهمية.

إعادة البناء والتغيير: توفّر لنا المدة المتبقية من عهد ترامب، فرصة استراتيجية فريدة؛ ففي ظل رعايته المؤقتة أصبحت “إسرائيل” أكثر أمانًا، ويمكن استغلال هذا الوقت للجهود اللازمة لتصحيح أوجه القصور (بما في ذلك الأزمات الكبرى التي تم إنكارها في الجيش)، بعد سنوات من التدهور، للانتقال إلى إعادة بناء النظام الدفاعي والجيش الإسرائيلي على المستوى الشخصي والمهني والمؤسسي.

لقد تضخمت ميزانيات الدفاع إلى أبعاد هائلة خلال الحرب، ويجري إنفاقها دون أي اعتبار للكفاءة، ودون رقابة مدنية فعّالة، ودون الإصلاح الهيكلي اللازم. من واجبنا ضمان ألاّ يذهب هذا الاستثمار الهائل في الأمن، الذي يُقرّبنا من أزمة اقتصادية، سدىً، وأن يُوجَّه بدلًا من ذلك نحو استعداد حقيقي لأعداء الغد، الذين يبرزون أمام أعيننا.

ختامًا، تقف “إسرائيل” اليوم على مفترق طرق تاريخي؛ فقد اكتسب العنف السياسي شرعية مُتجددة في العالم، وتتغيّر المحاور العالمية والإقليمية، ويدخل الجميع مرحلة بناء قدرات عسكرية مُتقدمة، من ثَمَّ، يقع على عاتقنا استخلاص العِبر والعمل وفقًا لها، فإذا لم نعرف كيف نتعافى ونتطّور بشكل أسرع وأفضل من أعدائنا، وبشكل أفضل بكثير ممّا يستطيع النظام الحالي تحقيقه، فلن يذكر التاريخ حرب 7 أكتوبر نجاحًا استراتيجيًا، بل نقطة تحول في قوة “إسرائيل” النسبية. يجب علينا التأكد من ألاّ يكون هذا هو الحال.